رواية «لمن تُقرع الأجراس؟» لأرنست هيمنغواي ..

الحب الذي يبعث السؤال الفلسفي .. لماذا الحرب ؟

حينما تقرأ رواية ما، يسهل عليك كثيرًا التمييز ما بين الواقع والخيال فيها، وكلما زادت نسبة الواقع من أحداث وشخصيات وحوارات في الرواية زادها ذلك جمالًا ورسوخًا في أذهان قارئيها، والعكس يحدث حينما يطغى الخيال عليها حيث تصبح ركيكة متفككة وتغدو الشخصيات سطحية لا تترك كلماتها أثرًا وتُنسى بمجرد أن تقلب عنها الصفحات، وهكذا كانت رواية هيمنغواي «لمن تُقرع الأجراس» راسخة شديدة الحضور في ذاكرة الأدب عميقة الأثر حزينة توغر في الصدور وتذكر بفظائع الحرب وويلات مَقدمها، حيث يصبح الموت مجسدًا حاضرًا ورفيقًا دائما من الممكن أن يزورك صباحاً على مائدة الفطور أو ليلًا وأنت غافٍ في فراشك، إن الحرب تصنع الفوضى والعذاب والمعاناة وتترك وراءها حطامًا بشريًا حتى لأولئك الذين قد أسعفهم الحظ ببقائهم على قيد الحياة، هذه سنة كل الحروب ولم تكن الحرب الإسبانية الأهلية لتختلف عنهم في شيء. كم كانت الأوامر سهلة بالنسبة لروبرت جوردان، انسف الجسر كما تتقن تفجير الأشياء بالديناميت، انسفه بحيث يسقط إلى الهاوية مرة واحدة، انسفه عند بزوغ الفجر قبيل الهجوم لأن عامل الزمن هو العنصر الأهم والحسم. لم يكن في كل تلك الأوامر من ضير قط، أوليس هو الأمريكي الذي عشق إسبانيا فقرر خوض حرب الجمهوريين ضد أعدائهم الفاشيين معهم باختياره وقناعته، وقاده عقله العملي المنظّم إلى إتقان نسف القاطرات الفاشية بكل دقة وحرفية، وحينما وجهت له تلك الأوامر كان نسف الجسر أسهل عنده من القاطرات وتعقيداتها، حتى وقع في الحب. حينما أحب روبرتو ماريا، الصبية الجميلة السمراء الهاربة من الموت والاعتداء، تغير كل شيء وانقلب العالم ألوانًا فجأة وصار في السماء سحاب هش أبيض وفي المساء نجمات ذات ألق وبهجة وصار للأنهار خرير منعش وللعشب الأخضر عناق دافئ، نعم إنه الحب حين دخل قلبه فتغير كل شيء! عاش روبرتو صراعًا مريرًا مع نفسه وصارت الأوامر قاتمة وظالمة وشبه مستحيلة فلو كان الوقت المخصص لنسف الجسر ليلًا لكانت النجاة واقعة ومحتملة إلى حد بعيد أما وهي فجرًا ففي الهروب من وابل الرصاص الذي سيسحقهم أمر محال! وباغتته الأسئلة لا ترحم كالرصاص أو أشد: من هو ماذا يفعل أمريكي في هذه الحرب؟! ما الذي يمنعه من أن يشبك ذراعه بهذه الصبية الفاتنة التي عانت الكثير بالفعل ويرحل إلى موطنه لتكون زوجه هو أستاذ اللغة الإسبانية الجامعي؟! وغزت المرارة قلبه وملأت فمه بطعم كريه لم يستطع الخلاص منه ولم يكد يعرف نفسه وقد كان قبلًا لا يشغل باله سوى المهمة وأبعادها والطريقة المثلى لتنفيذها دون خطأ واحد، أما حياته فلم تكد تشغله في شيء ولم يكن يعنيه ما بعد نسف الجسر من نجاة أو هلاك! حتى أنه كان قد أطلق النار على زميل له مثخن بالجراح كي لا يقع في الأسر بعد عملية سابقة دون أن يتأثر بذلك أو تتحرك بداخله ذرة من شعور. عِشْ السبعين عامًا من عمرك القادم الذي قد لا يأتي قط في هذه الليالي.. عشها وكأنها سبعين ساعة واغتنم هذه السويعات والليالي القصار التي تبقت لك وكأنها كل حياتك وكل عمرك وكل لياليك القادمة واقنع بهذا، أوليس كلنا لا نعرف في الواقع؟ متى نموت وأين نعيش ومتى تنتهي رحلتنا؟ لا فرق إذًا، هكذا خلص روبرتو في حديثه إلى نفسه، لكن الأمور كلها تتحول وتنقلب وتتبدل حينما أمسى يحب الأناس الذين لاقاهم في مهمته، أفراد العصابات الذين ضموا صوتهم وجهودهم وقتالهم إلى جانب الجمهوريين ومكثوا في الجبال كالثعالب يؤدون المهام ويفرون إلى كهوفها فلا يهتدي لسبيلهم أحد، وتعلق بهم قلبه: ماريا وبيلار العجوز الباسلة واسميليو الدليل المسن الشجاع وحتى بابلو الذي كان زعيمًا حتى وقت قريب ثم هدته الحرب وسئم عواقبها وتاق للراحة وللرفاهية التي تُعاش تحت ظل الأمان، وفي الرواية برغم تشويقها وما تنطوي عليه من إثارة القتال والكرّ والفرّ والخطط التي يضعها عقل ربورت المنظم الدقيق ببراعة، إلا أنك تجدها قائمة في الأساس على الفلسفة، لماذا يحارب الإنسان إنسانا؟ مالذي يجعل كلا طرفي الحرب يختلف عن الآخر؟ هؤلاء رجال وأولئك رجال، وخوفهم خوفنا ولحمهم لحمنا وترقبهم ترقبنا، لكن الأفكار التي نعتنقها هي من تغيرنا، وفي النهاية لأجلها نُفني أجسادنا وتزهق عن رضانا أرواحنا. وحينما قتل روبرت جوردان في الصفحات الأخيرة من الرواية، لم يكن منشأ صدمتي وحزني العميق رحيله بحد ذاته بقدر ما أبكاني موقف ماريا، ماريا ابنة محافظ بلدتها التي احتلها الفاشيون أثناء الحرب الإسبانية الأهلية فأطلقوا الرصاص على كل الموالين للجمهورية وأولهم بالطبع والديها وخلال هذه التصفية الطويلة المؤلمة جمع كل من له علاقة من أهل المتوفين في ساحة البلدة ليشهدوا الإعدامات بأنفسهم، وكانت ماريا الصبية ذات التسعة عشر عامًا السمراء الجميلة العذبة إحداهم، حينما انتهى الإعدام التفت منفذي أحكام الإعدام إليهم وبدأت الاحتفالات! قال أحدهم «هذه ابنة محافظ البلدة فلنبدأ بها» وقطعوا الحبل الذي كان يقيدها إلى الآخرين وجرجرت إلى صالون الحلاق المهجور وعلى عتبته دماء صاحبه الميت مسفوحة، وعلى الكرسي الجميل الوثير وأمام المرآة التي لم تكد ماريا تتعرف على نفسها في صفحتها بدأت كل أنواع التعذيب تجرى عليها، من حلاقة شعرها وتجريح وجهها وحرق رأسها والنحت على جلدها العاري ثم اقتادوها إلى مكتب أبيها الفاخر ليكملوا الاعتداء عليها، في أثناء خروجها من الصالون أبصرت بصديقة طفولتها غرايسي يقتادونها للدخول من بعدها وما إن وقع بصر هذه عليها ورأت ما حلّ بها حتى صرخت، وظلت صرختها عالقة في أذن ماريا طوال ليال طويلة بعدها، هكذا قصت ماريا لروبرت جزءًا يسيرًا من قصة فرارها وتعذيبها. لقد كانت ماريا جثة حية قبل أن تلقى روبرت وحبه لها والوعد بحمايتها وبأنها أخيرًا عثرت على مكان لها في هذا العالم كان ما جعلها تتشبث بالحياة عندها بعدما كانت لا تمني نفسها بشيء غير الموت بشجاعة كأبويها، وهكذا حينما حانت النهاية ونجح روبرت في مهمته غير أنه لقي حتفه تُركت صبية الحرب الجميلة المعذبة مرة أخرى لتواجه صفعات الحياة وحدها، وكان هذا هو أكثر ما أدماني، شعور الأمان الوليد لتوه وقد فقد للأبد مجددًا والإحساس بعدم جدوى الحياة وقد رحل كل من أحبت، لقد تهاوت ماريا إلى جواره مرات عديدة وكان هو من يُنهضها ويحثها بصوت واثق على الرحيل وتركه إلى مصيره، وغادرته أخيرًا وقد غادرتها هي نفسها كل أسباب الحياة وانقطعت عنها. وعندما ختم إرنست هيمنغواي روايته وداعًا للسلاح، كان يمكنه بكل بساطة أن يجعل من خاتمتها نهاية سعيدة، حيث لم يمتلك البطل أي صفات الشجاعة والإقدام التي كان يمتلكها روبرت، وعلى العكس منه فرّ من المعركة وبغض الحرب وهجرها إلى حضن محبوبته كاثرين، وكاثرين كانت حبلى، وعاش كلاهما أيامًا رائعة في جبال سويسرا الأخاذة ومنيا نفسيهما كثيرًا بالربيع القادم من بعد ثلوج الشتاء، وكل ما كان يفصلهما عن نهايتهما السعيدة هي ولادة كاثرين بسلام، لكن بالطبع هيمنغواي المغرق دومًا في الكآبة ما كان ليسمح بهذه السعادة أن تهبط عليهما قط، ولعله كان محقًا فالنهايات السعيدة سرعان ما تُنسى وتُمحى من الأذهان في حين أن الحزن يبقى، الحزن يترك أثره من ورائه، ويتركنا أبدًا معلقين بذيل القصة التي قلبنا بالفعل آخر صفحاتها، وهكذا ببساطة يموت الطفل الوليد وتموت كاثرين من بعده على إثر نزيف شديد ألمّ بها، ونترك هنري وهو يمشي مترنحًا عائدًا من المستشفى إلى غرفة الفندق التي لن تعود إليها قط كاثرين مجددًا، وهو كغيره من أبطال قصص هيمنغواي لم يعد يدري لنفسه سببًا يربطه بالحياة. لمن تُقرع الأجراس؟ لمن تنكس الأعلام؟ لمن نبكي؟ لمن نهتف؟ لمن نتألم؟ لمن تهطل دموعنا؟ إنها لك ولي ولأجل الناس جميعًا، هكذا أراد أن يقولها سيد القصص الأمريكي إيرنست همنغواي، وبمضمون هذه العبارات صاغ روايته العظيمة «لمن تقرع الأجراس».