أود أن أنطلق في ما يلي من ملاحظات من الأطروحة الشهيرة التي أطلقها الباحث الأمريكي لورنس فينوتي حول ما سماه “اختفاء المترجم.” يقول فينوتي إن الترجمة في “الثقافة الأنغلو أمريكية المعاصرة” شهدت ظاهرة سماها “اختفاء المترجم” مشيراً إلى الهامشية التي ينظر بها إلى المترجم والترجمة ككل. القارئ معني بالنص وليس بمن ترجم النص، والمترجم متوارٍ غالباً وراء العمل المترجم نتيجة للاعتقاد بأن مهمة الترجمة هي إعادة إنتاج النص بسلاسة تشف عن الأصل بدلاً من أن تخفيه. ما يجب أن يختفي هو الترجمة والمترجم ليبقى النص الأصلي أو المترجم بصورته الأصلية أو الأقرب إلى تلك الصورة الأصلية. عندما صدر كتاب فينوتي أواسط التسعينيات من القرن الماضي لم يتوقع أحد أن الترجمة سيدخل فيها لاعب خطير اسمه الذكاء الاصطناعي. في عصر الذكاء الاصطناعي تبدو عملية الاختفاء هذه وكأنها تطور ساخر من الوضع الذي اشتكى منه فينوتي قبل أعوام. لم تعد المسألة مسألة اختفاء وإنما هي مسألة زوال، انمحاء كلي لدور الإنسان في عملية الترجمة، اللهم إلا إذا تذكرنا أن أحداً قام بالبرمجة التي أدت إلى تطور الذكاء الاصطناعي. لكن ذاك المبرمج هو نفسه مختفٍ إن لم نقل زال أو في طريقه إلى الزوال. وبينما يرى البعض أن ذلك فتحاً في تاريخ الترجمة ضمن فتوحات أخرى حققها ويحققها الذكاء الاصطناعي، يرى آخرون مشكلات أو أزمات ناشئة عن تواري العامل الإنساني أو زواله التام. وفي تقديري أن تلك الأزمات متحققة فعلاً بل إنها ليست أزمات ناشئة فحسب وإنما أنها كانت ثاوية خلف تطور الذكاء الاصطناعي وما يعد منجزات أو فتوحات شهدناها ونشهد المزيد منها كل يوم. أنطلق من هذه الرؤية لأرسم صورة متأزمة، كما لابد أن تكون، لواقع الترجمة وما يلوح في الأفق من معالم مستقبلها في ظل التطورات التقنية المتسارعة. يقول الفيلسوف الفرنسي بيرنار ستيغلير في كتابه “التقنية والزمن” (1996) إن الثقافة تظل تلهث خلف التقنية، بمعنى أن فجوة ظلت دائماً قائمة، الثقافة، بما فيها المعرفة وامتداداتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، في سعيها لفهم التطور التقني واستيعابه والإفادة منه. الفجوة التي ظلت وما زالت قائمة هي ما نشهده اليوم، ولم يشهده أو شهد بداياته ستيغلر حين توفي عام 2020 مع انبثاق الذكاء الاصطناعي. كلنا في لهاث محموم لفهم ما يجري والبحث عن كيفية التعامل معه وترتيب حياتنا حسب مقتضيات انقضاضه على مناحي الحياة ووجوه النشاط وأهمها التفكير. ما يسميه ستيغلير “التيه” أو “الفوضى الذهنية disorientation الناتجة تمثل تراجع الدور الإنساني والمفارقة الماثلة في أن التراجع يقوم به الإنسان عما أنتجه الإنسان نفسه. المفكر البولندي زيغمونت باومان أشار إلى ذلك التيه على أنه من نواتج عصر ما بعد الحداثة. يقول باومان إن الثقافة المعاصرة تتسم “بالفوضوية...تنمو على نحو تشعبي (جذموري)، متعدد الاتجاهات”، ويضيف في موضع آخر أن الإنسان في تلك الثقافة يتحرك مثل البدو الرحل الذين يحتاجون إلى التعود على حالة من التيه المستمر، على الترحال عبر دروب لا يُعرف إلى أين تودي أو كم تستمر، قلّما ينظرون إلى المنعطف أو المعبر القادم عليهم أن يركزوا انتباههم على تلك الفسحة الصغيرة من الطريق التي عليهم أن يفاوضوا بشأنها قبل حلول الظلام. ذلك التيه مصدر كبير للمخاوف، لكن خوفاً أكبر يكمن في ما سبق أن سماه ميشيل فوكو، وإن في سياق مختلف، “اختفاء الإنسان” أو موته. في كتابه الصادر في أواخر الستينيات من القرن الماضي “الكلمات والأشياء” (1969) تنبأ فوكو بأن ما سماه نيتشه “الإنسان السوبرمان” الذي ارتبطت ولادته بموت الإله يعني في حقيقة الأمر موت الإنسان بالمعنى الذي سعت الأنثروبولوجيا إلى استبقائه لكن دون جدوى. هل إنسان نيتشه، الإنسان السوبرمان هو الذكاء الاصطناعي؟ لا أدري لكن الحديث اليوم يدور حول ذكاء يفوق ذكاء البشر، “سوبرذكاء”، إن جاز التعبير، ذكاء من صنع البشر ويفوق البشر، أي أنه يحمل بذرة الإنسان المتفوق على نفسه والذي يحمل نذر اختفاء الأب أو زواله. الأب المقصود هنا هو بالطبع الإنسان الذي علمتنا الرومانسية أن نصفه بالخلاّق والمبدع. ذلك الإنسان يقف اليوم حائراً ومنبهراً، وربما مسلوب الإرادة، أمام أفق جديد يطرح أسئلة جوهرية من حيث هي وجودية أو تمس وجوده. اللهاث والتيه اللذان تحدث عنهما ستيغلير وباومان، والاختفاء أو الموت الذي تحدث عنه فوكو، كل ذلك يمس جانباً متعيناً من وجود الإنسان، جانباً يمنح ذلك الوجود معنى وقيمة، أي قدرته على إنتاج الفكر والعلم والثقافة، وقبل هذه قدرته على توظيف اللغة من حيث هي صلته بالعالم المحيط سواء كان غيره من الناس أو الكائنات والأشياء، وأيضاً بوصفها أداة التفكير، لأنه لا تفكير بلا لغة. اكتشاف الإنسان للآلة القادرة على القيام بالكثير من أدواره أو مهامه في التفكير والتعبير أمر يحمل الكثير مما هو إيجابي وبناء، مثلما أنه يحمل الكثير من المخاطر. الآلة التي تفكر وتحسب وتعبّر بذكاء يوازي ذكاء الإنسان ويتفوق عليه في جوانب تحققت وأخرى لم تتحقق بعد، تلك الآلة، أي الحاسوب أو الخوارزميات، قادرة، كما يقول اثنان من المشاركين في صياغة الذكاء الاصطناعي، على تحقيق إنجازات غير مسبوقة في العلوم والطب وغيرها: الكشف عن أسرار الكون والعثور على علاج للأمراض المستعصية وتطوير الزراعة بحيث تحل مشاكل الغذاء، إلى جانب تطوير أشكال جديدة من الثقافة والفنون. كل ذلك وغيره يُنتظر من الذكاء الاصطناعي. غير أن تلك الاحتمالات تجاورها احتمالات أخرى أقل إبهاجاً. يقول مصطفى سليمان ومايكل باسكار في كتابهما “الموجة القادمة، التقنية، القوة وكبرى مآزق القرن الحادي والعشرين” (2023)، بعد استعراض النواحي الإيجابية أو البناءة الواعدة والضخمة في الذكاء الاصطناعي: ولكن من ناحية أخرى، لا تقل المخاطر الكامنة في هذه التقنيات عما هو إيجابي في الضخامة. مع الذكاء الاصطناعي، يمكننا خلق أنظمة تتجاوز قدرتنا على التحكم لنجد أنفسنا تحت رحمة خوارزميات لا نفهمها. مع التقنية الحيوية، يمكننا التلاعب بأسس الحياة، فنصل إلى نتائج غير مقصودة سواء للأفراد أو للبيئة الحيوية كلها. يعرّف المؤلفان الذكاء الاصطناعي بأنه “قدرة الأنظمة الحاسوبية على القيام بمهام مرتبطة عادة بالذكاء البشري، مثل التعلم، والتفكير، وحل المشكلات، والإدراك، واتخاذ القرار.” استعمال المؤلفين لمفردة “ديليما” أو مأزق يقول بحد ذاته الكثير عن المخاوف التي صاحبت وما تزال تصاحب الذكاء الاصطناعي إذ يتدخل في نشاط الإنسان على مختلف المستويات. على المستوى اللغوي تبرز الترجمة، إلى جانب الإنتاج الفكري والأدبي بصفة عامة، من حيث هي أنموذج ضخم وحيوي لما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتدخل فيه أو بالأحرى أن ينافس الإنسان في إنتاجه. وفي تقديري أن كثيراً من ردود الفعل التي تركها الذكاء الاصطناعي اليوم تتعلق بالترجمة، وهي ردود فعل يغلب عليها الترقب البهيج بما يعد به ذلك التطور التقني. غير أننا بالعودة إلى أطروحة لورنس فينوتي حول اختفاء المترجم نتبين أن ثمة تطورات أخرى كامنة وتشبه ما أشار إليه مؤلفا كتاب “الموجة القادمة” المشار إليه قبل قليل. في المسعى المقترح لتبين ما يمكن أن يؤدي إليه الذكاء الاصطناعي في تحولات الترجمة نجد أنفسنا نسير في الطريق المعاكس لذلك الذي سار فيه الباحث والمنظّر الأمريكي: نتلمس مستقبل الترجمة وليس تاريخها. لن يكون صعباً أن يتضح لنا أن مآلات الترجمة لن تختلف كثيراً عن مآلات الفكر وإنتاج الثقافة والمعرفة عامة، فالترجمة كانت دائماً وستظل جزءاً أصيلاً من المنتج الإنساني في ذلك المضمار وستتأثر حتماً من ثم بما يتأثر به أو يؤثر فيه. لا شك أن كل تحول عميق في تاريخ العلوم والتقنية تصاحبه آمال ومخاوف. في التاريخ القريب نسبياً حدث ذلك مع الثورة الصناعية ثم في عصر الراديو والتلفاز وتكرر مع الانترنت وثورة الاتصالات إلى غير ذلك. والناظر إلى ما حدث يجد أن بعض الآمال تحقق فعلاً وكذلك المخاوف، وأن بعضها اتضح أنه أوهام أو مخاوف مبالغ بها. فهو الوضع المحير دائماً، وصعوبة المواكبة أيضاً، كما أشار ستيغلير وباومان. في أيامنا هذه تكاد الوعود والآمال تطغى لاسيما لدى الشركات الكبرى المالكة للذكاء الاصطناعي وأيضاً في مناطق العالم التي لا تشارك في صنع التطورات وإنما تتلقاها وتجتهد في تطبيقها فقط، أي في الجزء الذي نعيش فيه من الكرة الأرضية. في الجزء الآخر حيث تولد التطورات، ومنها الذكاء الاصطناعي، سنجد أن ثمة انقساماً واضحاً بين شركات ضخمة تبث الوعود والآمال الوردية حول إمكانيات ذلك الذكاء، كما في قول إيلون ماسك أنه بعد سنوات قليلة لن يكون الإنسان بحاجة لدراسة الطب لأن الذكاء سيقوم بعملية التطبيب كاملة، وكما في الدعوات التي تمطرنا بها الإنترنت حيث ذهبنا على شبكات التواصل الاجتماعي للاستفادة من إمكانيات الذكاء الاصطناعي. وهناك استجابة واضحة وتأثير واسع لكل ذلك في مختلف المجالات على النحو الذي يؤكد للبعض صدق تلك الوعود وأن ثمة مبالغة في المخاوف. *نص المحاضرة التي ألقاها الدكتور البازعي في مؤتمر الترجمة والدراسات الأدبية المنعقدة مؤخراً في جامعة الإمارات.