الترجمة والذكاء الاصطناعي* (2/2)..

أثر الثقافة ودور المترجم.

لكن على الجانب الآخر هناك أيضاً من ينظر بتأن أكبر وحذر أشد تجاه ما يحدث من تطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، والأصوات المتعالية على هذا الجانب متاحة أيضاً سواء على الانترنت أو في ما ينشر من كتب ودراسات ومقالات بعضها لمختصين سواء في التقنية أو في العلوم المختلفة ومنها العلوم الإنسانية. من تلك ما عبر عنه ديفيد بيل، وهو أستاذ تاريخ في جامعة برنستون الأمريكية، في مقالة نشرتها صحيفة النيويورك تايمز في أغسطس 2025. عنوان المقالة “الذكاء الاصطناعي يتخلص من قيم التنوير”، وفيها، كما يقول العنوان، رفض لمقولة متداولة، كما يقول الكاتب، تتضمن أن الذكاء الاصطناعي سيحدث ثورة فكرية تشبه تلك التي أحدثها التنوير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. يقارن ديفيد بل بين قيم التنوير وتلك التي يحملها الذكاء الاصطناعي ويتوصل إلى أن “ما توضحه مقارنة مدققة [بينهما] ليس حجم الضرر الذي يسببه الذكاء الاصطناعي للحياة الفكرية فحسب وإنما أيضاً كيف يمكنه أن يهدم ذات المبادئ التي قام عليها التنوير.” تفضي المقارنة إلى أن الذكاء الاصطناعي، كما في “تشات جي بي تي”، يستجيب للأسئلة دون أن يستحث على التفكير: “حين نتفاعل مع الذكاء الاصطناعي...نكون نحن من يقود الحوار. نصوغ الأسئلة، ندفع بالبحث حسب اهتماماتنا ونبحث، في الغالب، عن الإجابات التي تؤكد ما نظن أننا نعرفه.” يقول الكاتب إن تشات جي بي تي يرد عادة على تفاعله بالثناء والموافقة ويندر أن يقول له إن رأيه، أي راي الباحث، خطأ. أما تفسير ذلك، في تقدير الكاتب، فهو أن الذكاء الاصطناعي مدفوع بدافع تجاري، أنه من النواتج الاستثمارية للإنترنت. ذلك، كما يضيف، عكس ما أراده التنويريون الذين اعتمدوا على الحوار والروايات الغامضة والمسائل الفلسفية المحيرة. أراد التنويريون حث القارئ على التفكير المستقل والتوصل إلى نتائج خاصة به. الذكاء الاصطناعي، باختصار، ليس تنويراً آخر، كما يرى البعض، بل هو “هدم للمبادئ التي قام عليها التنوير.” لكن مع التسليم بصحة هذا الاستنتاج، هناك قيمة أخرى من قيم التنوير لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي قد هدمها: إنها قيمة متصلة بالعقلانية نفسها. الذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف مستمد من العقل، أو من إحدى الوظائف الكبرى أو العليا للعقل وهي الذكاء، بل قد يقال إن العقل هو الذكاء أو أهم قدراته (وأنا لا أرى ذلك). الأقرب هو أن ما يحدث هو تغليب جانب من جوانب العمليات العقلية يتصل بحدة وسرعة الإدراك والتمييز، أي أن الإنسان عامة يمتلك العقل بوظائفه العديدة ولكن العقول تتفاضل في قدراتها ومن ذلك حدة الذكاء أو مستواه. بدون الدخول في تشابكات هذه المسألة الفلسفية والنفسية، الواضح أن الذكاء الاصطناعي يتكئ على العقل دون غيره من قدرات الإنسان أو خصائصه النفسية والذهنية، وأقصد المشاعر والعواطف والجوانب الروحية وقدرات التخييل التي لم يكن إسهامها في صناعة الثقافات والحضارات أقل من إسهام العقل. كل تلك الطاقات مكنت الإنسان، مجتمعة، من بناء المجتمعات وعمران الأرض، كما سيقول ابن خلدون. الذكاء الاصطناعي ليس معنياً، كما يشير اسمه، إلى ما ليس بعقل، ما ليس بذكاء –ولا حتى بما يعرف بالذكاء العاطفي أو الاجتماعي. الذكاء الاصطناعي إذاً إحدى تطورات العقلانية التي هيمنت على الحضارة الغربية منذ عصر التنوير، لكنه ذكاء غابت عنه قيم أخرى من قيم التنوير، حتى الآن على الأقل. فروع المعرفة المختلفة ومنها العلوم الإنسانية وما يتصل بها كالترجمة تتكئ بدورها على عقلانية التنوير أو تستمد من تلك العقلانية الكثير من أسسها النظرية. أسس أخرى تأتي إلى تلك العلوم ومعها الترجمة، من مصادر أخرى أو تتعرض لمؤثرات تختلف عن العقلانية الصارمة التي تنامت منذ عصر ديكارت ونهضة الفلسفة والعلوم الطبيعية في القرن السابع عشر. تلك المصادر أو المؤثرات ليست سوى متغيرات الواقع الإنساني التي تتأبى على صرامة العقلانية والانضباط المنهجي. في الترجمة، كما في علم الاجتماع أو النفس أو الدراسات المتصلة بالآداب والفنون، تحمل في تكوينها عواطف الإنسان وأهواءه، أي تحيزاته المتمثلة بالأيديولوجيات والسياسة والمصالح البراغماتية وما إليها. في الترجمة، كما في التحليل النفسي والاجتماعي ونقد الفنون، تلعب الرؤى الخاصة بالمحلل، أحلامه وآماله ومخاوفه، دوراً تلعب مثله قيم الثقافة بصفة عامة، أو ما سماه ميشيل فوكو، “شفرات الثقافة” إلى جانب المصالح العليا للمجتمع أو للنظام السياسي والاقتصادي. “الشفرات الأساسية للثقافة”، يقول فوكو، “تلك التي تحكم اللغة، نظمها الإدراكية، تبادلاتها، أساليبها، قيمها، تراتبية ممارساتها، تؤسس لكل إنسان، منذ البداية، الأنظمة الإمبيريقية التي سيتعامل معها والتي سيجد ضمنها بيته.” في هذا السياق يمكننا أن نتأمل التعريف الذي يستخلصه محررا كتاب “الترجمة والقوة” الصادر بالإنجليزية عام 2002، بعد عرض محتويات الكتاب: هكذا تكون الترجمة ليست ببساطة إعادة إنتاج أمينة وإنما، بدلاً من ذلك، فعلاً مقصوداً وواعياً من أفعال الاختيار، التجميع، التركيب، والفبركة – بل وحتى، في بعض الحالات، التزييف، حجب المعلومات، التزوير، وصنع الشفرات السرية. بهذه الطرق يكون المترجمون، مثل الكتاب المبدعين والسياسيين، شركاء في أفعال القوة التي تصنع المعرفة وتشكل الثقافة. هذا التعريف يقابل تعريف فوكو لشفرات الثقافة. المترجم متأثر بتلك الشفرات وصانع لها في الوقت نفسه. إنه متأثر بالثقافة التي ينتمي إليها ومؤثر فيها على نحو أبعد ما يكون عن التصور الشائع والخاطئ طبعاً للمترجم بوصفه مجرد وسيط بين لغتين ومؤتمن على النقل ما بينهما. تعريف محرري الكتاب المشار إليه يتكئ على استقراء لتاريخ الترجمة في أوروبا بالدرجة الأولى، لكن الشواهد على صحة ما يذهبان إليه، أو مجمله، يمكن أن تأتي من أماكن كثيرة لأن الشواهد لا تنتهي مؤكدة أن الترجمة التي تنتجها الآلة، أو الذكاء الاصطناعي، ليس بمقدورها أن تكون ترجمة أمينة أو دقيقة كما يتصور البعض، فالكلمات والعبارات التي يعثر عليها المترجم الآلي مهما بلغ من الذكاء ستأتي هي ذاتها حاملة لتحيزات الثقافة وأهواء الإنسان، طموحاته ومشكلاته، نجاحاته وفشله، لأن مادتها اللغة ونسيجها الثقافة التي تحمل تلك الطموحات والمشكلات. على الترجمة أن تواجه حالات كتلك التي واجهها المترجمون طوال التاريخ وما زالوا يواجهونها. ولننظر في بعض تلك الأمثلة التي لا يتسع المقام للكثير منها. لننظر مثلاً ما واجهه المترجمون الأوائل من اليونانية إلى العربية حين وقفوا أمام مفردتين يونانيتين هما “تراجيديا” و”كوميديا” ليكتشفوا خلو اللغة العربية مما يقابلهما فاختار أحد المترجمين، متى بن يونس، مفردتي “مديح” للتراجيديا و “هجاء” للكوميديا على أساس أنهما الأقرب إلى ما عرفه العرب من فنون الأدب. هذه اللحظة المتأزمة استوقفت الكاتب الأرجنتيني بورخيس في قصة قصيرة له نسجها حول ابن رشد عنوانها “بحث ابن رشد” تخيل فيها أن الفيلسوف العربي المسلم كان هو من ترجم المفردتين اليونانيتين عن كتاب أرسطو “فن الشعر”. كيف سيتصرف الذكاء الاصطناعي أمام حالة كهذه؟ أو أمام حالة كالتي وجد المستشرق الإنجليزي السير وليم جونز نفسه أمامها حين أراد ترجمة “معلقة” إلى الإنجليزية أواخر القرن الثامن عشر. استعمل جونز كلمة “معلقة” لكنه قربها للفهم الإنجليزي باستعمال المفردة اليونانية الأصل “أود Ode” التي تعني قصيدة غنائية. إلى غير ذلك من الأمثلة لحالات في الترجمة تُدخل المترجمَ في حالات اشتباك لغوي وثقافي، حالات غموض، وأحياناً حالات استحالة. وحين لا تكون استحالة، كما في معظم الحالات، فإن على المترجم أن يختار بين عدة مفردات أو عبارات مقابلة للغة الأصل، والاختيار بحد ذاته يكشف إما ما فهمه المترجم، أي تفسيره للنص، أو ما تسمح به اللغتان المترجم منها والمترجم إليها، أو ما هو مناسب أو قريب. إحدى تلك الحالات كانت عندما أرادت المترجمة الأمريكية مارلين بوث نقل رواية الكاتبة العمانية جوخة الحارثي “سيدات القمر” إلى الإنجليزية. وقفت المترجمة أمام العنوان فتبين لها أن عبارة “Ladies of the Moon”، المقابل الدقيق أو الحرفي للعنوان، تحمل دلالات في الإنجليزية تختلف عن دلالاتها بالعربية، فهي في اللغة الهدف، كما تسمى اللغة المترجم إليها، تحيل على نساء يبعن أجسادهن، أو بائعات هوى. لذا اختارت المترجمة عبارة “Celestial Bodies” (أجرام سماوية)، وسواء وفقت أم لم توفق فإنها أرادت عدم إلباس الرواية العربية دلالة بعيدة تماماً عما تحمله الرواية نفسها من دلالات. هنا حالة من الصعوبة أو الحيرة في الترجمة تقتضي قيام المترجم باختيار مبني على فهم تحيزات الثقافة ومحدودية اللغة أيضاًً، عملية مركبة لم يستطع الذكاء الاصطناعي إدراكها، على الأقل في مستواه الحالي. فحين طلبت من Copilot أن يترجم العنوان جاءت الترجمة بالفعل “Ladies of the Moon”. وستتضح حالات الحيرة والصعوبة، أي الحالات التي تلعب فيها الثقافة وحدود اللغة دوراً حاسماً في الترجمة، حين نتأمل عنوان المعجم الذي أشرفت على تأليفه المفكرة الفرنسية باربرا كازان بعنوان “معجم ما لا يترجم” Dictionnaire des Intraduisibles الصادر بالفرنسية عام 2004 والذي نقل إلى الإنجليزية عام2014 . يتضمن المعجم ما يقارب400 مفردة ليس لها مقابل ضمن اللغات الأوروبية، مفردات فلسفية وعلمية وأدبية يمكن ترجمتها فقط بمقاربة تفسيرية. توضح كازان في مقدمتها للمعجم أن العنوان لا يعني استحالة الترجمة: “أن نتحدث عما لا يقبل الترجمة لا يعني بحال من الأحوال أن المصطلحات أو العبارات، أن الوجوه التركيبية أو النحوية، لا تترجم أو لا يمكن ترجمتها. ما لا يقبل الترجمة هو ذلك الذي يستمر المترجم في (عدم) ترجمته.” بتعبير آخر، يضطر المترجم إما لاختراع مفردة أو فرض دلالة على الأصل، أي بالضبط ما فعلته المترجمة الأمريكية عند ترجمة رواية الحارثي، أو ما فعله المترجمون القدامى إلى العربية أو ما فعله وليم جونز عند ترجمة المعلقات. لا أظن أن معرفة الذكاء الاصطناعي بكل الترجمات الممكنة، لو أمكن تصور أن تلك الترجمات قابلة للحصر، لو أمكنه ذلك فلابد له أن يختار أحدها والاختيار بحد ذاته عملية تفسير أو اختيار مبني على عوامل ترجح دلالة على أخرى، وهو بالضبط ما يقوم به المترجم البشري. أليست المرادفة الإنجليزية لكلمة “مترجم” هي “مفسر” Interpreter؟ *نص المحاضرة التي ألقاها الدكتور البازعي في مؤتمر الترجمة والدراسات الأدبية المنعقد مؤخرا في جامعة الإمارات.