الأدب وسنينه!
لماذا يوقِد الحظّ الشموع لأديبٍ، ويُطفئها حول أديبٍ آخر؟ لا جواب! فمصائر بني آدم تتحكّم فيها ظُروف ومُلابسات وأسباب، ولا أحد يستطيع أن يُحدّد السبب أو يكشف السّر، ولذلك تبقى كلّ الأجوبة في هذا المجال بلا أجوبةٍ مُقنعة.. وتكون النتيجة أديبٌ يشتهر، وأديبٌ يختفي، وربما كانت موهبة الإثنين وقُدُراتهما على نفس المستوى. ولنا في حالة الأستاذ “نصري عطا الله” مثالٌ يستحقّ الرواية والتأمّل.. بدأت حكاية هذا الكاتب، حين تفاجأ بإعادة نشرْ إحدى المجلّات الثقافية لمقالٍ له عن لوحة “الموناليزا”، كان قد كتبه قبل أربعين عاماً، ونشرته مجلّة “الرسالة” في عام 1945، وقد كانت مفاجأة سعيدة تحمل له الكثير من العزاء، وكأنها الواحة الخضراء وسط الصحاري الجرداء. لكن هذه المُفاجأة أيضاً، فتحت له أبواباً هبّتْ منها رياح الشّجن، إذ كان قد كتب ذلك المقال وهو على عتبات الشباب الأولى، شغوفاً بالفنّ والأدب، يستمدّ منهما معاني الحياة، والأمل في المستقبل الواعد. كان مُعجباً بفكر الأستاذ “عباس محمود العقّاد”، وذهب لحضور ندوته في منزله بمصر الجديدة في صباح أحد أيام الجمعة، وقابله بحفاوة وترحاب، مما شجّعه على شراء بعض كُتبه، ومنها كتاب “ساعات بين الكُتب”، فقرأه ووجده يتحدّث عن الصّوَر أيضاً، لا الكُتب فحسب. فأخذ يهتم بالصّوَر ويزور المعارض الفنية، وكتب عن بعض ما رأى، وأرسله للأستاذ “محمد حسن االزيّات” بالبريد فنشرهُ، وكان ذلك حافزاً له أن يذهب لزيارته في دار “الرسالة”، حيث استقبله ورحّب به، وقال: “إن لديك الاستعداد أن تكون كاتباً جيّداً”. ماذا حدثا بعد ذلك؟ وعلى مدى أربعين عاماً، ضاعت أجمل سنوات العُمر، في كفاحٍ عقيم من أجل لُقمة العيش، فذهب للعمل في قُرى لا ماء فيها ولا نور، فكان يقرأ على مصباح الكيروسين، ويشرب المياه العكِرة المُنقّاة عن طريق زيرٍ من الفخّار، ويتولّى أمر طعامه وشرابه وغسيل ملابسه، والعناية بمسكنٍ حقير في أطراف مصر العُليا.. كلّ ذلك في سبيل مليّماتٍ معدودة. وبعد خمس سنوات، استقال من تلك الوظيفة، وعاد إلى “القاهرة” لمواجهة البطالة والضياع .. والأدب، والحقّ أنه لولا الأدب وقُدرة هذا الكاتب على تذوّق مُتعته، ومُحاولة التعبير عن ذاته، لكانت حياته جحيماً لا يُطاق. فكتب مقالات وقصصاً، نُشر بعضها في مجلّتي “الرسالة” و”الثقافة”.. وعندما طالَب الأستاذ “الزيّات” -على استحياء- ببعض الأجر، أرسل له جُنيهاً واحداً عن المقال، وعندما فعل نفس الشيء مع “الثقافة”، كفّ الأستاذ “أحمد أمين” عن نشر مقالاته! التقى بالشاعر الدكتور “إبراهيم ناجي” صدفةً في إدارة إحدى الصّحف، وتعارفا وأصبحا صديقين، فأكمل كاتبنا مجموعة قصصٍ على أن يكتب “ناجي” مُقدّمةً لها، لكنه توفّي سنة 1953، ومجموعة القصص ما زالت لدى الكاتب تعيش في ظلام أبديّ! ثم أنه تعرّف على رئيس هيئة الكُتّاب، الدكتور “عزّالدين إسماعيل”، وعرض عليه مجموعة القصص وسأله عما إذا كانت في مستوى النشر، فأكّد له ذلك، ولكن أين الناشر، بل وأين القاريء المُستعدّ لدفع ثمن كتابٍ لكاتب مغمور!؟ والتقى برئيس تحرير مجلّة “الهلال”، الأستاذ “صالح جودت” والتي كان ينشر بها مُتعاوناً بعض المقالات، فرجا الأستاذ “جودت” أن ينشر بعض ما كتب في السلاسل الشهرية التي تُصدرها دار “الهلال”، فأجابه بأن هناك قائمةً بالكُتب التي سوف تُنشر، حتى نهاية الخمس سنوات القادمة! ويا ليته قبِل العرَض، إذ أن الأستاذ انتقل إلى رحمة الله والكتاب لم يُنشر بعد! لقد قرأ كاتبنا ما قاله الأستاذ “توفيق الحكيم” وهو على فراش المرض، إذ يقول: “لقد كتبتُ أكثر من مائة كتاب وثمانين مسرحية، وعرفتُ بعد ذلك أن كلّ أعمالي التي تعبتُ العُمر فيها لا قيمة لها، لأن المجتمع تغيّر.. فبعد كلّ هذه السنين التي ضيّعتُ فيها حياتي في كُتبٍ، وكان يُخيّل لي أن لها قيمة، لم تعُد كذلك..”! لم يقتنع كاتبنا المغمور بما قاله “الحكيم”، إذ ما بال حياتنا نغمرها باليأس!؟ لأنه تذكّر أيضاً أنه قرأ آخر رسالةٍ كتبها الفيلسوف الألماني “جوته”، قبل وفاته بأيام، والتي يقول فيها: “إن أجمل ما يُمكن أن يفعله المرء فيما تبقّى له من العُمر، أن يكتب، وأن يقوّي من ملَكاته ومواهبه، وأن فنّ الحياة عمليّة استكشافٍ متواصلة..”. أيّ حماسٍ وأيّ حفاوةٍ بالحياة! وأخيراً، قال الكاتب لنفسه: “إن الكتابة قدَرٌ، الكتابة عملٌ صالحٌ يتقرّب به الكاتب إلى الله سُبحانه، الكاتب رغم كلّ شيء أنفاسٌ تتردّد، وإذا توقّفتْ، توقّفتْ الحياة”!