ثمة أصوات تسكن الأشياء حتى بعد أن ينتهي رنينها، وذكريات تحتفظ بها الأخشاب حين تغادر ورش صناعة العود، لتبدأ حياة أخرى في فضاء اللوحة. من هذه العلاقة بين الصوت والمادة، قدم الموسيقار العراقي نصير شمّه تجربته التشكيلية في معرضه الشخصي تحت مسمى «جيولوجيا الروح» في مركز فناء الأول بحي السفارات في العاصمة الرياض، حيث تحولت الألوان إلى إيقاعات بصرية، وأصبحت طبقات التراب والغبار وبقايا المواد اليومية وسيلة لقراءة الذاكرة الإنسانية. قدم المعرض والذي يعد النسخة الثالثة من سلسة المعارض الشخصية لنصير شمه «ربع تون»، تجربة تتجاوز المفهوم التقليدي للرسم، إذ يستعين شمّه بخامات معاد تدويرها، ويعيد تشكيلها في أعمال تجريدية تستحضر تضاريس الأرض وآثار الزمن. واصفاً أعماله بأنها خرائط خفية لجيولوجيا الروح، تستكشف ما يترسب في وجدان الإنسان من مشاعر وتجارب. وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من ارتباطها بتجربة موسيقية طويلة، جعلت من شمّه أحد أبرز عازفي العود في الوطن العربي وحول العالم، قبل أن يقدم للجمهور وجهًا آخر من اهتماماته الإبداعية. حين تتسع اللوحة لما تضيق عنه الموسيقى يصف نصير شمّه علاقته بالرسم والموسيقى بأنها انتقال مستمر بين وسيلتين للتعبير. فعندما تعجز الموسيقى عن احتواء فكرة، يلجأ إلى اللوحة، وحين تستعصي الفكرة على الرسم، يعود إلى الموسيقى. ويشبه هذه العلاقة بكفتي ميزان، يتنقل بينهما حتى يصل إلى الصيغة الأقرب إلى مشاعره. وتكشف هذه الرؤية عن طبيعة تجربته، حيث يصبح الرسم امتدادًا للتأليف الموسيقي، وتتبادل النغمة واللون مهمة التعبير عن الحالات الإنسانية. فالموسيقى تتحرك داخل الزمن، بينما تستقر اللوحة في المكان، وتمنح المشاهد حرية اكتشاف عناصرها وفق إيقاعه الخاص. جيولوجيا الروح.. ذاكرة الأرض والإنسان يستمد المعرض أحد أهم أبعاده من مفهوم الجيولوجيا، بوصفها قراءة لتاريخ الأرض عبر طبقاتها. وقد استعار شمّه هذا المفهوم للحديث عن الإنسان، وما يتراكم في داخله من مشاعر وذكريات وتجارب. حيث تتحول المواد المستهلكة إلى أسطح تشكيلية كثيفة، تحمل آثار التراكم والتشقق والتداخل، وكأن الفنان ينقب في ذاكرة الأشياء بحثًا عن حكاياتها. وتتخذ هذه المعالجة قيمة فنية خاصة حين تتحول بقايا صناعة العود إلى عناصر داخل اللوحة. فالخشب الذي ارتبط يومًا بإنتاج الصوت يستعيد حضوره في عمل بصري، محتفظًا بصلته الرمزية بالموسيقى. وتظهر أهمية هذه التقنية في العلاقة بين المادة والفكرة، حيث تصبح إعادة التدوير فعلًا إبداعيًا يعيد اكتشاف القيمة الجمالية للأشياء، ويمنحها وظيفة جديدة. حين تحمل الألوان جراح الوطن من الأعمال التي تستوقف المتلقي في المعرض لوحة تستحضر العراق وتاريخه المعاصر، تقوم فكرتها على استحضار خضرة العراق الممتدة عبر تاريخه، فيما تظهر مساحات داكنة عند أطراف التكوين، وتتخللها بقع حمراء ترمز إلى الدماء التي خلفتها الحروب والصراعات. وتمتد هذه الآثار حتى قلب اللوحة، في إشارة إلى عمق الجراح التي أصابت الوطن، بينما تظل الخضرة حاضرة بوصفها تعبيرًا عن الحياة والاستمرار. وتحمل هذه المعالجة دلالة تتجاوز تصوير آثار الحروب، إذ يتحول اللون إلى وسيلة لقراءة التاريخ، وتصبح العلاقة بين الأخضر والأسود والأحمر تعبيرًا عن التوتر بين الحياة والدمار. وتبدو أهمية العمل في قدرته على اختزال تجربة وطن كامل داخل تكوين تجريدي، يستحضر الذاكرة الجمعية دون الاعتماد على المشاهد التشخيصية المباشرة. صوت الشعور.. حين يصغي الزائر إلى نفسه يقدم المعرض تجربة تفاعلية بعنوان «صوت الشعور»، تقوم على صناديق خشبية صممها الفنان، يحمل كل منها مقطوعة موسيقية من تأليف وعزف الفنان، مرتبطة بحالة وجدانية مختلفة. وتتناول التجربة مشاعر الحب والحزن والاشتياق والانتماء، حيث يبدأ الصوت عند اقتراب الزائر من الصندوق، فيتحول الاستماع إلى تجربة شخصية تتداخل فيها الموسيقى مع الذاكرة. وتمنح هذه الفكرة المعرض بعدًا يتجاوز مشاهدة اللوحات، إذ يصبح الزائر مشاركًا في التجربة، ويختبر قدرته على التعرف إلى المشاعر من خلال الموسيقى. وتطرح التجربة سؤالًا جماليًا حول العلاقة بين الصوت والإحساس، وكيف تستطيع الجملة الموسيقية استحضار الحزن أو الشوق أو الفرح دون الحاجة إلى كلمات. البحر واليابسة.. صراع الطبيعة في اللوحة وفي عمل آخر، يتناول الفنان العلاقة بين البحر واليابسة، بوصفها مواجهة مفتوحة تثير سؤالًا حول أيهما يزحف نحو الآخر. حيث بعض زوار المعرض رأوا في التكوين غلبة محتملة للبحر، مستندين إلى شكل المساحات وتداخلها، فيما يربط الفنان الفكرة بالتغيرات المناخية. وتضيف هذه القراءة بعدًا بيئيًا إلى تجربة شمّه، حيث تتحول حركة الطبيعة إلى توتر بصري بين عنصرين، وتصبح اللوحة مساحة للتأمل في تحولات الأرض ومستقبلها. من هوية الموسيقى إلى هوية اللوحة اختار شمّه «ربع تُون» عنوانا رئيسياً لمعارضه الفنية الشخصية، استحضارًا لإحدى الخصائص المرتبطة بالموسيقى العربية ومقاماتها، وعلاقة العنوان بفكرة الجذور التي تتجسد في إحدى لوحاته الكبيرة. فالاختلافات الدقيقة بين الدرجات الصوتية تقابلها في اللوحة علاقات بين الألوان والملامس والمساحات، تمنح التكوين شخصيته الخاصة. ويشير شمّه كذلك إلى أن بعض الأعمال تحتاج إلى تراكمات طويلة من العمل اليومي، حتى يصل إلى اللحظة التي يشعر فيها بأن اللوحة اكتملت. كما يرى أن الأحجام الصغيرة جدًا والكبيرة جدًا تمثل اختبارًا لقدرة الفنان على ضبط التكوين وتحقيق التوازن. وأعرب الفنان عن تقديره للاهتمام الذي حظي به معرضه في الرياض، مستعيدًا تفاصيل انتقال فريق متخصص إلى منزله في القاهرة لتغليف اللوحات ونقلها إلى المملكة، وما صاحب ذلك من عناية بتأطير الأعمال وتجهيزها للعرض. ويرى شمّه أن هذه التجربة تعكس تطور المشهد الثقافي السعودي، مشيرًا إلى أن الرياض تفاجئه في كل زيارة بتحولات وتجارب فنية جديدة. مستشهدًا بما شاهده من تجارب فنية سعودية تعكس حضورًا إبداعيًا متجددًا. وهنا تكتسب تجربة «ربع تُون» دلالة تتجاوز عنوان المعرض، لتصبح تعبيرًا عن رؤية فنية ترى في الهوية مصدرًا للتجديد، وفي التواصل بين الموسيقى والتشكيل مساحة رحبة لإنتاج جماليات معاصرة تستمد أصالتها من جذورها الثقافية. تجربة تستحق القراءة بمعايير التشكيل تثير تجربة شمّه سؤالًا نقديًا حول انتقال الفنان من مجال إبداعي اشتهر فيه إلى مجال آخر يمتلك أدواته وتقاليده. فمكانته الموسيقية تمنح المعرض حضورًا جماهيريًا، بينما تتحدد قيمته التشكيلية من خلال بناء اللوحات، وتوظيف الخامات، والعلاقات اللونية، وقدرة الأعمال على تقديم تجربة بصرية مستقلة. وتبدو خصوصية المعرض في العلاقة العضوية بين الموسيقى والمادة، وفي تحويل الذاكرة إلى تكوينات تجريدية، إلى جانب إشراك الجمهور في تجربة سمعية وبصرية تتجاوز حدود العرض التقليدي. يترك معرض «جيولوجيا الروح» أمام زائره فكرة تستحق التأمل: أن الأشياء تحتفظ بذاكرتها، وأن الفن يستطيع استخراج الجمال من بقاياها. وبين أوتار العود وطبقات اللون، يقدم نصير شمّه تجربة تبحث عن التمازج بين جيولوجيا الأرض والروح، وعن الموسيقى في صمت اللوحة، وعن الحياة في المواد التي ظن أصحابها أن رحلتها انتهت.