وداعًا محمد العلي… أيها الشاعر الخاص.
محمد العلي شاعرٌ خاصّ، ونموذج الشاعر الخاص نادر في شعرنا العربي؛ إنه سليل أولئك الذين لا يأخذون من التلقي سوى بعده الأساس؛ لتكتمل به العملية الإبداعية؛ إذ لا بد من مبدع (منتج) ومتلقٍّ (مستهلك)، حذِرًا من أن يملي ذلك المتلقي المُتخيَّل شروطه عليه، لحظة كتابة القصيدة. لقد نجا محمد العلي بتجربته، منذ بداياته، من اختبار صعب، وقع فيه كثيرون من أبناء جيله، وهو اختبار المسار الشعري؛ ففي الوقت الذي بدأ فيه الشاب باكتشاف كتابته الشعر، ومن حوله رواد حداثة قد سبقوه، وقد ملأوا الآفاق؛ إذ كانوا في أوج تأثيرهم في الساحة الشعرية العربية، اختار أن يسير المسار الذي جعل منه الصوت لا الصدى، وأن تكون قصيدته سيدة نفسها، وأن تأخذ من رؤى الحداثة ما يمنحه المشروع الشعري وهمة المغايرة التي ستتمثل فيما بعد في اشتغاله الفكري والشعري. حريصًا كنت على قراءة ما كتب من مقالات، ومنها زاويته (وقوفًا بها) في مجلة اليمامة العريقة، وكنت أجد لذة أن أرى الخط الفاصل وهو يتماوج بين الأدبي الجمالي وبين الفكري المحض في مقالاته، محركًا بذلك المياه الثقافية الراكدة؛ فكان بذلك المثقف المبصر الذي يرى ويخبر عما رأى، ساحبًا إياك، بلطف، إلى عوالم تبدو غريبة، صعبة، لا لوعورتها، بل لقلة من ساروا عليها. لقد كنا، رغم بعدنا، ضيوفًا في عوالم محمد العلي الثقافية، فنخرج، بعد قراءته، سعداء منه، ونقول بفخرِ من قرأ وزهوِ من أبصر: لقد كنا ضيوف محمد العلي. كنت أتتبع أخباره، أسأل عنه الأحباب، ممن اعتادوا على عيادته أيام المرض، ومما يلاحظ مدى قربه، حتى أواخر أيامه، من نخبة طيبة من الجيل الشعري السعودي الجديد، يرون فيه المعلم، ويرى فيهم مستقبلَ ما أراده منذ وقت ليس بالقليل. سرّني فوزه، على مجمل تجربته، بجائزة الأمير عبد الله الفيصل، قبل رحيله بسنوات قليلة، وتلك لعمري لفتة كانت ضرورية لانتصار الشعراء الخاصين، غير العمومين، غير المنشغلين بالمشترك الجمعي، بل إنهم رواة قدامى؛ رواة قلق، وأسئلة، ووجوه، وأماكن. كأنما عنى نفسه بمقطعه الشعري هذا، كأنما يصف رحيله الأخير: “أراهُ وقد سارَ نحو الحقولِ ليوحّدَ فيها الفصولا وأدرك حتى رفيف الطيورِ فصار كشيءٍ يسمّونه الشعرَ أو لا، يسمّونه المستحيلا “ وداعًا أيها المعلِّم، سيتذكرك الشعر ما جرى ينبوع في القرى، وما تبسم قمرٌ للبيوت، وما حركت رياحٌ طيبة غصنَ ليمونة في الأحساء. *شاعر وكاتب عراقي