بين عالمين..

حين يستعير الإرهاب الحوثي لغة الفضيلة.

لم يكتفِ الحوثي بجعل اليمن ساحة لمشروعه المسلح؛ فقد أحاط مشروعه بلغة تحاول أن تمنح الحرب فضائل لا يجدها اليمنيون في حياتهم. عالم تصنعه الشعارات من النصرة والسيادة والكرامة، وآخر يعيشه الناس وهم يدفعون أثمان القتال من أمنهم وأرزاقهم. باسم النصرة تتوالى الدعوات إلى القتال، وباسم السيادة تُبرَّر خيارات تستنزف حياة اليمنيين، وباسم الكرامة يُطلب من الإنسان أن يحتفي بما أنهكه. لقد طال النزيف، وما زالت الشعارات تمنح الخراب أسماء لا تشبه حقيقته. ولطالما استوقفني في دراسة اللغة وتحليل الخطاب أن الكلمات قد تحمل أحكامًا لا يعلنها أصحابها صراحة. فحين يُسمى الفعل بطولة، لا يتلقى السامع وصفًا محايدًا، بل يُدعى إلى الإعجاب به. وحين تستعير السياسة مفردات الدين، قد تختلط قداسة المبادئ بقرارات البشر، مع أن مساءلة تلك القرارات لا تعني انتقاصًا من الدين أو قيمه. وقد تُبنى الرواية من وقائع صحيحة، ثم تُمنح دلالات لا تسندها الوقائع نفسها. يتقدم صاحب القرار إلى صدر الحكاية، ويغيب من تحمل نتائجه، فيصبح الحديث عن البطولة أكثر حضورًا من الضحايا. وقد يدافع الإنسان، مع تكرار هذا الترتيب، عن تفسير لم يختره، وعن صورة للحدث لا تشبه ما عاشه. ولا تمنح كثرة ترداد الرواية أصحابها حق احتكار الحقيقة أو مصادرة الألم. وفي اليمن شواهد إنسانية تعجز البلاغة عن تجميلها. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026، يحتاج 22.3 مليون إنسان إلى المساعدة والحماية، ويواجه 18.3 مليونًا انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، فيما يعاني 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد. وخلف الأرقام أسر يستهلك البحث عن الغذاء والدواء أيامها، وأطفال حُرموا من أمن الطفولة والتعليم. ولا تختزل الإحصاءات أسباب الأزمة في طرف واحد، لكنها تواجه كل خطاب يبرر الحرب بما أصاب حياة اليمنيين. ولا يستطيع الحوثي أن يعفي مشروعه من المسؤولية عن أفعاله وآثارها بالشعارات، ولا أن تبقى الجهات التي تمده بالسلاح أو تعينه على مواصلة القتال بمنأى عن مساءلة طبيعة دعمها ونتائجه. فالنفوذ الذي يتسع على حساب استقرار بلد لا يصبح فضيلة بحسن الحديث عن السيادة والكرامة. ومن جازان لا يبدو اليمن بلدًا بعيدًا نقرأ محنته في الأخبار. فبين السعودية واليمن صلات جوار وقرابة وتجارة عرفتها أجيال، ولكل وطن تاريخه وهويته. وحين يُختزل اليمن في أخبار الجبهات، يغيب شعب يستحق أن يبني مستقبله بدل أن تظل حياة أبنائه معلقة بقرارات الجماعات المسلحة. وللسعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، جهود إنسانية وتنموية ممتدة في اليمن. فمن الإغاثة إلى الرعاية الصحية والمشروعات التنموية، تتحدث الأعمال بما تقدمه للإنسان من عون وما تخففه عن الأسر من أعباء، بعيدًا عن شعارات تعد اليمني بالمجد وتتركه يصارع ضنك العيش. ولعل أقسى ما يخلّفه الصراع أن يبقى الإنسان أسير حربين؛ واحدة تستنزف حياته، وأخرى تعيد تسمية ما فقده حتى يبدو حرمانه تضحية، وانكساره بطولة. وبين عالم تصنعه الشعارات وآخر يعيشه اليمنيون، تظل الحقيقة عصية على الأسماء المفروضة عليها؛ فالجائع لا تتغير حاجته حين يُسمى صبره انتصارًا، ومن فقد وطنه الآمن لا يسترده لأن الخطاب أجاد الحديث عن السيادة. وتبلغ حرب الكلمة أقصى خطرها حين يُطلب من الإنسان الإيمان بأن ما أصابه كان فضيلة. فأفدح ما يُنتزع من الشعوب بعد حقها في الحياة، حقها في أن تسمي جراحها بأسمائها، دون أن يملي عليها من تسبب فيها كيف تفهمها. *أكاديمي وكاتب سعودي