لا تصالح.
كثيرًا ما نسمع عن العين التي تنام في كل ليلة قريرة؛ لأن صاحبها لا ينسى قبل أن يغلق جفنيها، أن يغفر لكل من أساء إليه. ولا أعلم إن كان ارتباط غفران ما قبل النوم براحة البال حقيقة، أم أنه مجرد بذرة نمت وترعرعت في تربة خطاب وعظي لا يكترث كثيرًا بثبوت مثل هذه الأمور، حتى أصبحت تلك البذرة شجرةً باسقة، وارفة الخيال! ومن تجربة شخصية، لم يتغير شيء في داخلي منذ غفرت لشخص اتهمني ظلمًا ذات يوم، وعلى العكس تماماً، كانت «حسبي الله ونعم الوكيل» تشعرني براحة أكبر. ولهذا السبب لم أحرص على جعل التسامح طقساً من طقوس ما قبل النوم. المهم، والذي لا نختلف عليه، أن التسامح فضيلة، ثوابها عظيم وقيمتها الإنسانية سامية. ولكن مع مرور الزمن، وتكالب دعوات التسامح على البشر، أصبح العفو هو الأصل، وأخذ الحق بالدعاء أو بالمحكمة شكلًا من أشكال الظلم، أو على أقل تقدير قسوةً غير مبررة، وربما بدا المظلوم في عيون المجتمع نسخة أخرى من «أبو زنيفر». نسي هؤلاء أن الله جل وعلا، قبل أن يقول: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وبذلك أقر للمظلوم حقه في الانتصار، وللعفو فضله وأجره، ولا يفوتنا هنا أن العفو ورد مقترنًا بالإصلاح، وهذه النقطة تحديدًا يجب أن نعيها جيدًا. في مواقع التواصل الاجتماعي نقرأ الكثير من الردود المتعجبة، وربما الغاضبة، على من يلجأ إلى القضاء حين يتعرض للإساءة. وربما خجل من نفسه أمام سيل الردود التي تشعره بأنه اقترف ذنبًا، وتصور الإساءة أمرًا لا يستحق كل هذا التصعيد، مع أن الحقوق المعنوية لا تقل أهمية عن الحقوق المادية، لا سيما مع ما قد يترتب على التسامح من تمادٍ لدى بعض الأشخاص الذين جعلوا من الاختلاف في قضايا تافهة سببًا للسب والشتم والتعدي على الأعراض! ولنا في سِيَر الصحابة رضوان الله عليهم شواهد على ذلك؛ فسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، حين اتهمه رجل ظلمًا في ولايته وشكاه وطعن في عدله، قال: «اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن». وذكر الراوي أن الرجل عاش حتى هَرِم، وكان يقول: «شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد». وسعيد بن زيد رضي الله عنه، وهو أيضًا من العشرة المبشرين بالجنة، دعا على أروى بنت أويس التي اتهمته ظلمًا بأنه أخذ شيئًا من أرضها، فقال: «اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها». وذكر الراوي أنها عميت، وكانت تقول: «أصابتني دعوة سعيد بن زيد» ثم وقعت في بئر في أرضها فماتت. فإذا كان من الصحابة المبشرين بالجنة من اختار هذا الطريق الذي يصوره البعض بُعدًا عن الله وقسوةً مفرطة، فلا تثريب علينا إن سلكناه. وأنا هنا قطعًا لا أرفض التسامح، ولا أقلل من قيمته، ولكنني، وهنا مربط الفرس، أرفض الخطاب المكثف الذي جعل من التسامح حقًا مكتسبًا للظالم، وجعل المظلوم أسيرًا لعقدة الذنب! فهو الحقود الذي لا ينسى ولا يغفر، ولا يبحث عن راحة البال «المزعومة» التي أصبحت، بقدرة قادر، نتيجة حتمية للتسامح. أرفض أن يكون العفو هو الأصل. أرفض أن يكون الغضب من الظالم حقدًا مرضيًا يجب أن نتعافى منه، وأرفض أن تكون الراحة في العفو والعناء فيما سواه. التسامح فضيلة عظيمة، لكنه اختيار، وليس حقًا مكتسبًا للظالم؛ فدعوا القرار للمظلوم: إن شاء صفح، وإن شاء رفع شعار الزير سالم «لا تصالح»، وعلى رؤوس الأشهاد.