لطيفة البدراني.. طبيبة بضمير إنساني.
ليس الموت غياب جسد عن الحياة فحسب، بل قد يكون رحيل إنسان جسّد رسالة كانت تمشي بين الناس، وتخفف آلامهم، وتحرس حياتهم، وتمنحهم الطمأنينة في أكثر لحظاتهم ضعفًا وخوفًا. وحين يرحل إنسان جعل من مهنته رسالة، ومن علمه وسيلة لخدمة الآخرين، فإن الحزن عليه لا يبقى حزن أسرة فقدت ابنتها، بل يتسع ليصبح حزنًا على قيمة إنسانية تجسدت في شخصه، ثم غابت صورته وبقي أثره. هكذا تلقيت نبأ رحيل الدكتورة لطيفة بنت الشيخ ضافي بن دليم البدراني، استشارية التخدير في مستشفى قوى الأمن بمدينة الرياض، التي غادرت دنيانا وهي في ريعان شبابها، وقمة عطائها العلمي والمهني والإنساني. ولدت الدكتورة لطيفة في مدينة بريدة عام ١٩٩١م، وفيها بدأت رحلتها التعليمية التي قادتها إلى كلية الطب بجامعة القصيم، حيث تخرجت عام ٢٠١٤م، وأتمت سنة الامتياز عام ٢٠١٥م. ثم أمضت عامًا في العمل بأحد المراكز الصحية بمدينة بريدة، قبل أن تلتحق ببرنامج البورد السعودي في تخصص التخدير بمستشفى الحرس الوطني، وهو برنامج تدريبي امتد خمس سنوات، وتخرجت منه عام ٢٠٢٢م. ولم يتوقف طموحها العلمي عند هذا الحد، فقد التحقت ببرنامج الزمالة في العناية المركزة بمستشفى الملك فيصل التخصصي، وأمضت فيه نحو عام ونصف العام، قبل أن تنتقل في مايو ٢٠٢٤م إلى مرحلة مهنية جديدة، بانضمامها إلى قسم التخدير بمستشفى قوى الأمن التابع لوزارة الداخلية. ولم تكن هذه المحطات مجرد انتقال بين مؤسسات طبية، بل كانت خطوات متتابعة في بناء شخصية علمية ومهنية، جمعت بين التأهيل التخصصي والخبرة العملية، وبين الطموح العلمي والإحساس العميق بالمسؤولية الإنسانية. لم تكن لطيفة، رحمها الله، طبيبة تؤدي واجبًا مهنيًا ينتهي بانتهاء ساعات العمل، بل كانت تحمل تصورًا إنسانيًا عميقًا لمعنى الطب، وترى في المريض إنسانًا استودعها الله حياته، وألقى على عاتقها مسؤولية المحافظة عليها. وقد استوقفتني ذات مرة طبيعة عملها في طب التخدير، ذلك التخصص الدقيق الذي لا يحظى أصحابه غالبًا بما يحظى به الجراحون من حضور في ذاكرة المرضى، على الرغم من أنهم يتحملون مسؤوليات بالغة الحساسية في المحافظة على سلامتهم أثناء العمليات الجراحية. فطبيب التخدير يقف عند رأس المريض في لحظة استثنائية من حياته، لحظة يُسلّم فيها أمر جسده إلى أيدي الأطباء، ويغيب وعيه عن العالم المحيط به، فلا يعود قادرًا على التعبير عن ألمه، أو طلب النجدة، أو الإشارة إلى ما يشعر به. وفي تلك اللحظات يتولى طبيب التخدير حراسة وظائف المريض الحيوية، مراقبًا تنفسه ونبض قلبه وضغط دمه، ويتدخل كلما اقتضت حالته ذلك، حتى يستعيد وعيه وتستقر حالته. إنها مسؤولية علمية دقيقة، لكنها في وجدان الطبيب صاحب الضمير تتحول إلى أمانة أخلاقية تتجاوز حدود الإجراءات الطبية. سألت الدكتورة لطيفة ذات مرة سؤالًا أردت من خلاله أن أتعرف على نظرتها إلى المريض الذي يكون بين يديها، فكان جوابها من أبلغ ما سمعت في التعبير عن أخلاقيات المهنة الطبية. قالت، رحمها الله، كلمات لا تزال حاضرة في ذاكرتي: “ إنه وديعة حملني مسؤوليتها الله تعالى، وأنا مسؤولة عن حياته حتى يفيق. لا أفرق بين ذكر وأنثى، ولا بين سعودي ووافد، ولا بين مسلم وغير مسلم. إنه إنسان كرمه الله”. تأملت هذه الكلمات طويلًا، فوجدت أنها ليست مجرد تعبير عن عاطفة إنسانية نبيلة، وإنما تلخيص لفلسفة أخلاقية متكاملة في ممارسة الطب. فهي تنطلق من أن كرامة الإنسان سابقة على جنسيته ودينه وجنسه ومكانته الاجتماعية، وأن حقه في الرعاية الطبية لا ينبغي أن يتأثر بأي اعتبار خارج حاجته الإنسانية. ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أنها لا تجعل المريض مجرد حالة سريرية، أو رقم في سجل المستشفى، وإنما تراه إنسانًا له حياة وأحلام وآمال، وأهل ينتظرون عودته إليهم سالمًا. وهنا تتجلى القيمة المضافة حين يقترن الالتزام المهني بالشعور العميق بالمسؤولية الإنسانية، فيصبح الطب رسالة تتجاوز حدود الوظيفة. ولم تكن إنسانية الدكتورة لطيفة محصورة داخل غرف العمليات، بل امتدت إلى المرضى خارج أوقات عملها، وإلى الأطفال الأيتام، وإلى المحتاجين للرعاية الطبية داخل المملكة وخارجها. فقد اعتادت زيارة المرضى المنومين خلال الأعياد، ومشاركتهم فرحتها، إدراكًا منها أن المريض لا يحتاج إلى الدواء وحده، بل يحتاج أيضًا إلى من يخفف عنه وحشة المرض، ويشعره بأنه لم يُنسَ في أيام الفرح. كما شاركت في أنشطة تطوعية مع جمعية أبناء وإنسان، لمشاركة الأطفال الأيتام احتفالاتهم بالأعياد والمناسبات المختلفة. وكانت هذه المشاركات تعبيرًا عمليًا عن امتداد رسالتها الإنسانية إلى خارج حدود تخصصها الطبي، فالأيتام الذين يحتاجون إلى الرعاية والاحتواء لا تقل حاجتهم إلى العطف والاهتمام عن حاجة المرضى إلى العلاج. بدأت علاقتها بالعمل التطوعي منذ سنوات دراستها في جامعة القصيم، حيث شاركت في حملات توعوية متنوعة. ثم واصلت هذا النهج بعد تخرجها، فأسهمت في تقديم الخدمات الطبية خلال شهر رمضان المبارك عام ٢٠٢٤م في الحرم المكي، ضمن مستشفى الرحمة، كما شاركت في موسم حج عام ٢٠٢٥م، لتكون من بين الكوادر الطبية التي تسهم في خدمة ضيوف الرحمن، وتوفير الرعاية الصحية لهم. ولم تتوقف مشاركاتها الإنسانية عند حدود الوطن، فقد تطوعت مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وشاركت ضمن فريق طبي سعودي في مهمة إغاثية إلى سوريا في أكتوبر ٢٠٢٥م، حيث أسهمت بخبرتها في طب التخدير في خدمة المحتاجين إلى الرعاية الطبية. وللمشاركة في مثل هذه المهمات دلالة إنسانية خاصة، لأنها تنقل الطبيب من بيئته المهنية المعتادة إلى بيئات قد تعاني آثار الحروب والنزوح ونقص الخدمات الصحية. وهناك لا تكون الحاجة إلى العلاج وحدها هي الحاضرة، بل تحضر معها معاناة الإنسان الذي فقد أمنه واستقراره، وربما فقد منزله أو بعض أحبته. وفي مثل هذه الظروف يصبح حضور الطبيب المتطوع رسالة تضامن إنساني، تؤكد أن الرحمة لا تعترف بالحدود الجغرافية، وأن الواجب الأخلاقي تجاه الإنسان لا يتوقف عند حدود الوطن. وهكذا لم تكن كلماتها عن المريض الذي لا تفرق في رعايته بين سعودي ووافد، أو مسلم وغير مسلم، مجرد رؤية أخلاقية عبّرت عنها في حديث عابر، بل كانت مبدأً جسدته في أعمالها التطوعية، داخل المملكة وخارجها. وإلى جانب هذا العطاء الإنساني، ظلت الدكتورة لطيفة حريصة على تطوير معارفها العلمية والارتقاء بقدراتها التخصصية. ففي عام ٢٠٢٦م ابتُعثت إلى كندا بعد قبولها في برنامج الزمالة في التخدير الناحي “ المناطقي”، وهو من التخصصات الدقيقة التي تسهم في تحسين الرعاية الطبية وتخفيف آلام المرضى. وليس طلب العلم في التخصصات الطبية الدقيقة مجرد سعي إلى شهادة إضافية، وإنما هو استثمار في حياة المرضى الذين سيستفيدون مستقبلًا من المعارف والخبرات التي يكتسبها الطبيب. فكل مهارة جديدة يتعلمها، وكل تقنية يتقنها، وكل معرفة يضيفها إلى رصيده العلمي، يمكن أن تتحول يومًا إلى وسيلة لإنقاذ حياة إنسان أو تخفيف معاناته. ومن هنا فإن الطموح العلمي للدكتورة لطيفة كان متصلًا برسالتها الإنسانية، لا منفصلًا عنها. لكن الأقدار شاءت أن تتوقف رحلتها العلمية قبل أن تبلغ الغاية التي كانت تتطلع إليها، وأن يكون رحيلها بعيدًا عن وطنها وأهلها، في وقت كانت فيه تستعد لمزيد من العطاء. وما أشد وقع الرحيل حين يأتي في ذروة الشباب وقمة الطموح، وحين تكون أمام الإنسان مشروعات لم تكتمل، وأحلام لم تتحقق، وخطوات كان ينتظر أن يقطعها في خدمة مجتمعه. غير أن قيمة الحياة لا تقاس بعدد سنواتها وحدها، وإنما بما يتركه الإنسان خلالها من أثر نافع، وما يزرعه في نفوس الآخرين من خير. ومن أكثر ما يؤلم في قصة رحيل الدكتورة لطيفة رسالتها الأخيرة التي بعثتها إلى أهلها من كندا. فقد كانت، على الرغم من بعدها الجغرافي، شديدة الارتباط بأسرتها ووطنها، تتابع أحوال المملكة وتطمئن على أهلها، ولا سيما في ظل الاعتداءات الحوثية التي أثارت قلقها على سلامتهم. وفي آخر تواصل بينها وبين أسرتها، بعثت إليهم بهذه الكلمات: “استودعتكم الله الذي لا تضيع ودائعه”. كانت رسالة قصيرة في كلماتها، عميقة في معناها، ولم يكن أهلها يعلمون أنها ستكون آخر ما يصلهم منها. ثم انقطع التواصل، ولم تعد تجيب عن الرسائل والاتصالات، حتى جاء الخبر المفجع برحيلها. كم تحمل الرسائل الأخيرة من معانٍ لم نكن نلتفت إليها حين تصلنا! فالكلمات التي نقرأها في لحظة عادية قد تتحول، بعد رحيل أصحابها، إلى ذكريات لا تفارق الوجدان. ولعل أكثر ما يبعث على التأمل أن الدكتورة لطيفة، التي كانت ترى المرضى ودائع استأمنها الله عليها، ختمت تواصلها مع أهلها باستيداعهم الله الذي لا تضيع ودائعه. وهكذا ظل معنى الأمانة الذي حكم علاقتها بمرضاها حاضرًا في وجدانها حتى آخر كلماتها لأحبائها. ولا نملك أمام هذا المشهد إلا التسليم بقضاء الله وقدره، والدعاء لها بالرحمة والمغفرة. حين وقع المصاب في كندا، اضطلعت سفارة خادم الحرمين الشريفين هناك بمسؤولياتها تجاه الفقيدة وأسرتها. وقد كان موقف السفارة، وفق ما نقلته الأسرة، موضع تقدير وامتنان، إذ تولت متابعة الإجراءات اللازمة، وطمأنت أهلها إلى عدم الحاجة إلى السفر إلى كندا، ثم عملت على إعادة جثمانها إلى أرض الوطن. وهذا الموقف الإنساني الرائع يعكس أهمية الرعاية التي تقدمها الدولة لمواطنيها خارج المملكة، ولا سيما في الظروف الاستثنائية التي تحتاج فيها الأسر إلى من يساندها ويخفف عنها أعباء الإجراءات وهموم الغربة. عاد جثمان الدكتورة لطيفة إلى وطنها الذي أحبته، بعد أن كانت قد غادرته طلبًا للعلم والمعرفة. وفي يوم الاثنين، التاسع عشر من أكتوبر عام ٢٠٢٦م، أُديت الصلاة عليها بعد صلاة العصر في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، ثم ووري جثمانها الثرى في مقبرة الموطأ بمدينة بريدة. هكذا انتهت رحلة الجسد، لكن سيرة الإنسان لا تنتهي بالضرورة عند حدود القبر. فثمة أشخاص يرحلون ويبقى حضورهم في ذاكرة من عرفوهم، وفي حياة من خدموهم، وفي القيم التي جسدوها بأعمالهم ومواقفهم. لعل من المفارقات الجميلة في سيرة الدكتورة لطيفة أن اسمها كان قريبًا من طبيعتها الإنسانية. فقد كانت لطيفة في تعاملها، رقيقة في مشاعرها، حريصة على ألا يكون المريض مجرد جسد يخضع لإجراء طبي، بل إنسانًا يستحق الاحترام والرعاية والطمأنينة. ولم تكن هذه الصفات بديلًا عن الكفاءة العلمية، وإنما كانت مكملة لها. فالطب يحتاج إلى العلم الذي يشخص المرض ويعالجه، لكنه يحتاج كذلك إلى الرحمة التي تصون كرامة المريض، وإلى الضمير الذي يحرس الأمانة حين يكون صاحبها عاجزًا عن الدفاع عن نفسه. وإذا كانت الأجهزة الطبية تستطيع مراقبة وظائف الجسد، فإنها لا تستطيع أن تصنع الرحمة في قلب الطبيب، أو أن تمنحه الإحساس الأخلاقي الذي يجعل حياة المريض أمانة لا مجرد مسؤولية وظيفية. تلك قيمة لا تمنحها الشهادات وحدها، وإنما تتكون من التربية والقناعة والضمير الحي. لقد تركت لنا الدكتورة لطيفة كلمات تستحق أن تبقى حاضرة في ضمير كل من يمارس مهنة الطب: “إنه وديعة حملني مسؤوليتها الله تعالى”. وإذا كان الموت قد أوقف عطاءها المهني، فإنه لا يستطيع أن يمحو القيمة الأخلاقية التي جسدتها، ولا الذكرى الطيبة التي تركتها في نفوس من عرفوها. رحم الله الدكتورة لطيفة بنت ضافي بن دليم البدراني رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ما قدمته من علم وعمل وخدمة للمرضى والمحتاجين في موازين أعمالها الصالحة. وأحسن الله عزاء والدها ووالدتها، وربط على قلبيهما، وألهمهما الصبر والاحتساب، وعمها اللواء المتقاعد عبد الله بن دليم البدراني، وإخوانها وأخواتها، وكافة أسرتها، وذويها، ومحبيها. وألهمهم جميعًا الصبر والسلوان، وجبر مصابهم، وعوّضهم عن فقدها خيرًا، وأجزل لهم الأجر والثواب. وجمعهم وإياها في مقعد صِدقٍ عند مليكٍ مقتدر. رحلت لطيفة، التي كانت تحرس حياة المرضى حتى يستعيدوا وعيهم، وبقيت سيرتها توقظ في ضمائرنا أنبل معاني الرحمة، وتذكرنا بأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو ما قدمه للإنسان. كان لكِ من اسمك النصيب الأوفى، فمع كل نسمة لطيفة، ومع كل بسمة عفيفة، سنتذكرك يا لطيفة. وإنا لله وإنا إليه راجعون.