نُصَّب عضوًا بأكاديمية المملكة المغربية وقدم محاضرة عن اسهامات مركز الملك فيصل في الطب ..

الأمير تركي الفيصل: لِنَجعلْ عالَمَنا العربي والإسلامي مصدرَ إشعاع للإنسانية والسَّلَام .

شهدتْ أكاديميةُ المملكة المغربية في العاصمة الرباط، يوم الإثنين الماضي، حفْلَ تنصيبِ صاحبِ السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، عضوًا بالأكاديمية، حيث أَلْقَى سموُّه محاضرةً بعنوان: «الأدوار الثقافية المستجدة في عالَم متغير»، تناول فيها التحولات التي يشهدها العالَم، وما تفرضه من أدوار جديدة للثقافة في بناء المعنى والمجتمع والمستقبل الإنساني. واستهلّ الحفل بجلسة رسمية تَرأَّسَها السيد محمد الصغير جنجار، عضو أكاديمية المملكة المغربية، وتضمَّنَت كلمةً ترحيبيةً للسيد عبدالجليل لحجمري، أمين السر الدائم للأكاديمية، قبل الانتقال إلى محاضرة سمو الأمير تركي الفيصل التي شكَّلَت المحورَ الرئيسَ للحفل. وأَعْربَ سموُّه في مُستهلّ محاضرته عن اعتزازه بالانضمام إلى الأكاديمية، وسعادته بثقة جلالة الملك محمد السادس، مستحضرًا ذِكْرى أخيه الأمير عبدالله الفيصل، رحمه الله، وإسهاماته في الدفاع عن اللغة العربية وتعزيز التواصل الثقافي والحضاري عبر الأكاديمية. واستعاد تكريمَ جلالةِ الملك الحسن الثاني، رحمه الله، له بالحمالة الكبرى لوسام العرش المغربي قبل نحو أربعة عقود. وأكَّد سموُّه أن التدفق الهائل للمعلومات والمحتويات الرقمية، والتطور المتسارع في وسائل الاتصال وإنتاج المعرفة، أحدَثَا تحولاتٍ بنيويةً في المنظومة الثقافية، وفرَضَا الانتقالَ من السؤال التقليديِّ عن مكانة الثقافة في المجتمعات إلى التساؤل عن القدرات الثقافية اللازمة لمواجهة المتغيرات، من دون فقدان القدرة على فهمها وبناء أُفُق مشترك للعيش الإنساني الآمن والكريم. وأوضح أن الواقع العربيَّ يستدعي تجاوُزَ الثنائيات التقليدية بين الأصالة والحداثة، والمحافظة والتغيير، نحو بناء قوة ثقافية تُمكِّن المجتمعاتِ العربيةَ من المشارَكةِ في إعادة تعريف المعاصَرة، بدلًا من الاكتفاء بالتكيف معها، مستعرِضًا أربعةَ مساراتٍ متكاملة للأدوار الثقافية المستجدة؛ تشمل بناءَ المعنى والمجتمع والمستقبل والإنسانية. وفي تناوُلِه المسارَ الأولَ، المتعلقَ بالبناء الثقافيِّ للمعنى، استعرَضَ سموُّه تطوُّرَ مفهوم الثقافة في السياسات الدولية، منذ إعلان مكسيكو الصادر عن اليونسكو عام 1982م، وصولًا إلى المؤتمرات العالمية للسياسات الثقافية عامَيْ 2022م و2025م، التي وَسَّعَتْ مجالاتِ الثقافة لِتشملَ الحقوقَ الثقافيةَ والتحولَ الرقميَّ والذكاء الاصطناعيَّ والمناخَ والتنميةَ المستديمةَ. وأشار إلى أن هذا التطور يفرض على المؤسسات الثقافية تجاوُزَ وظائف الحفظ، والترميم، والتوثيق، والرقمنة، إلى تحويل التراث إلى مصدر حيّ للمعنى؛ يعزز ارتباط الأجيال بإرثها الحضاريِّ. وحَذَّرَ من تراجُعِ دَور المؤسسات التقليدية في إنتاج المعنى أمام هيمنة المنصات الرقمية والمؤثِّرِين والخوارزميات، مؤكدًا أهميةَ حماية المقوِّمات اللغوية والفكرية للهُوِيَّة، وتعزيز السردية الوطنية الجامعة. وفي هذا السياق، أَبْرَز سموُّه مبادرةَ «المروية العربية» التي أطلقها مركزُ الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، في إطار إسهاماته في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030؛ بهدف إعادة بناء السردية الحضارية العربية، واستكشاف جوانبها المضيئة، وإتاحتها للبحث والنقاش والنشر، على نحوٍ يُعزِّزُ فَهْمَ الأجيال لماضيها وحاضرها وقدرتها على صياغة مستقبلها. وفي المسار الثاني، المتعلق بالبناء الثقافي للمجتمع، أَكَّدَ سموُّه أن اللغة والذاكرة الجمعية والتاريخ والانتماء تُشكِّلُ مَواردَ أساسيةً لبناء الهُوِيَّة والتماسك الاجتماعي، وأن الفنون والآداب والترجمة تُسهِم في تغيير الصُّوَر النمطية عن الآخَر، وتعزيز التواصل بين المجتمعات. وتناوَلَ أُطرُوحَتَيْ «نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، موضحًا أن اختزال المجتمعات في كُتَلٍ حضاريةٍ متجانسة يغفل تنوعها الثقافي، وقد يُحوِّل الاختلافات إلى مصادر للصراع. وأكَّد أن الإسلام واللغة العربية يُشكِّلانِ إطارًا حضاريًّا جامعًا للمجتمعات العربية، من دون إلغاء خصوصياتها، مُحذِّرًا من توظيف الثقافة في الخطابات الأيديولوجية الإقصائية التي تُغذِّي الاستعلاءَ والكراهيةَ. وتَناوَلَ سموُّه تطوُّرَ مفهومِ الحقوق الثقافية، وأهمية ربطها بالخصوصيات الحضارية للمجتمعات، مُستعرِضًا جهودَ المملكة العربية السعودية في تعزيز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، عبر المؤسسات والمبادرات المتخصصة، ومنها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ومركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري، ومشروع «سلام للتواصل الحضاري». وأكَّدَ أن دَوْر الثقافةِ يتجاوز الدعوةَ إلى التسامح وقَبُول الآخَر؛ ليصبح قوة فاعِلة في تحقيق السِّلم الاجتماعيّ والوئام الإنسانيّ. وفي المسار الثالث، المتعلِّق بالبناء الثقافي للمستقبل، تَناوَلَ سموُّه تأثيرَ الثورة الرَّقْميَّة والذكاء الاصطناعي والتغيرات المناخية والتحولات الجيوسياسية في مستقبل المجتمعات، مؤكدًا أن الاقتصاد والتقنية والعلم لا تكفي وَحْدَها لصناعة مستقبل إنسانيّ، وأن الثقافة تمتلك القدرة على توجيه هذه التحولات وربطها بالقيم الحضارية والأخلاقية. وأوضح أن المحافظة على التراث لا تَعْني الانغلاقَ على الماضي، بل استثمار خبراته في مواجهة تحديات الحاضر، مُستشهِدًا بالمدينة العربية التاريخية، وما تختزنه من معارف في تنظيم العمران وإدارة الموارد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب تقاليد نقل العلوم وآداب طلب العلم والصنائع العربية والإسلامية، وما ارتبط بها من قِيَم الإتقان والجودة والمسؤولية. وتَطرَّقَ سموُّه إلى التحديات البيئية، مؤكدًا أهميةَ استلهام التراثِ العربيِّ والإسلاميِّ في تعزيز المسؤولية تجاه الطبيعةِ، وحماية الموارد للأجيال المقبلة. وأَبْرَزَ في هذا السياق اهتمامَ رؤية السعودية 2030 بالاستدامة البيئية ومبادرة السعودية الخضراء، مُستحضِرًا تَجرِبةَ أخيهِ الأمير محمد الفيصل، رحمه الله، الذي عُرِفَ بلقب «أمير المياه»؛ تقديرًا لوعيه المبكر بأهمية الموارد المائية في بناء مستقبل قابل للعيش. واستعرض سموُّه جهودَ مركز الملك فيصل في استثمار رصيده العلميّ والمكتبيّ والمخطوطيّ والمُتحَفيّ، وتطوير مبادراته البحثية والثقافية، ومنها مشروع «المروية العربية»، والكراسيّ العلمية، وبرنامج الباحث الزائر، والمؤتمرات والإصدارات والترجمات، إلى جانب دَوْر جائزة الملك فيصل في تعزيز الإسهام العالمي في إنتاج المعرفة، وخدمة القيم الإنسانية المشتركة، مشيرًا إلى فوز عدد من العلماء والمفكرين المغاربة بالجائزة. وفي المسار الرابع، المتعلق بالبناء الثقافي للإنسانية، حَذَّرَ سموُّه من تصاعُدِ الإسلاموفوبيا، والتطرف، وخطابات الكراهية، والصور النمطية، وما تُسَبِّبه من انقسامات وصراعات، مؤكدًا ضرورةَ بناء أُفق إنسانيّ مُشترَك يَقوم على احترام التنوع الثقافي والحوار بين الحضارات والأديان، من دون المساس بالهُوِيَّة الوطنية والخصوصيات الدينية والحضارية. وتَناوَلَ مفهومَ «المواطنة العالمية»، وما أثاره من نقاشات حول العولمة والخصوصية الثقافية، مُوضِّحًا أن الانفتاح الإنسانيَّ لا يُلغي الانتماءَ إلى الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الدين، بل ينطلق من هُوِيَّة وطنية راسخة قادرة على التواصل مع العالم. ودعا إلى تطوير خُطَط وطنية للترجمة من العربية وإليها، واستثمار السياحة الثقافية والآداب والفنون والمحتوى الرقمي في تصحيح الصُّوَر النمطية، وتعزيز التفاهم بين الشعوب، مشيرًا إلى دَوْر كُرسيّ اليونسكو لترجمة الثقافات بالعالم العربي في مركز الملك فيصل في هذا المجال. وفي ختام محاضرته، حَذَّرَ سموُّه من اتساع الفَجْوة بين سرعة التطور التقنيّ وقدرة المجتمعات على توجيهه لخدمة الإنسان، مُتسائِلًا عن حدود دَوْر الذكاء الاصطناعيّ في تحديد ما يستحق أن تحتفظ به الأجيالُ من تراثها وقِيَمها. وأَكَّدَ أن الثقافة تظل الضامنَ الأساسي للمحافظة على إنسانية الإنسان، داعيًا المجتمعاتِ العربيةَ إلى بناء المعنى انطلاقًا من رصيدها الحضاريّ، والمشارَكة في صياغة مستقبل العالَم بدلًا من الاكتفاء بمستقبل يُحدِّده الآخَرون. واختتم سموُّه باستحضار كلمات والِده الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، قبل وفاته بخمسين عامًا، عندما سُئِلَ عن رؤيته للمملكة بعد خمسين عامًا، فأجاب: «أرى المملكة بعد خمسين عامًا مصدرَ إشعاعٍ للإنسانية والسَّلَام»، مُستلهِمًا هذه الرؤيةَ في دعوته إلى استعادة الدَّوْر الحضاريّ للعالم العربيّ والإسلاميّ، بقوله: «لنرى اليوم عالمنا العربي والإسلامي مصدر إشعاع للإنسانية والسلام». إسهامات مركزالملك فيصل في الطب في كلمة ألقاها سموه خلال افتتاح المؤتمر الدولي الرابع عشر حول تاريخ الطب، الذي استضافته مدينة فاس المغربية، يوم أمس الأربعاء بعنوان «الأخلاق الطبية في التراث العربي وإسهامات مركز الملك فيصل في حفظ ونشر تراثها»، أكد الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن التراث الطبي العربي يقدم تجربة حضارية ثرية في الجمع بين المعرفة العلمية والقيم الأخلاقية والإنسانية، مشيرًا إلى أن حفظ هذا التراث ودراسته ونشره يسهم في صون الذاكرة العلمية العربية، واستمرار الحوار المعرفي بين الأجيال، وتعزيز جسور التعاون بين المشرق والمغرب. واستهل سموه كلمته بالإشادة بمكانة فاس العلمية والحضارية، ودورها التاريخي في توثيق الصلات المعرفية بين المغرب والمشرق، معربًا عن تقديره للقائمين على المؤتمر لاختيارهم موضوع الأخلاق الطبية، بما يفتحه من آفاق للحوار بين تاريخ الطب وحاضره، وموجهًا التحية إلى العلماء والأطباء والباحثين المشاركين فيه. وأوضح سموه أن الطب يحتل مكانة خاصة في حياة الإنسان، إذ يلجأ المريض إلى طبيبه حين يشتد عليه الألم، ويأتمنه على مخاوفه وأسراره، بما يجعل العلاقة بينهما قائمة على الثقة والأمانة والمسؤولية. وأكد أن اتساع قدرة الطبيب العلمية والمهنية يضاعف مسؤوليته الأخلاقية، مثلما أن ضعف المريض وحاجته إلى العلاج يعظمان حقه في الرعاية والإحسان، وهي علاقة شغلت علماء التراث العربي الذين جمعوا في مؤلفاتهم بين علاج الأبدان وتهذيب الأخلاق. واستعرض سموه الجذور المبكرة للمعرفة الطبية عند العرب، موضحًا أن خبراتهم في التداوي سبقت ظهور الإسلام، وأن كتب الأدب والتراجم حفظت أخبار بعض أطبائهم، ومنهم الحارث الثقفي. كما أشار إلى حضور الطب في عصر النبوة والاستعانة بأهله، مستشهدًا بما ورد في صحيح مسلم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى أُبيّ بن كعب طبيبًا، في دلالة على أهمية طلب العلاج والرجوع إلى أهل الاختصاص. وبيّن أن الإسلام جاء بتكريم الإنسان والدعوة إلى الإحسان، فوجدت العناية بالمريض في هذه القيم أصلًا دينيًا واسعًا، كما حثت الأحاديث النبوية على الأخذ بأسباب العلاج والرجاء في الشفاء. وأشار إلى اهتمام علماء الحديث بجمع الأخبار المتعلقة بالتداوي، ومنها ما أورده عبدالملك بن حبيب الأندلسي، أحد علماء القرن الثالث الهجري، في كتابه «طب العرب». وتناول سموه تطور المعرفة الطبية في العصر العباسي، حين نشطت ترجمة المؤلفات اليونانية، بما حملته من علوم أبقراط وجالينوس ووصايا المهنة وآدابها، مبرزًا دور حنين بن إسحاق ومدرسته في نقل هذه المعارف من اليونانية وعبر السريانية، وتقريبها إلى المتعلمين، قبل أن تتسع حركة التأليف والشرح والاستدراك باللغة العربية. وأكد أن التراث العربي اتسم باتساعه الحضاري، إذ شارك في بنائه علماء من أديان وخلفيات متعددة، من المسلمين والمسيحيين واليهود والوثنيين، وجمعتهم اللغة العربية بوصفها وعاءً للمعرفة. واستشهد بقول سنان بن ثابت بن قرة، رئيس أطباء بغداد في مطلع القرن الرابع الهجري: «الناس منحدرون من قبيل واحد، ومتناسبون تجمعهم الإنسانية»، تعبيرًا عن البعد الإنساني المشترك في ممارسة الطب. وتطرق سموه إلى انتقال العهد والوصايا المنسوبة إلى أبقراط إلى الثقافة العربية، وما تضمنته من مبادئ حسن معالجة المرضى وصيانة أسرارهم والوفاء للمعلم، مشيرًا إلى حفظ بعض نصوصها في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة. وأوضح أن هذا الموروث تداخل مع القيم الدينية والعربية وخبرات الأطباء العملية، فنشأت مؤلفات عربية تناولت الأخلاق الطبية من واقع تجاربها الخاصة، ومنها كتاب «أدب الطبيب» لإسحاق بن علي الرهاوي، الذي نشره مركز الملك فيصل قبل ثلاثة عقود. وأكد سموه أن وضوح الغاية من تعلم الطب وممارسته يأتي في مقدمة الأخلاق المهنية، مستشهدًا بتعبير الطبيب علي بن رضوان عن هذه الغاية بأنها «كشف الكرب عن المرضى»، بما يتجاوز معالجة الألم الجسدي إلى تخفيف القلق والمعاناة النفسية. كما أبرز ما أورده الرهاوي بشأن أهمية الإصغاء إلى شكوى المريض، والمساواة في تقديم الرعاية، مستشهدًا بوصيته للأطباء: «ولا يفرق في ذلك بين صديقه وعدوه، ولا بين موافقه ومخالفه»، في دعوة إلى تقديم واجب الإحسان على الأهواء الشخصية. وانتقل سموه إلى آداب تعلم الطب، موضحًا أنها تمثل الأساس الذي تتشكل فيه أخلاق الطبيب، من خلال علاقته بمعلميه وطريقته في البحث وموقفه من الخطأ والتصحيح، مؤكدًا أهمية الجمع بين دراسة الكتب وملازمة أهل الخبرة. واستشهد بوصية عبداللطيف البغدادي: «ولا تظن أنك إذا حصلت علمًا فقد اكتفيت»، لما تحمله من دعوة إلى مواصلة التعلم ومراجعة المعرفة في ظل تنوع أحوال المرضى وتطور العلوم. وتناول كذلك قيمة الاستدراك العلمي على المتقدمين، والقدرة على الجمع بين إجلال العلماء ومراجعة آرائهم، مستعرضًا موقف أبي بكر الرازي من جالينوس في مقدمة كتابه «الشكوك على جالينوس». فقد اعترف الرازي بفضل جالينوس في تكوينه العلمي بقوله: «به اهتديت، وبأثره اقتفيت، ومن بحره استقيت»، لكنه أكد ضرورة فحص الأقوال وتحري الصواب مهما علت منزلة أصحابها، في نموذج يجمع الوفاء للمعلم مع الأمانة العلمية ومسؤولية التصحيح. وخصص سموه جانبًا من كلمته لاستعراض رسالة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في حفظ التراث الطبي العربي ودراسته ونشره، موضحًا أن المركز ينظر إلى الكتاب المخطوط بوصفه شاهدًا على حياة العلم وتطوره، وليس مجرد أثر يُحتفظ به لقدم عهده. وأشار إلى أن المخطوطات الطبية تكشف مسارات انتقال المعرفة بين العلماء والبلدان، وكيف أضاف اللاحق إلى السابق، وأسهمت العربية في استيعاب تجارب علماء اختلفت أديانهم وأصولهم. واستعرض عددًا من المخطوطات الطبية التي يحتفظ بها المركز، ومنها مخطوط كتاب «نتيجة الفكر في علاج أمراض البصر» لأحمد بن عثمان القيسي، المنسوخ في مكة المكرمة عام 919هـ، الذي يعكس عناية الأطباء بعلم الكحالة وأمراض العين وتشخيصها وعلاجها. كما أشار إلى مختصر للمقالة الجراحية من كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم الزهراوي، نُسخ عام 1129هـ، ويشتمل على رسوم للأدوات الجراحية، فضلًا عن جزء من مخطوط كتاب «التقاط المنافع» لابن الجوزي، الذي يشهد على امتداد المعرفة الطبية إلى مجالات الأدب والوعظ والتدبير اليومي للصحة، مؤكدًا أن هذه الأمثلة تعكس جوانب متنوعة من ثراء التراث الطبي العربي. وشدد سموه على أن حفظ المخطوطات يمثل الخطوة الأولى في خدمة التراث، تليها مهمة تحقيق النصوص ونشرها نشرًا علميًا يتيح وصولها إلى الباحثين والأطباء والقراء، مستعرضًا جهود المركز في إصدار مؤلفات طبية وأخرى تناولت الجوانب الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية للطب. ومن هذه الإصدارات كتاب «نور العيون وجامع الفنون» لصلاح الدين الكحال الحموي، الذي نشره المركز عام 1406هـ، وكتاب «كشف الرين في أحوال العين» لابن الأكفاني، الصادر عام 1412هـ، إلى جانب كتاب «أدب الطبيب» لإسحاق بن علي الرهاوي، الذي يعد من النصوص العربية المبكرة التي أفردت أخلاق الطبيب بالتأليف، وتناولت كفاءته العلمية وسلوكه المهني وعلاقته بالمريض. وأشار كذلك إلى كتاب «مصالح الأبدان والأنفس» لأبي زيد البلخي، الذي نشره المركز عام 1423هـ، موضحًا أنه يقدم تصورًا لعافية الإنسان يتجاوز علاج الجسد إلى سلامة النفس وسكونها، بما يعكس اتساع النظرة إلى الصحة في التراث العربي. وأكد سموه أن العناية بالتراث الطبي لا تعني الدعوة إلى استعادة الممارسات العلاجية القديمة بعد تغير شروطها، أو الاعتقاد بأن مؤلفات الأقدمين تقدم إجابات جاهزة عن جميع مسائل الطب الحديث، وإنما تهدف إلى استعادة خبرة بشرية في طلب المعرفة، والكشف عن ارتباط الممارسة الطبية بالتثبت والرحمة والاعتراف بالخطأ وتصحيحه، وهي قيم تظل جديرة بالتأمل رغم تغير أدوات الطب وطرائق التعليم والرقابة. وتناول أهمية التعاون بين المؤسسات العلمية والبحثية، موضحًا أن رسالة مركز الملك فيصل في حفظ الشواهد التاريخية ودراستها ونشرها تتكامل مع مسؤوليات الجامعات وكليات الطب في التعليم والبحث والممارسة. وأشار إلى أن انعقاد المؤتمر في فاس منح اللقاء دلالة خاصة، إذ جمع المتخصصين في التاريخ والطب حول كيفية صون المعرفة التراثية وحسن توظيفها لخدمة الإنسان المعاصر. وفي ختام كلمته، أكد سموه أن الحديث عن الأخلاق الطبية بدأ من حقوق المريض على الطبيب، وانتهى إلى حق العلم في أن يُحفظ بأمانة، ويُقرأ بإنصاف، ويُتاح للأجيال، مشيرًا إلى أن المركز ينظر إلى خدمة التراث الطبي باعتبارها مشاركة في صون الذاكرة العلمية العربية وبناء جسور المعرفة بين المشرق والمغرب. وأعرب عن تطلعه إلى تعزيز التعاون في دراسة التراث الطبي العربي ونشره، وترسيخ قراءة لتاريخ الطب تجمع بين الاعتزاز بإنجازاته والأمانة العلمية في دراسته، مختتمًا بتوجيه الشكر إلى القائمين على المؤتمر والمؤسسات المشاركة والعلماء والأطباء والباحثين، والدعوة إلى أن يكون العلم سبيلًا إلى الرحمة، والمعرفة بابًا إلى صون الكرامة، والتعاون جسرًا بين الشعوب.