رحيل الأب الثقافي..

محمد العلي.. كونيّة الفكرة في جلباب العزلة الأحسائية

رحل المفكر والشاعر السعودي محمد العلي عن عمر ناهز الرابعة والتسعين، رائد الحداثة في الجزيرة العربية، صاحب ديوان «لا ماء في الماء»، والكاتب الشرس الذي خاض معارك التنوير عبر زاويته الشهيرة «كلمات مائية» في صحيفة اليوم. لكن هناك زاوية أكثر عمقاً وإثارة للدهشة في مسيرته؛ وهي المفارقة الوجودية بين محليته الشديدة وانكفائه الجغرافي، وبين كونيته الفكرية وانفتاحه الفلسفي. لم يكن محمد العلي يوماً كوكباً يدور في فلك الصالونات الدبلوماسية، ولم يسعَ خلف السفارات أو الملحقيات الثقافية، ولم يطرق أبواب المترجمين الأجانب ليحجز لنفسه مقعداً في الأنطولوجيات العالمية. لقد كان «صاحب مشروع داخلي» بامتياز، آمن بأن اختراق جدار التكلس الفكري المحلي هو البوابة الحقيقية الوحيدة للمساهمة في الحضارة الإنسانية. إنها قصة مفكر عاش العالمية الفلسفية كاملةً، من داخل عزلته الاختيارية. العالمية بلا جواز سفر (توطين الفلسفة الغربية) يتوهم الكثيرون أن المثقف الكوني هو ذاك الذي يكثر من الترحال بين العواصم الغربية، غير أن محمد العلي قدّم نموذجاً مغايراً: العالمية عبر المثاقفة البنيوية المعمقة. بدأت رحلته المعرفية في بغداد، حيث درس الفقه والشريعة وحصل على البكالوريوس من كلية الفقه عام 1962 م، وهي خلفية منحت عقله أدوات صارمة في التفكيك والتحليل. ومن هذه الأرضية التراثية الصلبة، انطلق العلي ليمد جسوراً غير مرئية مع الفكر الفلسفي الغربي. كان يقرأ إيمانويل كانط في شروطه المعرفية، ويتأمل فريدريك نيتشه في هدمه للأصنام الفكرية، ويتقاطع مع وجودية جان بول سارتر. والمثير في تجربة العلي أنه لم يتعامل مع هؤلاء الأعلام كـ «موضة ثقافية» للاستعراض، بل قام بعملية «تبيئة» للمفهوم الفلسفي الكوني. فعندما كان يكتب عن التنوير أو العقلانية، لم يكن ينقل كلام الفلاسفة الأوروبيين بجمود، بل كان يسقطه مباشرة على الواقع الاجتماعي المعاش في الأحساء أو الدمام. لقد حوّل العلي المقهى البسيط، والزاوية الصحفية اليومية، إلى فضاء تفكيكي تُناقَش فيه أعقد أطروحات الحداثة الغربية بلسان محلي يفهمه القارئ. الأبوة الثقافية في مواجهة النخبوية الدبلوماسية إذا عقدنا مقارنة سريعة بين محمد العلي وبعض معاصريه من رواد الحداثة والتنوير في العالم العربي، سنجد فارقاً جوهرياً في إدارة العلاقات الإنسانية والثقافية. فالبعض زاوج بين العمل الرسمي أو الدبلوماسي والشعر، والبعض الآخر عاش في العواصم الخارجية مستنداً إلى شبكة علاقات مع مستشرقين وشعراء عالميين. أما محمد العلي، فقد اختار طواعية أن تكون علاقاته رأسية مع الأجيال، لا أفقية مع النخب السياسية أو الأجنبية. لم تكن تعنيه إشادة سفير، أو دعوة من مركز ثقافي أجنبي. كان يرى أن معركته الحقيقية ليست في نيل اعتراف خارجي، بل في بناء وعي داخلي. من هنا، تحول بيته وعزلته بالمنطقة الشرقية إلى محجّ للأدباء الشباب. كان يمارس «الأبوة الثقافية» بتوجيه الجيل الجديد نحو أمهات الكتب، وتدريبهم على القراءة النقدية. لقد آمن العلي بأن صناعة قارئ تنويري واحد في مجتمعه، تعادل في قيمتها الإنسانية طباعة دواوينه بلغات الأرض كافة. «لا ماء في الماء» والتأسيس الأنطولوجي للعزلة يتجلى البعد الكوني في حياة العلي من خلال نمط عيشه وسلوكه اليومي، الذي اتسم بالصمت الحكيم والزهد الصارم في الأضواء. هذا الانكفاء لم يكن هروباً من الواقع، ولكن استغراقاً عميقاً فيه لتأصيل رؤيته الحداثية. في ديوانه «لا ماء في الماء»، يظهر هذا البعد الأنطولوجي. فالعنوان نفسه يحمل مفارقة فلسفية تذكرنا بأطروحات العدم والوجود في الفلسفة الوجودية الحديثة. إن العزلة عند العلي كانت مختبراً فكرياً لتصفية الأفكار من شوائب الاستهلاك اليومي، ولذلك اختار الصمت ليحافظ على توقد ذهنه وحدّة نقده. هذه العزلة هي التي سمحت له بأن يمارس قناعاته التي تلخص فلسفته في الحياة حين قال: «أُفضّل أن أُعرف بأني جاهدت في تغيير الفكر الاجتماعي، وهذا يكفي». هنا تذوب ذات الشاعر الأنانية، لتظهر شخصية المصلح الفلسفي الكوني الذي يرى في الأدب مجرد أداة لغاية أسمى، وهي تحرير العقل البشري. عقلانية التنوير ضد السائد الثقافي كان محمد العلي يمثل «العقلانية الصلبة» في زمن كانت العاطفة والمثالية الرومانسية تسيطران على المشهد الأدبي. ولم يكن هذا التوجه العقلاني معزولاً عن حركة التنوير العالمية. لقد كان العلي يرى أن أزمة المجتمعات المحلية ليست أزمة نقص في المشاعر، بل هي أزمة في «منهج التفكير». لذلك، خاض معاركه ضد التقليد الأعمى والوصاية الفكرية مستخدماً أدوات التنوير الكونية: النقد، التفكيك، والمحاكمة العقلية. ولم يكن غريباً أن يُتوج بجائزة الأمير عبد الله الفيصل العالمية عام 2022 تقديراً لتجربته الشعرية والفكرية الطويلة. إن كونيته هنا تكمن في أنه لم يغرق في الصراعات الضيقة، بل كان ينظر إلى المشهد متسلحاً برؤية تاريخية وفلسفية ترى أن المجتمعات لا تنهض إلا إذا تجرأت على استخدام عقولها بنقد ذاتي مستمر. الإرث المستدام للمفكر الزاهد يظل محمد العلي علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، ليس فقط لما كتبه في مؤلفاته مثل «هموم الضوء» و»الحلقات الأولمبية»، ولكن للطريقة التي عاش بها. إن القراءة العميقة لسيرته تؤكد أن العالمية ليست مكاناً نذهب إليه، إنما هي «حالة ذهنية» ونظرة وجودية للعالم. لم يزر العلي العواصم الكبرى ليعرض بضاعته الفكرية، ولم يتقرب من صناع القرار الثقافي الدولي، لكنه استطاع، من عزلته المهيبة، أن يستوعب حركة التاريخ الإنساني، وأن يزرع في أرضه المحلية الخصبة بذوراً حداثية ستظل تثمر لأجيال قادمة. لقد رحل الجسد، لكن الفكرة الكونية التي عاش من أجلها ودافع عنها بقيت حية.