بماذا تكتسب الكتابة قيمتها؟ تكتسب الكتابة قيمتها بما تعطيه من معنى، وبما توحيه للقارئ من إحساس، وما تحرك فيه من شعور، وما تفتح له من آفاق، وما تحيل إليه من تجارب، ومعارف، ورؤى، وما تشكله من صِلات. وربما أعطت مئة كلمة أو أقل قيمة ما تعطيك إياه مئة صفحة أو أكثر. ومَن يعرف أن يجعل من الكلمات مفاتيح لخزائن العلم، والثقافة والأدب لجدير بأن يتربع على عرش الفصاحة والبيان. بعض ما تقرأ كالضوء المتصل بالتيار سرعان ما ينطفئ بعد انفصالك عنه، وبعضه هو التيار ذاته، الذي يلازمك ملازمة الضوء للقمر ، والماء للحياة، والجريان للنهر، وما (كلمات مائية) إلا حياة للثقافة والنقد والأدب. والسؤال: ما الذي يعطي كل هذا وذاك؟ الاختمار المعرفي المعتق، والكثافة الثقافية المكتنزة، وفاعلية الموَصِلات الذهنية المتوهجة، والتي يستحضر الكاتب من خلالها تجربته الثقافية، والفكرية. والسؤال الأهم: أنى للكاتب أن يجعل من الجملة حكاية، ومن الكلمة شجرة، تتفرع بأفنان من الثمار اليانعة، والظلال الوارفة، وكيف له أن يتصرف في ظروف الزمان والمكان، وأنت لم تبرح مكانك، ولم تغادر زمانك؟ كيف له أن ينقلك في البلدان، ويرتفع بك من السهول والوديان، وينتقل بك من زمانك إلى أقاصي التاريخ والأزمان في سطور لا تكلفك إلا دقائق معدودات؟ يستحضر معك ذلك الكاتب، وهذا الكتاب، وذلك الحدث، وتلك القضية، ويستشرف معك-بنظرة الناقد الثاقبة لسنن الحياة-المستقبل الذي ينتظر المشهد الثقافي والأدبي وغيره، وكأنه حينما ينتظر (وقوفا بها) يراه رأي عين. كل هذا وزيادة أجده حاضراً في كتابات شيخ الأدباء والمثقفين الأديب الكبير محمد العلي (رحمه الله). هذا الجريان الهادر لماء الثقافة- الذي لا يصدر بكل هذه العناصر مجتمعة إلا منه، ولولاه (لا ماء في الماء)- لم يتوقف عن الجريان، والتجدد، والعطاء إلا مع توقف قلبه، وما تزال حروفه، وكلماته شامخة بالنبض، والإحالة لما يتفق ورؤيته، أو يختلف، فكلاهما سيان ما دامتا تجريان في المرتع الخصيب، فالغاية كما يراها هو لا تكون في استجداء رضا المتلقي، بقدر ما تكون في حركة وعي الوجود بأكثر فاعلية. رحم الله تلك المنارة الشامخة السامقة بالثقافة، والأدب، وغنى النفس، وصدق الإحساس، والعطاء.