الأب الروحي الذي لا يغيب.
لم يكن محمد العلي بالنسبة لي مجرد شاعر كبير أو صديق عزيز بل كان شيئا أعمق من كل هذه المسميات كان الأب الروحي الذي وجدت في قربه طمأنينة وفي حضوره قيمة وفي كلماته ما يلامس الروح قبل أن يصل إلى العقل كان من أولئك النادرين الذين تمنحهم الحياة مكانة لا تشبه مكانة أحد والذين لا يحتاجون إلى كثير من الكلام حتى يشعر الإنسان بعظمة حضورهم ونبل معدنهم وصدق إنسانيتهم واليوم وأنا أكتب عنه لا أجدني أكتب عن رجل غادر هذه الدنيا فحسب بل أكتب عن جزء عزيز من حياتي وعن قامة إنسانية وأدبية ستظل حاضرة في وجداني مهما ابتعد الزمن ومهما توالت الأيام لقد كان محمد العلي بالنسبة لي أكثر من صديق وأكثر من اسم أحمله في ذاكرتي كان قيمة إنسانية استثنائية ورجلا من طينة الكبار الذين لا تمنحهم الحياة كل يوم والذين حين يدخلون القلب لا يعودون مجرد أشخاص في سجل الذكريات بل يصبحون جزءا من تكويننا ومن نظرتنا إلى الحياة ومن الأشياء الجميلة التي نعتز بأننا عرفناها يوما ما كنت أرى فيه الأبوة بمعناها النبيل والصداقة في أصفى صورها والإنسانية حين تتجرد من كل ما يشوبها من تصنع ومصالح كان حضوره يمنح الأشياء معنى مختلفا وكانت مكانته في نفسي أكبر من أن تفيها الكلمات حقها ولذلك فإن رحيله لا يشبه خبر وفاة نتلقاه ثم نمضي في حياتنا بل هو وجع شخصي عميق يمس مكانا خاصا في القلب ويوقظ في النفس مشاعر لا يستطيع المرء أن يشرحها للآخرين لأن بعض العلاقات لا يفهمها إلا من عاشها وبعض المحبات لا تحتاج إلى شهود لتكون صادقة وبعض الأشخاص يمنحوننا من أنفسهم ما يجعلهم يسكنوننا إلى الأبد لقد علمني رحيل محمد العلي مرة أخرى أن الإنسان قد يغادر هذه الدنيا لكنه لا يغادر بالضرورة حياة الذين أحبوه وأن هناك أشخاصا لا تنتهي علاقتنا بهم عند آخر لقاء ولا تنطفئ محبتنا لهم عند آخر كلمة بل تستمر صورتهم في داخلنا حية نابضة نستحضرها كلما مر بنا موقف يشبههم أو سمعنا كلمة تذكرنا بهم أو احتجنا إلى ذلك الشعور الجميل الذي كان يمنحنا إياه وجودهم وما أصعب أن تفقد إنسانا كنت تراه بعين القلب قبل عينك وأن تكتشف أن الأيام التي كنت تظنها ممتدة قد أصبحت فجأة ذكريات وأن اللقاء الذي كنت تتمنى تكراره صار أمنية لا يملك تحقيقها إلا الله إنني لا أرثي اليوم شاعرا فحسب ولا أودع اسما من أسماء الأدب والثقافة بل أودع إنسانا عزيزا ترك في نفسي أثرا لا يشبهه أثر وأحمل في قلبي محبة لا ينقصها الغياب ووفاء لا تغيره المسافات ولا تنهيه السنون وسيظل محمد العلي بالنسبة لي ذلك الإنسان الذي أعتز بأن الحياة جمعتني به والذي سأذكره دائما بكل ما يليق بمكانته من حب وتقدير وامتنان وإن كان الموت قد أخذ الجسد فإن المعنى الذي تركه في نفوس محبيه أكبر من أن يرحل وإن كانت الحياة قد طوت صفحة من حضوره بيننا فإنها لن تستطيع أن تطوي ما تركه من أثر في القلوب والعقول والذاكرة سلام على روحك يا محمد العلي سلام على قلب عرفته نبيلا وعلى إنسان أحببته صديقا وأبا روحيا وعلى قامة ستظل شامخة في ذاكرتي مهما غاب الجسد سلام على الأيام التي جمعتني بك وعلى كل ما تركته في نفسي من محبة واعتزاز رحمك الله رحمة واسعة تليق بطيب أثرك ونبل روحك وأسكنك فسيح جناته وجعل ذكراك الطيبة باقية في قلوب من عرفوك وأحبوك وإني مهما كتبت لن أستطيع أن أختصر مكانتك في كلمات لأن بعض الناس لا تكفيهم المراثي ولا تنصفهم العبارات وإنما يكفيهم أنهم عاشوا في قلوب الآخرين بصدق ورحلوا عنها مستحيلين على النسيان وستبقى يا محمد العلي واحدا من أولئك الذين لا يمر رحيلهم عابرا ولا يغلق الغياب أبواب محبتهم بل يتركون في القلب مكانا محفوظا لا يملؤه أحد وذكراهم حاضرة ما بقي فينا نبض وما بقي للوفاء معنى