عصر الأزمات وسيل المعلومات المتضاربة يشهد العالم المعاصر تدفقاً هائلاً وغير موقوف للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت، مما يضع المؤسسات الإعلامية والحكومية والأهلية أمام تحديات ضخمة في السيطرة على انتشار الشائعات والتضارب المعرفي. وتؤكد الدراسات الاستقصائية الدولية الصادرة عن مراكز الأبحاث العالمية (مثل مركز “بيو” للأبحاث) أن أكثر من 72% من البالغين عبر مختلف الدول يعتبرون انتشار المعلومات الكاذبة والمضللة عبر الإنترنت تهديداً رئيسياً ومباشراً لاستقرار أوطانهم. تكتسب هذه المعضلة خطورة بالغة ومضاعفة في فترات الأزمات والتحديات الكبرى—سواء كانت أزمات صحية، أو كوارث طبيعية، أو تقلبات اقتصادية وسوقية، أو نزاعات وسياسات طارئة؛ حيث يزداد الخوف وعدم اليقين، وتصبح الشائعات وسرعة انتشار المعلومات المغلوطة تهديداً مباشر لاستقرار المجتمعات وسلامة أفرادها. وتشير تقارير منصات رصد البيانات الرقمية إلى أن أكثر من 41% من مستخدمي الإنترنت عالمياً يتعرضون لشائعات ومعلومات مضللة بشكل يومي عبر شبكات التواصل، بينما ترتفع نسب التعرض في أوقات الأزمات الحادة بمعدلات قياسية تعجز النظم التقليدية عن احتوائها. منهجية رصد استجابة الجمهور وتفكيك الانحيازات لسبر أغوار هذا التفاعل المعقد في التعامل مع الشائعات والتضارب، أُجريت تجارب بحثية علمية مُحكمة لقياس استجابات الأفراد عند تعرضهم لمعلومات مضللة تتناول قضايا حساسة وحيوية في أوقات التحديات. تم تصميم هذه التجارب المعملية بحيث تُعرض على عينة واسعة من البالغين منشورات تتضمن معلومات مغلوطة وشائعات متضاربة، تليها رسائل تصحيحية تتنوع وفق محاور أساسية تشمل: • 1. شكل الرسالة: إما عبر تصحيحات إحصائية ترتكز على لغة الأرقام، البيانات الصلبة، والأدلة الرقمية، أو تصحيحات سردية تعتمد على القصص والتجارب الإنسانية والمواقف الحية. • 2. مصدر الرسالة: التنوع بين خبير بشري يمثل السلطة المعرفية والتواصل الإنساني، أو أنظمة ذكاء اصطناعي تعكس الدقة والحيادية التقنية. • 3. طبيعة الجمهور والبيئة النفسية للمتلقي: مدى الحالة الانفعالية للمتلقي (القلق، الخوف، أو الانحياز التأكيدي المسبق) والتوقيت الذي تصل فيه الرسالة ) هل هي استباقية قبل ترسيخ الشائعة أم بعد تغلغلها فكرياً(. دور التصحيحات السردية في خفض المقاومة الفكرية أثناء الأزمات أظهرت النتائج التحليلية للدراسة مفاتيح دقيقة تفيد الممارسين وصناع القرار ومسؤولي الاتصال في جميع القطاعات؛ إذ تبين أن التصحيحات السردية لم تؤدِ بالضرورة إلى تغيير مباشر وفوري في المعتقدات الخاطئة بصورة أكبر من التصحيحات الإحصائية، لكن السرد أثبت تفوقاً ملحوظاً في جانبين رئيسيين: • تقليل نزعة المشاركين نحو الجدال العكسي أو مقاومة التصحيح ومهاجمة مصدره. • خفض إدراك الجمهور لمصداقية المعلومات المضللة والمتضاربة من الأساس. تشير هذه الدلالة إلى أن نجاح الرسالة الاتصالية في فترات الأزمات لا يُقاس فقط بالإضافة الرقمية الصرفة، بل إن تمهيد الطريق عبر خفض حوائط الصد الدفاعية لدى الجمهور المذعور يمثل خطوة أساسية ومبدئية نحو تفكيك التضليل على المدى الطويل. ووفقاً لتقارير اليونسكو ووكالات قياس الوعي الإعلامي، فإن أكثر من 60% من قطاعات الجمهور تعاني من صعوبة بالغة في تمييز المحتوى المضلل عن الحقيقي دون دعم سردي وبشري مساند. حدود تفوق الذكاء الاصطناعي وفاعلية الأنماط المتبادلة على النقيض من التوقعات السائدة التي تفترض تفوقاً تلقائياً لأنظمة الذكاء الاصطناعي نظراً لسرعتها الفائقة في معالجة البيانات (التي تعالج ملايين المنشورات في ثوانٍ معدودة)، لم تظهر التجربة أي مؤشرات على تفوق الآلة المطلق في تقليل الجدال العكسي أو تقليص مصداقية التضليل مقارنة بالبشر. فالكفاءة التقنية والقدرة على المعالجة الرقمية السريعة لا تترجمان بالضرورة إلى فاعلية إقناعية أكبر في وجدان المتلقي المعرض للأزمات. وهنا يبرز الاكتشاف الأبرز المتمثل في تكامل المصدر مع شكل الرسالة وبيئة المتلقي: • التصحيحات السردية ) القصص والتجارب : ( سجلت كفاءة أعلى في خفض مصداقية التضليل والتضارب عندما صدرت عن خبير بشري يمتلك مهارات التعاطف والتعبير الوجداني الفعال. • التصحيحات الإحصائية ) الأرقام والبيانات) : أثبتت فاعلية أكبر وتأثيراً أعظم عندما أسندت إدارتها وإطلاقها إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تعكس الحياد والموضوعية الرقمية. • مراعاة حالة المتلقي: عندما تكون مستويات الخوف مرتفعة لدى المتلقي، تكون الرسائل السردية البشرية أكثر كفاءة في امتصاص الهلع، بينما تكون الرسائل الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أكثر ملاءمة للجمهور الذي يبحث عن إحصاءات وأرقام سريعة. المعايير الخماسية لتحري مصادر المعلومات وتتويجها بالمصداقية لمواجهة هذا التدفق المتضارب وتوجيه المجتمع بكافة أطيافه، يُقترح الاعتماد على خماسية إرشادية متسلسلة للتحقق الفكري، تتوّجها “المصداقية” كمعيار رئيسي جامع: • 1. الصحـة (Correctness): التأكد من حقيقة الوجود المادي للمعلومة خالية من التزييف أو الاجتزاء أو الاقتطاع من السياق التاريخي والواقعي. • 2. الدقــة (Accuracy): العناية بالتفاصيل الرقمية والإحصائية، وتحديد الأزمنة والأمكنة بدقة دون تعميم أو ضبابية أو تهويل. • 3. الموثوقية (Reliability): فحص هوية المصدر الأصلي وسجله المهني، والتثبت من خلوه من التعارض في المصالح أو الأجندات التوجيهية. • 4. الاعتمادية (Dependability): قياس قدرة المصدر على الصمود وقابليته للمراجعة والتكرار والتحقق التقني المستقل عبر الزمن. • 5. التعددية (Plurality): عدم الاكتفاء بمصدر واحد، ومقاطعة المعلومات عبر مصادر متعددة ومستقلة لتكوين الصورة الشاملة. المصداقية (Credibility) - المعيار المتمم والتتويجي: تُمثل المصداقية النتيجة الحتمية والغايات الكبرى التي تُتوج المعايير الخمسة السابقة؛ فهي الحصيلة الوجدانية والمعرفية التي تجعل الجمهور يثق بالرسالة ويتفاعل معها بوعي، وتتحقق فقط عندما تجتمع الصحة، والدقة، والموثوقية، والاعتمادية، والتعددية في نسيج اتصالي واحد. إرشادات وتوجيهات عملية لرفع الوعي ومواجهة التضليل أولاً: لعامة الجماهير والمستفيدين (التصدي للشائعات في الحياة اليومية) • قاعدة التريث والتأمل ) التوقف قبل المشاركة: ( عدم إعادة نشر أي خبر أو مقطع مرئي فور تلقيه، خاصة في لحظات الأزمات؛ فالانفعال العاطفي هو الوقود الأول لانتشار التضليل. • البحث عن المصدر الأول الأصلي: التساؤل دائماً: “من قال هذا؟ وهل يحمل صفة علمية أو رسمية تؤهله للحديث في هذا المجال تحديداً؟”. • الحذر من العناوين الرنانة والصادمة: المحتوى المضلل غالباً ما يستخدم لغة المبالغة والتحفيز العاطفي لانتزاع التفاعل السريع. • تفعيل المقاطعة الذكية والتحقق المتقاطع: مقارنة الخبر المنشور على وسائل التواصل بصفات ومواقع إخبارية متعددة ورسمية قبل اعتماده كحقيقة. • تنمية التفكير النظري والتحليلي الناقد: تدريب النفس على طرح أسئلة استكشافية مثل: “ما الهدف من نشر هذه المعلومة في هذا التوقيت بالذات؟” و”من المستفيد من ترويج هذه الشائعة؟”. • حماية البيئة الأسرية والمحيط الاجتماعي: التنبيه الواعي للوالدين والأبناء على عدم تداول الرسائل المجهولة المصدر الواردة في مجموعات التراسل الفوري ) مثل واتساب( ، وتخصيص وقت لمناقشة الشائعات الأسبوعية الشائعة وتبسيط الحقائق لهم. ثانياً: للمتخصصين وصناع القرار وصناع المحتوى • صياغة استراتيجيات هجينة تكاملية: الدمج بين قدرات الذكاء الاصطناعي في الرصد والمعالجة السريعة للبيانات الضخمة، وبين الخبرة البشرية في صياغة السرديات الإنسانية القريبة من وجدان الناس. • مراعاة التناغم في المثلث الاتصالي: التوفيق الدقيق بين ) طبيعة المصدر - شكل الرسالة - الحالة النفسية للجمهور المستهدف( • التصحيح الاستباقي والوقاية الفكرية (Inoculation Theory): عدم الانتظار حتى تتفاقم الشائعة وتترسخ، بل بناء الوعي الوقائي وتوضيح الحقائق فور ظهور بوادر التضارب المعلوماتي. • تسهيل الوصول إلى الحقائق وفك تعقيد البيانات: تقديم المعرفة المعقدة في قوالب بصرية وسردية ميسرة تفهمها كافة شرائح المجتمع دون الإخلال بدقة المعلومة. • إدراج مهارات التربية الإعلامية الرقمية: دعم البرامج التعليمية والتوعوية التي ترفع كفاءة الأفراد في كشف التزييف العميق (Deepfake) وتقنيات التضليل الحديثة. خاتمة إرشادية: إدارة التضارب الاتصالي وبناء الوعي تأسيسًا على ما سبق، فإن مواجهة تضارب المعلومات في جميع المجالات خلال فترات التحديات والأزمات لا تعتمد على إلغاء الدور البشري لصالح التقنية، ولا على تجاهل الأدوات الحديثة، بل تتطلب وعياً استراتيجياً متكاملاً يراعي شكل الرسالة، ومصدرها، وطبيعة جمهورها، ويحتكم إلى معايير التحري الخماسية المتوجة بالمصداقية. إن بناء مجتمعات واعية ومحصنة ضد التضليل هو المسؤولية المشتركة التي تبدأ من وعي الفرد وتريثه وتكتمل بحوكمة المؤسسات وتكامل الأدوار الإعلامية والتقنية. *مستشار إعلامي وأكاديمي، وأستاذ مساعد بكلية جدة للإعلان التابعة لجامعة الأعمال والتكنولوجيا ، وأستاذ مساعد سابق في الاعلام والاتصال بجامعة الملك عبد العزيز بجده.