(١) ما أغرب هذا الإنسان الذي لا يحسن ذكر الآخرين والاحتفاء بهم كما ينبغى إلا بعد موتهم! وما أسوأ أن نؤجل كلمات المحبة والوفاء والتقدير حتى يغيب أصحابها، فلا يعود بإمكانهم قراءتها أو الابتهاج بها! ترى، ما السر الذي يختبئ وراء هذه الظاهرة الإنسانية؟ لماذا لا يستيقظ وعينا بقيمة بعض الأشخاص إلا بعد رحيلهم؟ ولماذا لا نلتفت إلى المنجز الثقافي والإبداعي لصاحبه إلا بعد مماته؟ وماذا سيجني الراحل من كل هذا الاحتفاء المتأخر! ولعل في سيرة الفنان فان جوخ، الذي عانى الفقر في حياته، ثم أصبحت لوحاته بعد رحيله تباع بملايين الدولارات، مثالا صارخا على هذه المفارقة الإنسانية المؤلمة. ما الذي يفعله الموت بنا؟ وكيف يتحول الغياب إلى حضور، وتصبح النهاية بداية لحياة أخرى في ذاكرة الناس؟ أهو الموت الذي يكشف لنا قيمة من نفقدهم، أم أننا لا ندرك جمال الأشياء إلا حين نفقدها؟ لست أعترض على كلمات الرثاء، فهي من الوفاء، ولا على مشاعر الحزن، فهي من طبائع البشر، ولكنني أتساءل عن ذلك التقدير الذي كان المثقف والمبدع يتمناه في حياته، فلا يظفر به، ثم تنهال عليه الصفحات بعد رحيله! ومع ذلك، فإنني أرجو الله أن تصل دعوات المحبين إلى الراحلين، وأن يجدوا في صادق الدعاء والرحمة من الله ما هو أعظم من كلمات المديح والثناء. (٢) أما صديقي الأديب والمثقف أنور خليل، رحمه الله، فإنني أود هنا أن أروي طرفا من سيرتي معه، وهي ليست سيرة طويلة، لكنها تحمل من الذكريات والمواقف ما يستحق أن يُروى. لقد عملت معه في نادي أبها الأدبي، في إحدى دورات مجلس إدارته، حين كان رئيسا للنادي، وكنت مديرا ماليا. وأشهد الله أنني عرفت فيه مثالا نادرا في الأمانة والنزاهة وتحمل المسؤولية، ولا أقول ذلك مجاملة لراحل، وإنما شهادة أتحمل مسؤوليتها أمام الله. وأذكر من المواقف التي تكشف عن نزاهته وحرصه الشديد على المال العام أنه كان يتحرج حتى من استخدام بعض أدوات النادي لأغراضه الشخصية، مهما كانت يسيرة؛ فلا يأخذ قلما، ولا يستخدم شيئا من ممتلكات النادي خارج ما خصص له، وكان شديد التحفظ في كل ما يتصل بالمال العام، إلى درجة قد يراها بعضهم مبالغة، ولكنني كنت أراها مسؤولية وأمانة. وكنت، بحكم عملي مديرا ماليا للنادي، في منتهى الاطمئنان إلى سلامة الإجراءات المالية؛ إذ لم يكن يُصرف شيء إلا وفق الإجراءات المعتمدة، وبتوقيع المدير المالي ورئيس النادي. وقد عرفت من حرصه على أموال النادي ما ربما فاق حرصه على ماله الخاص. بل كان، رحمه الله، يكرم بعض ضيوف النادي من ماله الشخصي، ويتجنب أن يحمل النادي ما لا ينبغي أن يتحمله. وهذه شهادة أقولها عن معرفة مباشرة وتجربة عمل، لا عن رواية سمعتها من الآخرين. ولست هنا بصدد الحديث عن جميع جوانب شخصيته، أو إصدار حكم شامل عليه وتجربته، وقد كنا بطبيعة عملنا نتفق، ربما قليلا، ونختلف كثيراً، وإنما أنقل ما عرفته منه، وما شهدته بنفسي خلال سنوات العمل معه. وقد امتدت علاقتي الشخصية به، وبقيت بيننا صلات المودة والتقدير من بعد. وأذكر أننا سافرنا معا ذات مرة إلى نجران، للمشاركة في فعالية أقامها نادي نجران الأدبي. وكانت من أجمل الرحلات التي عشتها، وإن كانت من أطولها زمنا؛ فقد كنا نتجاذب أطراف الحديث، ونتوقف عند المواقع التي تحمل دلالات تاريخية أو ثقافية، فيحدثني عنها، ونتأمل ما تختزنه من ذاكرة المكان والإنسان. وتعلمت منه في تلك الرحلة معنى جميلا للسفر؛ وهو أن السفر ليس مجرد قطع للطريق وصولا إلى الغاية، وإنما هو اكتشاف لما يعترض الطريق من أمكنة وحكايات وتواريخ، فقد تمر بالمكان مرة واحدة، ولا تعود إليه ثانية. وهذا ما حدث بالفعل؛ فلم أعد إلى نجران بعد تلك الرحلة إلا مرات قليلة، وكنت فيها عابرا، ولم تتكرر تلك الوقفات التي منحت الرحلة معناها وجمالها. رحمك الله يا أنور، فقد كنت رفيقا جميلا في الطريق.. ولا يمكن أن أذكر أنور الخليل دون أن أذكر “الخليلية”، مكتبته المهمة التي كانت شاهدا على شغفه بالكتب والتاريخ والمعرفة، وعلى سنوات طويلة من القراءة، والبحث، والجمع، والتوثيق. وهنا أود أن أشير إلى أمر أرجو أن يجد عناية أبنائه البررة، الذين عرفتهم، ولمست اهتمامهم بوالدهم وإرثه. فقد كان أنور خليل، رحمه الله، يعمل منذ سنوات طويلة على مؤلف يتناول تاريخ عسير. وكان يحدثني عنه كلما زرته في “الخليلية”، ويخبرني بما أنجزه فيه، وما لا يزال يحتاج إلى مراجعة واستكمال. وكان يعود إلى هذا الكتاب بعد انقطاع، ثم ينصرف عنه إلى أعمال أخرى، ثم يستأنف العمل فيه، وكأن هذا المشروع ظل يرافقه سنوات طويلة من حياته، لا يريد أن يفارقه قبل أن يطمئن إلى اكتماله. وفي أواخر حياته تواصل معي، وطلب مني أن أقرأ هذا المؤلف وأراجعه وأبدي رأيي فيه، فرحبت بذلك، وكنت أنتظر أن يرسله إلي، لكنه لم يصلني، حتى جاء نبأ وفاته، رحمه الله. ولا أعلم اليوم ما مصير هذا الكتاب المهم، ولا إلى أي مرحلة وصل فيه، لكنني على يقين بأن العمل الذي أمضى صاحبه سنوات طويلة في جمع مادته والاشتغال عليه يستحق العناية والمراجعة والإخراج إلى النور، ولا سيما أنه يتصل بتاريخ عسير، الذي كان الراحل شديد الاهتمام به. وهنا أدعو وزارة الثقافة أن تنسق مع أبنائه وأن يولوا مكتبته التي يحب أن يسميها “الخليلية” التي تضم إرثا مكتوبا وماديا له قيمة كبيرة لتاريخ المنطقة، وأن يعملوا على حفظ هذا الإرث الثقافي والعلمي، وأن يسعوا إلى إخراج ما تركه من مؤلفات وأعمال لم تر النور، وفاء له، وخدمة للثقافة والتاريخ والذاكرة المحلية.