الحقيقة .. هل هي أفضل من الوهم؟

هل فعلًا نحن نرغب في الحقيقة؟ ماذا لو كانت قبيحة أو مشوّهة أو غير أخلاقية، فهل نريدها بأي ثمن؟ أليس بعض الأوهام أجمل وأنفع من الحقائق؟ يقدّم نيتشه واحدًا من أشهر تعريفاته لمفهوم الحقيقة، إذ يقول: «الحقائق هي أوهام نسينا أنها كذلك». وهو يرفض التصوّر الأرسطي للحقيقة، الذي يعرّفها بأنها تطابق الفكر مع الواقع، كما يرفض التصوّر الأفلاطوني لها بوصفها عالماً مفارقًا هو عالم المُثُل. ويرى أن كل ادّعاء بامتلاك الحقيقة هو، بالضرورة، ادّعاء نابع من منظور معين. ويقصد بذلك أن الحقيقة متعددة ومفتوحة على التأويلات، وأن الإنسان لا يراها إلا من خلال منظوره الخاص؛ أي من خلال ثقافته وتاريخه ولغته ومصالحه وبنائه العقلي والنفسي. وهذا يعني أن الحقيقة لم تكن يومًا محايدة. واللغة التي يستخدمها الإنسان ترسم له حدود الحقيقة التي يراها وينافح عنها. وبالطبع، لا يرى المختلف عنه في اللغة والثقافة الحدود نفسها. وبالتالي، فالحقيقة عند نيتشه منتج ينتجه الإنسان، لا موضوع يكتشفه. واللغة لا تنتج الحقائق لأنها صحيحة، بل لأنها مفيدة؛ لا لأنها حقيقية، بل لأنها مقبولة اجتماعيًا. فهل يرفض نيتشه الحقيقة بالمطلق؟ الجواب: لا، ولكنه يقبل الحقيقة التي تخدم الحياة. إذا أدركنا أن الحقيقة زلقة، يصعب الإمساك بها، ومتعددة التأويلات، بحيث يتعذّر الجزم بامتلاك وجهها النهائي، فهل بعض الأوهام التي تمنح الإنسان الأمل أفضل من الحقائق التي تمنحه الألم؟ وهل الوهم الذي يصحبه الاستقرار أفضل من الحقيقة التي تصحبها الأوجاع؟ وهل الحقيقة خير مطلق، والوهم شر مطلق؟ وهل يستطيع الإنسان أن يعيش من دون تصوّرات تمنحه الأمل والشعور بالأمان؟ وهذا لا يعني أن الوهم أفضل من الحقيقة، ولكني أريد أن أبيّن أن العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا مما قد نتخيّل. فالإنسان لا يعيش بالمعرفة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى ما يمنحه الأمل والصبر لمواجهة هذا العالم، وأحيانًا ما يحفظ صحته النفسية أيضًا. وتبعًا لها صحته البدنية. إن كثيرًا من خلافات البشر نابع من سوء الفهم؛ ذلك أن اللغة نفسها لا تنقل المعنى الدقيق للكلمات، ومع ضياع المعنى ضياع الحقيقة. فالأسماء التي تواطأ عليها البشر للاقتراب من حقيقة الأشياء هي ذاتها التي تبعدهم عنها. فما أجمل الصمت!