فصل من سيرة ذاتية (4)..

حكاية احتشاد الطلاب ضدي في الجامعة.

كثيرون أساؤوا فهم موقفي من الحضارة الغربية، وموقفي من الحضارة الإسلامية؛ فأنا لم أنف أن أوربا قد استفادت في بدايات تحولاتها من الفلاسفة المسلمين لكني أوضحت أن الفلاسفة الذين أسهموا في تنوير أوروبا كانوا منبوذين في مجتمعهم الاسلامي؛ فكيف نفاخر بمن نبذناهم. ورغم أني كنت أعلم عن طريق التعليقات والاتصالات وغيرها بوجود سوء الفهم؛ لكني كنت أعتبر سوء الفهم شيئًا طبيعيًّا؛ فسوء الفهم هو الأصل فلا أحد يتلقى ما يقال بنفس الدقة التي يريدها القائل خصوصًا في المسائل الخلافية المعقدة كالموضوعات الحضارية؛ لذلك نجد أن كل المؤلفين والكُتَّاب يَشْكون مُرَّ الشكوى من إساءة فهم ما كتبوا أو قالوا؛ وبسبب سوء الفهم المتكرر مع الكل؛ بدأتْ فكرةُ موتِ المؤلِّف وإن كان هذا المفهوم قد امتد وتنوعت تجلياته. المهم أنني كنت أعلم بوجود سوء فهم؛ إلا أن ما وقع لي في إحدى الجامعات؛ قد أكَّد لي ذلك بشكل صارخ؛ فقد دُعيتُ لإلقاء محاضرة؛ واستُقبلتُ من العميد والأساتذة بشكل كريم رائع. لكن كان في الجامعة أستاذٌ غير سعودي؛ حَشَدَ الطُّلاب ضد المحاضرة؛ وقد أحسستُ منذ بداية اللقاء؛ بوجود احتشادٍ مضادٍّ؛ حيث احتل صغار الطلاب مقاعد الصفوف الأولى؛ وكان من الواضح أنهم متهيؤون لإفساد اللقاء. وما أنْ بدأتُ حتى اعترض ذلك الأستاذ وصار يصرخ معارضًا ومحتجًّا وخرج من القاعة وهو يومئ للطلاب؛ فاستجابوا له وخرجوا من القاعة في حركة جماعية؛ كان من الواضح أنها مُرَتَّبة من قبل. إن ترتيب ذلك لابد أنه مبنيٌّ على تصوُّرٍ خاطئ مسبق عني؛ وكنا آنذاك في فترة استقطابٍ حاد؛ فطُرِحَتْ الواقعةُ في شبكة التواصل الاجتماعي فاندفع الناسُ مؤيدين للمحتج الذي اعتبروه منافحًا عن الحضارة العربية، ضد من تَوَهَّموا أنه من دعاة التغريب ووصل عدد المهاجمين أكثر من مليونين، وأمعن في التحريض والإشعال اثنان من أبرز من يتصدرون المشهد الثقافي في المملكة !!!. لكنني لم أنزعج بل لم أهتم ورأيت أن هذا الطوفان المضاد؛ بمثابة تزكية لصحة المسار؛ فكثرة المندفعين لا تدل إلا على أن الناس يمكن إثارتهم واستخفافهم للاندفاع في أي اتجاه يدغدغ العواطف. ثم إن معرفتي بالطبيعة البشرية؛ قد أكسبتني مناعة؛ فلم أعد أعبأ بالمواقف المضادة؛ لأنني قد كوَّنت قناعاتي عن طريق البحث الممض، والاستقصاء الملح، وصِدْق المسعى، لذلك لم ألتفت لما يقال بل بقيت أُعَبِّر عن أفكاري بكل الوسائل المتاحة. رؤيتي للحضارات إنني وأنا أكتب سيرتي الذاتية أردتُ أن أبين رؤيتي الموضوعية عن الحضارة الغربية، ورؤيتي عن الحضارة الإسلامية؛ إنني أقدم ذلك لمن يهمه أن يعرف الحقيقة. أما من يتخذ موقفًا سلبيًّا مسبقًا؛ فلا يجدي معه أي توضيح، إنه لن يلتفت لأي حجة، ولن يَقتنع بأي برهان؛ فرغم أنني مازلت أرى بأن الحضارة الغربية؛ هي الحضارة الوحيدة التي امتدت منجزاتها إلى كل الأمم، وامتد تأثيرها إلى كل الشعوب؛ لقد أوجدتْ نمطًا جديدًا للحياة؛ مغايرًا لكل الحضارات السابقة؛ مغايرًا لها في الاتجاه، وفي الاهتمامات، وفي المستوى، وفي المحتوى؛ وقدَّمت نموذجًا مختلِفًا لإدارة شؤون المجتمع، ونموذجًا ناجحًا للتنمية في مختلف المجالات الخدمية والإدارية والتعليمية والصحية والاجتماعية والصناعية والزراعية، واكتشفت مصادر جديدة للغذاء؛ وعلى سبيل المثال؛ فإن البطاطا الذي صار الغذاء الثاني في العالم بعد القمح؛ لم يكن معروفًا كمصدر غذائي إلا في القرن الثامن عشر حيث أصبح من أهم المصادر الغذائية في العالم وهذا نموذجٌ واحدٌ من آلاف النماذج التي أضافتها الحضارة الغربية، كما أنها أوجدتْ مواد وأساليب ووسائل لمضاعفة إنتاج ما كان معروفًا من الغذاء من قبل؛ إن الحضارة الغربية قد أحدثت أساليب رائعة لتوجيه وتنظيم وحشد طاقة أي مجتمع في المجال الذي يراد إنجازه والانتظام في مواصلة الإنتاج بالجملة، وابتكرت أساليب متطورة لإدارة الحياة، وابتكرت مسارات عظيمة للعمل وللإنتاج؛ فالشركات الضخمة التي توظف آلاف الناس هي إبداعٌ غربي، إن حشد العاملين في المصانع للإنتاج الجماعي الكثيف هو إبداع غربي؛ إن الغرب قد أنجز إنجازات حضارية هائلة؛ تغيَّرت بها الحياة الإنسانية في كل أقطار الأرض. إن الإنجازات الكبرى التي حققها الاندفاع الأوروبي في بدايات التحول تؤكد فاعلية الاندفاع وأهمية الجوانب العاطفية في الحياة الإنسانية؛ إن الجانب الوجداني في الإنسان شرطٌ أساسي للفاعلية العقلية. ومن هنا جاء إخفاق التعلُّم قسرًا أو اضطرارًا. لكن حضارة الغرب رغم الانجازات الهائلة، والتبدُّلات العظيمة؛ التي حقَّقَتْها للحضارة الإنسانية؛ فإنها ماتزال مشحونة بالنقائص، مليئة بالسوءات؛ فالبشر مهما ازدهرت بلدانهم؛ في العلوم، والفنون، والصناعات، والاقتصاد، ومهما نالوا من تعليم؛ فإنهم يبقون طوفانًا غير عقلاني، وغير أخلاقي؛ إن نقائص الإنسان ماتزال كثيفة وما تزال سائدة بكثافة؛ فالخضارة المعاصرة مليئة بالنقائص. إن ذكاء الفرد يكون مكرَّسًا لمتطلبات الذات؛ فطاقة عقله ومشاعره لا تفيض إلا عن حاجة النفس، واندفاعها التلقائي بمختلف الدوافع؛ إن الإنسان قد يجيد فهم ما يريده هو؛ لكنه يُخفِق إخفاقًا شديدًا في فهم ما يريده الآخرون، ويُخفق بشكل أعمق وأضر؛ في تقدير آمال وتطلعات ومشاعر واحتياجات غيره؛ إن أشد إخفاقات الإنسان في الغرب وفي الشرق في الماضي كما في الحاضر؛ هي في مجال العلاقات الإنسانية؛ بين الأمم؛ وهو مجالٌ أخفقت فيه الحضارة الغربية إخفاقًا شديدًا؛ مثلما أخفقت فيه الحضارات الأخرى؛ وبسبب ذلك تكرر اشتعال الحروب الطاحنة في أوروبا؛ إن أوروبا ترى نفسها أنها هي العالم؛ فالحرب العالمية الأولى والثانية؛ هي حربٌ أوروبية محضة؛ لكن الأوروبيين أطلقوا عليها وصف الحرب العالمية لأن العالم تَقلَّص في نظرهم ليكون أوروبا. إن الإنسان يستحضر دائمًا في ذهنه؛ ما يريده هو؛ إن ما يريده يستغرق ذهنه ومشاعره؛ فيحجب عن بصره وعن بصيرته؛ رؤية ما يريده غيره؛ إن امتلاك القدرة ليس مزية محضة وإنما لا تكون القدرات مزايا إلا بقدر الالتزام الأخلاقي. اختلال القوة والأخلاق مع الحضارة الغربية نمت قدرات التمكين نموًّا هائلا؛ فحصل اختلالٌ شديدٌ بين ما يستطاع، وما يجب؛ إنه اختلالٌ فظيعٌ بين مستوى القوة والتمكين؛ وبين الواجب الأخلاقي؛ إن ضعف الحس بالعدالة، وعدم نمو الشعور بما للآخر من حقوق؛ قد جعل الاختلال يتفاقم إلى أقصى حدود التفاقم؛ على مستوى العلاقات؛ إن أبرز إعاقات الحضارة الغربية؛ هي في الجانب الأخلاقي؛ لقد نمت إمكاناتها نموًّا هائلا؛ ولكن نمو الحس الأخلاقي تلكأ تلكؤًا شديدا؛ فالحضارة الغربية عملاقٌ هائل في مجال القوة والقدرة والتمكين؛ وقزمٌ قميءٌ في مجال التعامل مع الآخر. إن أمريكا مثلا تحقق العدالة القانونية للمواطن الأمريكي؛ لأنها محكومة بالقانون؛ فالعلاقة داخل أمريكا هي علاقةُ إلزامٍ وليست علاقة التزام؛ لكن أمريكا عدوانية بالنسبة لغيرها من الأمم؛ لأنه لا يوجد قانون مُلْزِم رادع. إن تقدمها العلمي والمادي يتسارع بشكل هائل؛ لكنها تبقى بنفس الأخلاق القميئة العدوانية. إن اقتناعي بأن الحضارة الغربية معاقة أخلاقيا بإعاقات شديدة؛ قد دفعني لتأليف كتابٍ كاملٍ بعنوان (حضارة معاقة) لكن الحضارة الغربية رغم إعاقاتها الشديدة؛ فإن الأفراد الخارقين من أبنائها قدَّموا فلسفةً فكرية وأخلاقية إنسانيةً بالغةَ الحكمة والروعة والثراء؛ إن الأفراد الخارقين؛ من الفلاسفة، والحكماء، والأدباء، والعلماء، والمفكرين، وقادة الرأي المجربين المحنَّكين؛ قد قدَّموا للجنس البشري؛ من الأفكار والتصورات والرؤى؛ ما يساعده بأن ينعتق من نقائصه؛ فالقابليات البشرية؛ إذا بوشرتْ مبكرًا مادامت فارغة؛ بما هو مناسب معرفيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا؛ فإنها تُعطي إمكانًا مفتوحًا عظيمًا لإحداث تحول نوعي إيجابي؛ لكن البشرية ماتزال بعيدة كل البعد عن هذا المستوى الأخلاقي المأمول؛ فالعقل البشري في الغرب وفي الشرق؛ مازال تتحكَّم به الأنساق الثقافية المتوارثة؛ كما تتحكم به الرغبات والغرائز والنوازع البدائية؛ فالإنسان كائنٌ أنانيٌّ ومتسلط بالطبع؛ إنه يستحضر في ذهنه ما يريده وما يحتاجه وما يأمله هو، إن متطلباته لا تنتهي، وجشعه مفتوحٌ للمزيد بلا نهاية؛ لكنه يغفل غفلة مطبقة عن تطلعات غيره؛ لذلك فإن الفلسفة والأفكار والعلوم قد بقيت نتائجها محصورة بالتطبيقات العملية. لا نهاية لنقائص الإنسان؛ إن أوسعَ الخصائص البشرية ضررًا، وأشدَّها خفاءً، وأدوَمَها فاعليةً؛ أن الإنسانَ يُؤتَى من داخل ذاته؛ وهو لا يَعْلَم؛ حيث يبقى أسيرًا للأسبق إلى قابلياته من غير أن ينتبه؛ فيقع في أسوأ النتائج وهو لا يدري؛ إن هذه المعضلة البشرية العامة المستعصية على الحل؛ سبَبُها أن الإنسان لا يولد بعقل جاهز وإنما يولد بقابليات فارغة؛ فيحتله الأسبق إليه؛ إن عقل كل فرد يكوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه؛ إن هذه هي أُمُّ المعضلات؛ إنها معضلةٌ بنيوية؛ شديدة الخفاء، والرسوخ، والتعقيد، والامتداد، والالتباس، ومتنوعة الإشكالات والأضرار، وممتدة التأثيرات السلبية في الزمان والمكان، وتشتد تفرعات وإشكالات وتعقيدات وخفاء هذه الأضرار البنيوية؛ بسبب عدم الإدراك أو التجاهل أو الغفلة عن المعضلات الناشئة عنها؛ وذلك أن الإنسان لا يولد بعقل جاهز وإنما يولد بقابليات فارغة؛ فيتبرمج كل فرد تلقائيًّا بالأسبق إلى قابلياته؛ ثم يبقى محكومًا بهذا الأسبق إليه مهما كان المحتوى والاتجاه؛ إن كل فرد تتكوَّن له أنماطٌ ذهنية مختلفة عن الأنماط الذهنية لكل الآخرين؛ إن هذه الاختلافات المتنافرة بين الأفراد ليست محصورة فقط بين الأنساق الثقافية المتباينة؛ وإنما أيضا تكون الاختلافات على مستوى التفاعل اليومي بين الأفراد داخل كل نسق ثقافي، بل داخل الأسرة الواحدة؛ فلكل فرد بنية ذهنية تختلف عن كل البنيات الذهنية الأخرى؛ وبسبب هذه الاختلافات الحتمية بين الأنماط الذهنية لكل الأفراد، وبسبب اختلاف الاهتمامات التي تحدد مسارات الانتباه لكل فرد، وبسبب أن لكل فرد تطلعات وآمال واحتياجات تخصه هو وحده؛ وتحدد مسارات تفكيره، كما أن لكل فرد بنية ذهنية مختلفة عن البنيات الذهنية لأي شخص آخر؛ لكل ذلك فإنه يشيع جدا سوءُ الفهم بين الناس، وتنتشر الأوهام؛ بشكل قد لا يدركه أكثر الناس؛ لذلك يقال: ((الناس اتفقوا على أن لا يتفقوا)) أما الحقيقة فهي أن اختلافات الناس؛ هي اختلافاتٌ حتمية؛ وليست باختيارهم؛ إنهم لم يتعمَّدوا الاختلاف وإنما اختلفوا رغمًا عنهم؛ إن البشر لا يستطيعون أن يتفقوا؛ بل تقوم العلاقات على المقاربة والمواءمة؛ فكل فرد تتحكم به بنيةٌ ذهنيةٌ مختلفة عن البنيات الذهنية لكل شخص آخر. إن كل إنسان تتحكم به بنية ذهنية لم يكن له دورٌ في تكوينها؛ وإنما تكونت له خارج أي قصد. ولكن هذه الحقيقة الأساسية الكبرى لا يكاد ينتبه لها أحد رغم نتائجها المأساوية. الأسبق إلى العقل وبسبب هيمنة الأسبق إلى قابليات أي إنسان؛ فإن أية معلومة خاطئة، وأية شائعة مدمرة؛ فإنها حين تنتشر تحتل العقول وتَرْسَخ؛ ثم مع الزمن تتنامى وتزداد اشتعالاً؛ فالتصحيح لا يُجدي، والبراهين يكتسحها طوفان الجهالة؛ كتلك الشائعة الخرافية المدمرة التي انتشرت حول تشجير المدن في المملكة العربية السعودية؛ فتحولت الأشجار الظليلة الجميلة من كونها أجمل عناصر المدن؛ إلى غول مرعب يفر منه الجميع، ويحاربه الكل، ويتسابق الصغير والكبير لتدميره واجتثاثه؛ من دون أي تأمُّل أو تحقُّق أو تمهُّل لمعرفة الحقيقة؛ وكأنهم يرددون: قد قيل ما قيل إنْ صِدْقًا وإن كذِبًا فما اعتذارك عن قول إذا قيلا؛ إن محاولة التصحيح والتفنيد تزيد المعلومة الخاطئة انتشارًا، وتزيد الشائعة اتقادًا؛ فما يتلقاه العقل أوَّلاً يبقى مهيمنًا عليه مهما كان محتواه مضادًّا لكل الحقائق؛ خصوصًا إذا كانت الشائعة مخيفة وتتعلق بالصحة والمرض؛ ومن هنا ندرك خطورة المعلومات المضللة، وفظاعة الشائعات التي تدمِّر وعي المجتمع؛ فالناس حين يتلقون معلومة خاطئة في أي مجال؛ فإنه يستحيل تحريرهم منها؛ إن إشاعة معلومة خاطئة هي جريمة كبرى فليس أضر من تدمير وعي المجتمع. إن هذه الحقيقة المفْصلية حول طبيعة العقل البشري ما تزال يجهلها أغلب الناس. إن الشائعة المدمرة أو المعلومة الخاطئة حين تنتشر؛ فإنه يستحيل شفاء عقل المجتمع منها؛ ومثلما يقول فيلسوف العلوم توماس كون في كتابه (بنية الثورات العلمية): ((إن تحوُّل الولاء من نموذج إرشادي؛ إلى نموذج إرشادي آخر؛ هو تحوُّلٌ أو انقلابٌ في الخبرة)) فلا يجدي البرهان، ولا تنفع الحجة، مادام أن العقل قد تم احتلاله: ((مَن سَبَق لبق)) ويؤكد توماس كون بشواهد حاسمة بأن الإنسان يبقى متمسكًا بالأسبق إلى عقله؛ فلا يقنع بأي برهان، ولا يلتفت لأية حقيقة مضادة؛ فيقول توماس كون: ((تبقى المقاومة مدى الحياة)) وينتهي توماس كون إلى تأكيد: ((أن المقاومة أمرٌ حتميٌّ)) فإذا شاع سوءُ فَهْمٍ، أو انتشر أيُّ خطأٍ؛ فإن الناس يظلون متمسكين بما شاع أوَّلاً؛ مهما كان خاطئًا؛ ومهما تضافرت البراهين النافية. ولا تزيدها المقاومة سوى المزيد من الرسوخ والاشتعال. ولكن الاعضال الأكبر أن الناس لا يدركون هذا عن ذواتهم؛ فيبقون تتحكم بهم السوابق من دون أن يعلموا ذلك؛ فالسوابق عوائق. معضلة العقل البشري إن هيمنة السوابق هي معضلة بشرية عامة كبرى ذات نتائج فظيعة عموديًّا وأُفُقيًّا؛ إن النتائج قد تكون مدمرة وتبقى ممتدة زمانًا ومكانًا؛ إنها نتاج الطبيعة البشرية وليست خاصة بشعب من دون آخر؛ تَأمَّل هيمنة لهجات الناس في مختلف المناطق داخل مجتمع واحد؛ ومهما نالوا من تعليم فإن لهجة الناس في حائل؛ تختلف عن اللهجة في سدير أو القصيم؛ ويقال ذلك عن كل السوابق إلى العقل؛ فكل إنسان يولد بقابليات فارغة؛ فيتشكَّل عقله تلقائيًّا بالأسبق إلى قابلياته؛ إن عقل الفرد يكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه؛ ثم يصبح هذا الأسبق هو الأساس ويظل هذا الأسبق يدافع تلقائيًّا عن ديمومته؛ طبقًا لقانون القصور الذاتي؛ إن كل أسبق يملك ديمومة الأسبقية، إن طاقة الاستمرار ذات فاعلية تلقائية؛ إنها معضلة العقل البشري على المستوى الإنساني كله؛ وبسبب ذلك ظلت الأمم حتى بعد تعميم التعليم؛ تتوارث الأنساق الثقافية التي تكوَّنت تلقائيًّا خلال أزمانٍ سحيقة، ولم يستطع التعليم ولا الجهود الفلسفية ولا العلوم الحديثة أن تزحزح هذه الأنساق عن هيمنتها على العقل البشري، ولنفس السبب لا يتم قبول أية نظرية علمية جديدة حتى يموت الجيل الذي نشأ على نظريةٍ أسبق؛ فتأتي أجيالٌ لم تتبرمج بما هو مضاد؛ على النحو الذي برهن عليه توماس كون في كتابه (بنية الثورات العلمية) وما أكده بمنتهى الوضوح عالم الفيزياء الشهير الحائز على جائزة نوبل ماكس بلانك الذي أكَّد أن هيمنة الأسبق تُقَيِّد العقلَ وتمنعه من قبول الحقيقة حتى عقول كبار العلماء؛ وأن الاكتشافات العلمية الجديدة تظل مرفوضة حتى يموت العلماء الذين اعتادوا على نظرية مغايرة؛ يقول ماكس بلانك في مذكراته: ((من النادر أن يشق أي اكتشافٍ علمي مهم؛ طريقَه عن طريق الفوز التدريجي على المعارضين له؛ فما يَحْدُث بالفعل هو أن المعارضين لأي اكتشاف أو ابتكار؛ يموتون وبعد ذلك تعتاد الأجيال الجديدة على الاكتشاف)) وما توصل إليه ماكس بلانك بعد معايشته لصراعات الأجيال سبق أن توصل إليه الفيلسوف شوبنهاور. أما الآن بعد أن اتضح أن العقل البشري يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه؛ فإن المعضلة باتت مفهومة تمامًا. ولكن رغم أن الأسبق إلى العقل؛ أيًّا كان مضمونه؛ هو العائق المعرفيُّ؛ الأشد صلابةً، والأقوى حضورًا، والأكثر عنادًا؛ ورغم أنه تلقائيُّ التكوُّن، وتلقائيُّ الهيمنة، وتلقائي المقاومة، وتلقائي الرفض لأي مغاير، وتلقائيُّ الصمود أمام أقوى البراهين؛ ومع أن ضرر ذلك؛ فظيعٌ وممتد زمانًا ومكانًا؛ ويمس كل فرد، ويمس كل المجتمعات، ويمس الجنس البشري بأكمله؛ فالأسبق مهما كان خاطئًا؛ فإنه يظل مقاومًا لأي برهان؛ رغم كل ذلك؛ فإن التعليم النظام في كل العالم يتجاهل هذه المعضلة البنيوية الكبرى، أو لم يعطها ما تستحقه من التحليل والإفصاح والتشريح، بل إن طريقة تقديم وتلقين المعلومات في المدارس والمعاهد والجامعات؛ تُوهِم بعكس ذلك تماما؛ حيث تُقَدَّم المعلومات بوثوقٍ وحسمٍ، بأسلوبٍ تقريري جازم؛ فيبقى الدارسون يجهلون طبيعة عقولهم، ويجهلون طبيعة المعرفة التي تبرمجوا بها واستناموا لها، ويجهلون أن أية معلومة سابقة غير صحيحة ستتحكم بهم، وتصير عائقًا معرفيًّا؛ فتحول دون قبول ما يطرأ من تصحيح؛ يقول الدكتور فاخر عاقل في كتابه (سيكولوجية الإدراك): ((إن المعلومة المبدئية؛ تكون إطارًا ومفتاحًا للمعلومات التالية؛ وإذا كانت المعلومات التالية مخالفة للمعلومات الأولى؛ فإنها تُلوى لتُناسب المعلومات المبدئية)) ويقول العالم إدوارد دي بونو في كتابه (تعليم التفكير): ((لا توجد لدينا آلية ذاتية من أجل التفكير بالمسارات المناظِرة؛ ونحتاج لكي نقوم بهذا إلى إطارٍ خارجي؛ إذ بدونه لا يستطيع العقل أن يتخلى بشكلٍ طبيعي عن مسار ليسلك مسارًا آخر)) إن مئات الملايين من الدارسين في كل العالم يجتازون كلَّ مراحل التعليم من دون أن يكونوا مدركين لطبيعة أدمغتهم، وطبيعة عقولهم، ويبقون في الغالب يجهلون بأنهم لم يولدوا بعقول ناجزة، وأنهم قد تبرمجوا تلقائيًّا بما في البيئات التي نشأوا فيها؛ وأن هذه الطبيعة للعقل تجعل تأثير السنوات الست الأولى من حياة كل مولود؛ تأثيرًا حاسمًا. وحتى بعد أن يَكْبر؛ فإن المعلومة التي يتلقاها الإنسان أوَّلاً تُبرمجه؛ فإذا كانت المعلومة خاطئة؛ فإنها تمثِّل إعاقةً معرفية. إن الجهل بطبيعة العقل، والجهل بطبيعة المعرفة، والجهل بطبيعة تفاعل العقل مع الواقع؛ ليس جهلاً بمسألة من المسائل؛ وإنما هو جهلٌ بنيويٌّ، وأساسي، ومَفْصِليٌّ مدمر؛ على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأُسر، وعلى مستوى المجتمع، وعلى المستوى الإنساني بأكمله.