يذكّرني الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» بأفلام الكريسماس إلى حد بعيد؛ ليس بسبب أجوائه البصرية فقط بل برومانسيته ونهايته ، كأن الفيلم يطرح أسئلة التشابه والاختلاف والشعور الذي يشبه أن تكون بين الناس ولست منهم، حكاية بسيطة بطابع كوميدي خفيف، تتخللها رموز وإشارات إلى الغيبيات والأرواح والعالم الآخر دون أن تبدو هذه العناصر ثقيلة على المشاهد. الفيلم يعرض على منصة «شاهد» حالياً وهو من كتابة وبطولة “سارة طيبة” وإخراج “أنس باطهف”، وبطولة “يعقوب الفرحان”، وقد اختير العمل لتمثيل المملكة في سباق الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي، وهو اختيار يضع التجربة أمام أسئلة نقدية تتجاوز الحكاية إلى الصورة التي تقدمها السينما السعودية عن نفسها. تدور الحكاية حول «حياة»، فتاة تعتقد أنها مصابة بلعنة ستودي بحياتها في ليلة ميلادها الثلاثين، فتقرر أن تسابق القدر لتدخل في سلسلة من المحاولات الفاشلة لإنهاء حياتها، وفي إحدى هذه المحاولات تلتقي «يوسف» جراح القلب الذي يعاني انخفاضًا دائمًا في معدل نبضاته، حتى يبدو منفصلًا عن انفعالات الحياة اليومية؛ فلا غضب ولا فرح ولا دهشة، ولا يرتفع أدرينالينه إلا حين يدخل غرفة العمليات ويواجه احتمال الموت ولا ينام أو يحلم ، كلاهما قادم من عالم مختلف وكلاهكما يعاني من عدم تقبّل العالم الذي وُضع فيه، لم يخترهما أحد كما هما، بمخاوفهما واختلافهما، وهكذا يلتقيان في ثنائية تجمع طبيبًا يوقظه الخطر، وفتاة تريد أن تموت قبل الثلاثين، في محاولة لتبادل النجاة من مصيرين متناقضين. وبصراحة لم أستطع تحديد موقفي من الفيلم فهو ظريف، وله تفاصيله الخاصة وألوانه وأغنياته، لكن الفكرة الواعدة لا تجد دائمًا ما يكفيها من البناء الدرامي، تبدو الأحداث محدودة، وتتراجع قدرة السيناريو على تطوير دوافع الشخصيات وضبط إيقاع التحولات، فتتقدم الصورة أحيانًا على الحكاية، ويظل السؤال قائمًا: هل استطاعت الفانتازيا أن تمنح هذه القصة عمقًا يتجاوز غرابتها، أم أن النص أقل من مستوى الصورة؟ فنيًا كان للصورة حضورها فالألوان والإضاءة، بما تحمله من حيوية وميل إلى أجواء النيون، تصنع عالمًا حالماً يتناسب مع طبيعة العمل، وتمنحه هوية بصرية مميزة، أعجبني أن موقع التصوير “جدة “ لم يكن مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل وظفت لتكون جزءًا من روح الفيلم، وكأن المدينة نفسها تشارك الشخصيات شيئًا من تقلّبها ووحدتها، وتأتي الموسيقى والأغنيات والملابس والديكورات لتكمل هذا العالم، لا بوصفها إضافات جمالية فحسب، بل عناصر تمنح التجربة طابعها الخاص، أما على مستوى الأداء، فقد وجدت سارة طيبة أكثر إقناعًا في تجسيد شخصية «حياة»؛ إذ أدّت شخصية الشابة المتهورة والمندفعة باقتدار، ومنحتها حضورًا يتناسب مع غرابتها وتقلباتها، في المقابل، لم يكن أداء يعقوب الفرحان في مستوى الشخصية التي يؤديها، ولم أجد في تجسيده لـ«يوسف» ما يكفي من العمق التعبيري الذي يجعل بروده وانفصاله عن مشاعره مقنعين طوال الوقت، فالشخصية التي تبدو قليلة الانفعال ليست بالضرورة شخصية قليلة التعبير، وكان يمكن للأداء أن يمنح صمتها وبرودها دلالات أكثر ثراءً. ومع ذلك، فإن تناول الموت والانتحار بهذه الخفة الكوميدية يثير سؤالًا آخر خصوصًا حين يشاهد العمل جمهور من الأعمار الصغيرة؛ فالفانتازيا تمنح الحكاية حرية واسعة، لكنها لا يمكنها أن تعفيها من مسؤولية الطريقة التي تقدم بها هذه الأفكار الحساسة وأخيراً يمكننا أن نتقبل أن السينما هنا هي سينما تجريبية، ونحن نحتفي بمحاولات الخروج عن القوالب المألوفة، لكن ذلك لا يعني أن نتخلى عن حقنا في النقد أو أن نمتنع عن الإشارة إلى ما لم يقنعنا في العمل، فالإشادة بالجيد ونقد ما يحتاج إلى تطوير ليسا موقفين متناقضين، بل هما ما تحتاج إليه السينما السعودية الناشئة في رحلتها نحو النضج، وليس من مصلحة هذه السينما أن نمنح كل تجربة حصانة من النقد لمجرد أنها مختلفة، كما لا يخدمها أن نتجاهل ما تحققه من تقدم فني وتقني، ومع ذلك، لا أريد أن أنكر على الفيلم خصوصيته أو ما يكشف عنه من جرأة في التجريب، ومن اشتغال بصري يستحق الالتفات ،لكن جمال الصورة وحده لا يصنع فيلمًا متكاملًا، كما أن الفكرة الجيدة لا تكفي ما لم تجد كتابة قادرة على احتضانها، وربما لهذا تحديدًا بقيتُ مترددة في حكمي عليه؛ فقد خرجت منه محتفظة بألوانه وأغنياته وأجوائه، أكثر مما خرجت بحكايته.