في اليوم العالمي للتراث السمعي البصري ..

جهود وطنية لحفظ الذاكرة الثقافية.

أشاهد كثيرًا من الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية القديمة، وأحرص على متابعة قناة “ذكريات” السعودية، التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، لما تعرضه من أعمال تعود إلى فترات مختلفة. وأجد في مشاهدة هذه المواد فرصة للعودة إلى زمن مضى، والتعرف إلى تفاصيل الحياة آنذاك، من ملامح المدن والناس إلى اللهجات والعادات. ومع تكرار المشاهدة، بدأ يتبادر إلى ذهني سؤال: كيف حُفظت هذه الأعمال طوال تلك السنوات، وكيف وصلت إلينا اليوم؟ ومن هنا جاء اهتمامي بالجهود المبذولة لحفظ التراث السمعي والبصري، وما يمثله من ذاكرة توثق جوانب من تاريخنا وتتيح للأجيال المقبلة الاطلاع عليها. وتتضح أهمية هذه الجهود مع اليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي يصادف 27 أكتوبر من كل عام، وتحييه منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” للتوعية بأهمية حفظ الأفلام والتسجيلات الصوتية والمرئية وبرامج الإذاعة والتلفزيون، وحمايتها من التلف وتقادم وسائل تشغيلها. ويرتبط هذا اليوم بذكرى اعتماد توصية حماية الصور المتحركة وصونها، التي أقرها المؤتمر العام لليونسكو عام 1980. وفي المملكة، تتعدد الجهود المعنية بحفظ الذاكرة الوطنية. ومن بينها الأرشيف الوطني للصور التاريخية في مكتبة الملك فهد الوطنية، الذي يضم صورًا توثق مراحل مختلفة من تاريخ المملكة. وتكمن قيمة هذه الصور في التفاصيل التي تحفظها؛ فهي تسجل ملامح المدن قبل تغيرها، وتوثق المناسبات والشخصيات، وتكشف جوانب من الحياة الاجتماعية والعمرانية في فترات سابقة. وتزداد أهميتها حين تُفهرس وتُوثق المعلومات المرتبطة بها، مثل تاريخ التقاطها ومكانها وأسماء الأشخاص الظاهرين فيها، لتصبح مصدرًا يمكن للباحثين والمهتمين الوصول إليه والاستفادة منه. وللروايات الشفوية دور مكمل في حفظ الذاكرة الوطنية، إذ تسجل شهادات من عاصروا أحداثًا ومحطات من تاريخ المملكة، وتحفظ تفاصيل قد لا نجدها في الصور أو الوثائق المكتوبة. وتعمل دارة الملك عبدالعزيز على جمع هذه الشهادات وتوثيقها، فيما تحتفظ مكتبة الملك فهد الوطنية ببرنامج للتاريخ الشفوي يسجل بالصوت والصورة مقابلات مع الأدباء والمثقفين ورواد الفكر. وفي المجال السينمائي، أطلقت هيئة الأفلام برنامج “التاريخ الشفهي للشاشة العربية” ضمن مبادرة “سينماء” التابعة للأرشيف الوطني للأفلام، لتوثيق تجارب رواد السينما والدراما ورصد التحولات التي شهدتها هذه الصناعة. أما في مجال حفظ التراث السينمائي، فتعمل هيئة الأفلام عبر الأرشيف الوطني للأفلام على جمع الأفلام السعودية والعربية وأرشفتها، وحفظها وإتاحتها وفق مسارات مختلفة. وقد بدأت الهيئة إنشاء “سجل الأفلام السعودية”، الذي يضم بيانات أكثر من ألف فيلم. وتنبع أهمية هذا العمل من أن الفيلم وثيقة صوتية وبصرية تحفظ ملامح المدن والأزياء واللهجات وأنماط العيش في زمن تصويره، وتتيح للباحثين تتبع تطور التجربة السينمائية وما عكسته من قضايا اجتماعية وثقافية وفنية. ومن التجارب التي استوقفتني منصة “سيما” التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وهي مكتبة رقمية تتيح الوصول إلى مواد من أرشيف الإعلام السعودي. وحين بدأت أتجول في أقسامها، وجدتني أنتقل من صورة إلى أخرى ومن مقطع إلى آخر، وأطّلع على مواد إعلامية متنوعة تعود إلى فترات مختلفة. وقد جعلتني هذه التجربة أرى كيف يمكن للأرشيف أن يتحول من مواد محفوظة إلى محتوى يستفيد منه الباحث وصانع المحتوى والمؤسسة الإعلامية. وتتيح المنصة مواد وفق ضوابط الاستخدام والترخيص، وقد يتطلب الحصول على بعضها، كالصور، مقابلًا ماديًا. وتشمل العناية بهذه الأرشيفات تحسين جودة المواد القديمة، وليس رقمنتها وحفظها فحسب. فقد تراجعت جودة بعض الأفلام والتسجيلات مع مرور الزمن، كما أن وسائل تشغيلها أصبحت أقل توفرًا. ولهذا تُستخدم تقنيات المعالجة الرقمية لتقليل التشويش، وتصحيح الألوان، ومعالجة الخدوش والعيوب، ورفع دقة الصورة لتناسب الشاشات الحديثة. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ظهرت إمكانات جديدة لتحسين جودة المواد القديمة واستعادة بعض تفاصيلها. وقد جربت بنفسي استخدام إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة مقطع فيديو قصير. لم تكن النتيجة بالمستوى الذي أطمح إليه، لكنها أعطتني تصورًا عما يمكن أن تحققه هذه التقنيات مستقبلًا. وربما تصبح أكثر قدرة خلال السنوات المقبلة على تحسين وضوح المواد القديمة وإظهار تفاصيلها. ومع ذلك، تظل المحافظة على النسخة الأصلية أمرًا ضروريًا، مع توثيق التعديلات التي تُجرى على النسخ المحسّنة، حتى لا تختلط المعالجة الحديثة بالمادة التاريخية الأصلية. وللأفراد دور في حفظ هذا التراث أيضًا؛ فمن يحتفظ بصور عائلية قديمة أو أشرطة فيديو وتسجيلات صوتية يمكنه المساهمة في حمايتها من خلال تحويلها إلى صيغ رقمية، وتدوين أسماء الأشخاص والتواريخ والأماكن المرتبطة بها. فهذه المعلومات البسيطة تساعد على فهم المادة وتمنحها قيمة أكبر مع مرور الزمن، وقد تصبح ذات أهمية للباحثين والأجيال القادمة. فلنستمر في الحفاظ على هذا الكنز الثقافي، ودعم الجهود التي تُعنى بحفظ الصور والأفلام والتسجيلات، إلى جانب توثيق الروايات الشفوية لمن عاصروا أحداثًا ومحطات من تاريخنا. فهذه المواد، على اختلاف أشكالها، تحفظ جوانب من حياتنا وتاريخنا، وتتيح للأجيال القادمة فرصة التعرف إلى الماضي من خلال صوره وأصواته وشهادات من عاشوه.