من مكتبة آشور بانيبال إلى مكتبة الإسكندرية..

مسيرة المعرفة في أروقة المكتبات.

لم تكن المكتبات يوماً مجرد أروقة صامتة تتزاحم على رفوفها مختلف الكتب و المجلدات، بل كانت و لا تزال أحد أهم الشواهد على التطور الفكري للبشر من مختلف الحضارات و الشعوب على مر العصور و الأزمنة. منذ أن بدأ الإنسان باكتشاف العالم من حوله و عيش تفاصيل حياته بتنوع ظروفها، اهتم أيضاً بتدوين تلك اللحظات و فهمها بالإضافة إلى حفظ ما تعلمه و نقل فائدته إلى من يأتي بعده، فالمعرفة سلسلة عظيمة و نبيلة لا تنتهي بانتهاء صاحبها بل تستمر من بعده كإرث يستفاد منه و يضاف إليه جيلاً بعد جيل. تعد الألواح الطينية الرطبة من أقدم الوسائل التي استخدمها البشر لنقش كتاباتهم و معاملاتهم التجارية بالإضافة إلى النصوص الدينية و القوانين المختلفة و الكتابات المتعلقة بالأدب و الفلسفة و المجالات المتعددة. و مع تزايد هذه النصوص و تراكم الألواح المكتوبة، أصبح من الضروري حفظها في أماكن مخصصة، و من هنا تشكلت البدايات الأولى للمكتبات التي تحولت تدريجياً إلى مستودعات للفكر الإنساني و الإرث الثقافي. لم تتوقف رحلة المعرفة عند الألواح الطينية، بل تطورت بانتقال الإنسان من الكتابة على الطين إلى البرديات و الرقوق، ثم المخطوطات و الكتب المكتوبة يدوياً، و من ثم إلى الكتب المطبوعة و التي يتم حفظها في المكتبات و مختلف المؤسسات العلمية و الثقافية. أما اليوم، و في ظل الثورة الرقمية، فقد تجاوزت المكتبات حدود المكان و الزمان لتصبح متاحة بكل سهولة لشرائح أوسع من المجتمع عبر الشاشات و المنصات الإلكترونية، في خطوة تعكس سعي الإنسان المستمر للحفاظ على ما اكتسبه من علم و تطويره و نقله إلى الأجيال التي تليه بشتى الطرق و الوسائل. أهمية المكتبات لا يمكن اختصارها، فهي الملاذ الهادئ و الآمن للقراء و الهواة، و هي المنهل الذي يستقي منه الطلاب معارفهم، و المرجع الذي يستند إليه الباحثون في رحلتهم نحو الاكتشاف و إنتاج المعرفة. لذلك، أصبحت المكتبات جزءاً أساسياً من البنية الثقافية في مختلف المجتمعات. و لا تقتصر أهمية المكتبات على دورها التقليدي في دعم القراءة و مساندة الطلاب و المساهمة في مختلف الأبحاث العلمية، بل تتجاوز ذلك لتصبح مرآة تعكس الهوية الحضارية و الثقافية و الاجتماعية للشعوب المتنوعة. و قد انتشرت المكتبات حول العالم و اختلفت كثيراً في مقتنياتها و هوياتها. لكل من تلك المكتبات طابع خاص، فمنها من اشتهر بمخطوطاته التاريخية و الوثائق النادرة التي وثقت مسيرة الشعوب، و بعضها اشتهر بمراجعه العلمية و الأدبية في مختلف مجالات المعرفة. اختلاف المكتبات لا يقتصر على محتوياتها فحسب، بل يشمل تصاميمها المعمارية و أنظمتها و الخدمات التي تتيحها لمرتاديها، لتشكل جميع هذه العوامل ملامح التجربة الإنسانية للزوار من قراء و هواة و باحثين، لتترك في ذاكرتهم بصمة مميزة لا يمكن محوها أو تكرارها. و للتعرف على هذا التنوع عن قرب، لا بد من تسليط الضوء على بعض المكتبات التي تجاوزت شهرتها حدود بلدانها و حظيت بمكانة خاصة في التاريخ، بدءاً من مكتبة آشور بانيبال في بلاد الرافدين، التي حفظت آلاف الألواح الطينية، وصولاً إلى مكتبة الإسكندرية في مصر، التي برزت كمركز علمي و ثقافي هام جداً في العالم القديم. و على امتداد العالم، تبرز نماذج شهيرة لعدة مكتبات، خلدت اسمها في ذاكرة التاريخ كرموز عظيمة لطموح الإنسان في جمع المعرفة و إثراء الفكر الإنساني عبر الزمان. في بلاد الرافدين، و تحديداً في مدينة نينوى و التي كانت عاصمة الإمبراطورية الآشورية القديمة، تأسست مكتبة آشور بانيبال خلال القرن السابع قبل الميلاد. تعد هذه المكتبة أحد أقدم المكتبات المعروفة في التاريخ، حيث احتوت على العديد من النصوص الدينية و الأدبية و العلمية التي نقشت على الآلاف من الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري. ساعدت هذه المكتبة الباحثين على فهم الحضارة الآشورية و نقل صوتها من الماضي إلى الحاضر، و كانت سجلاً حياً لذاكرة تلك الحضارة. تعرضت مكتبة آشور بانيبال للحريق أثناء تدمير مدينة نينوى عام ٦١٢ قبل الميلاد، و ساهمت حرارة الحريق في تصلب الألواح الطينية و حفظها تحت الأنقاض إلى حين اكتشافها خلال عمليات الحفر الأثرية في القرن التاسع عشر. و هكذا، لا تعد مكتبة آشور بانيبال مجرد مجموعة من الألواح الطينية القديمة، بل شاهداً تاريخياً على شغف الإنسان و فضوله المعرفي. انتقالاً من بلاد الرافدين إلى أرض مصر، تبرز مكتبة الإسكندرية القديمة، و التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد و ازدهرت في عصر العائلة البطلمية، و هي سلالة ملكية من أصل مقدوني يوناني حكمت مصر القديمة لحوالي ٣٠٠ عام. جمعت هذه المكتبة عدداً هائلاً من لفائف البردي، و هي أوراق قديمة كان الناس يقومون بصنعها من نبات يسمى البردي، و الذي كان ينمو بكثرة قرب نهر النيل. كانت هذه اللفائف من أهم الوسائل المستخدمة في الكتابة حينها، حيث كانت الأوراق الرقيقة تصنع من سيقان نبات البردي، و من ثم يتم الكتابة عليها بواسطة الحبر، و أخيراً يتم جمع هذه الأوراق و لصقها ببعضها البعض لتكوين لفائف طويلة. ضمت مكتبة الإسكندرية القديمة مؤلفات متنوعة في العلوم و الفلسفة و الأدب و الرياضيات و الفلك و الطب، و أسهم العديد من العلماء في ازدهارها و في ترك أثر هام في تاريخها المعرفي، مثل عالم الرياضيات و الجغرافي الإغريقي إراتوستينس، الذي حاول تقدير محيط الأرض عبر مقارنة زاوية ظلال الأشعة الشمسية في نفس اللحظة بين مدينتي الإسكندرية و أسوان، و عالم الرياضيات الإغريقي إقليدس، الذي أسهم في كتابة العناصر في تنظيم المعرفة الهندسية و رتبها بطريقة منطقية اعتمدت على البديهيات و المبرهنات، بالإضافة إلى عالم الفلك و الرياضيات اليوناني أرسطرخس الساموسي، و الذي اقترح أن الأرض و الكواكب تدور حول الشمس. تميزت أفكار هؤلاء العلماء بأنها سبقت عصورهم بقرون طويلة، فكانت بذوراً علمية أثمرت في تغيير فهم الإنسان للعالم من حوله. و بذلك، شكلت مكتبة الإسكندرية مركزاً لالتقاء العقول و تبادل الأفكار و تطوير المعرفة، و ظل أثرها حاضراً في تاريخ الحضارة الإنسانية. لم تسلم مكتبة الإسكندرية من تقلبات الزمان، حيث انتهت تدريجياً عبر سلسلة من الحوادث و الأحداث العنيفة عبر التاريخ، من أبرزها حريق عام ٤٨ قبل الميلاد، حين اندلعت النيران في أثناء الصراع الذي شهده عهد يوليوس قيصر، و التي يعتقد بأنها أتلفت جزءاً من مجموعات هذه المكتبة العريقة. غابت مكتبة الإسكندرية عن المشهد مع توالي الاضطرابات، لكن بقيت قصصها شاهدة على عظمة الحضارات القديمة، و لا زالت تذكرنا بما يفقده الإنسان بفقد جزء ثمين من الذاكرة الثقافية. لم تقتصر رحلة المكتبات على الحضارات القديمة، بل امتدت عبر الزمن لتشمل مؤسسات حفظت الحصيلة العلمية و نقلتها عبر العصور، و من ضمن هذه المكتبات المكتبة البريطانية في لندن، و التي تأسست بصورتها المستقلة عام ١٩٧٣ م. تحتوي المكتبة البريطانية على مقتنيات تاريخية تعود إلى مكتبة المتحف البريطاني التي أنشئت عام ١٧٥٣ م، بالإضافة إلى ملايين الكتب و المخطوطات و الوثائق التاريخية التي وثقت تاريخ الشعوب و الحضارات. أما في العاصمة الأيرلندية دبلن، تبرز مكتبة كلية ترينيتي، التابعة للكلية الشهيرة التي تأسست عام ١٥٩٢ م، بكونها إحدى أعرق المكتبات التاريخية و المعالم الثقافية في أيرلندا. تضم هذه المكتبة مجموعات نادرة و قاعة لونغ روم المعروفة، و هي قاعة تاريخية شهيرة تتميز بسقفها المقوس و رفوفها الخشبية الطويلة التي تصطف عليها آلاف الكتب القديمة. أما بيت الحكمة في بغداد، فقد ارتبط بازدهار الحركة الثقافية و العلمية في العصر العباسي، حين كانت الترجمة و دراسة المؤلفات القديمة من الوسائل الهامة لتطوير المعرفة في مجالات عديدة. شملت المعارف التي انتقلت عبر هذه الطريقة الفلسفة و الطب و الفلك و الرياضيات، مما سمح للعلماء الاطلاع على أفكار الحضارات السابقة و البناء عليها. و تنضم إلى هذه المكتبات مجموعة واسعة من المؤسسات التاريخية التي أسهمت في صون التراث الفكري، مثل مكتبة برغامون، و مكتبة الفاتيكان، و مكتبة فيلا البرديات، و المكتبات الوطنية في فرنسا و الصين و إسبانيا. على اختلاف عصور هذه المكتبات و مقتنياتها و حضاراتها، فقد اجتمعت على هدف صون المعرفة و العلوم من الضياع، و أكدت رغبة الإنسان المستمرة في اكتساب العلم و تناقل المعرفة من جيل إلى آخر. فمن الألواح الطينية و البرديات، إلى المخطوطات المزخرفة و الكتب المطبوعة، و مع تعاقب اللغات و الإمبراطوريات و تنوع الشعوب، ظلت المكتبات عبر العصور حارسة لتراث الإنسان و ذاكرته، و نوراً يهدي مسيرة الحضارة الإنسانية.