نشوة الكتابة ونرجسية الكاتب.
كثيرًا ما يُوصَف الكُتّاب بالنرجسية، وكأن اعتزازهم بما يكتبون، وفرحتهم بنصوصهم، ورغبتهم في أن يقرأهم الآخرون، شواهد على انشغالهم بأنفسهم. لكن هل كل إعجاب بالذات نرجسية؟ وهل يمكن أن نكون أمام شعور لا نفهمه تمامًا لأننا ننظر إلى الكتابة من خارج التجربة؟ هناك نشوة يعرفها من يحب الكتابة؛ نشوة لا تبدأ بالضرورة من جمال العبارة، بل من تلك اللحظة التي يجد فيها ما يتراكم في داخله طريقه إلى الورق. إنها نشوة الانسكاب على الورق؛ حين يتحرر شيء ظل حبيس النفس، وتخرج الفكرة من غموضها إلى وضوح الكلمات، كأن الكاتب ينتقل من ضيق داخلي إلى سعة، ومن ازدحام لا يعرف كيف يفكّ خيوطه إلى فضاء يستطيع فيه أن يرى ما كان يعجز عن الإمساك به. في تلك اللحظة، لا تكون الكتابة مجرد صياغة لفكرة أو تسجيل لشعور، بل فعل تحرر أيضًا؛ أن يصبح ما كان يسكن الداخل شيئًا قائمًا أمام صاحبه، له كلمات وشكل، بعد أن ظل حبيس عالمه الداخلي. وتأتي لذة أخرى حين يكتمل النص، ويشعر الكاتب بأنه استطاع أن يمنح فكرته شكلًا يرضيه، أو أن يعثر على لغة تحمل ما أراد قوله. عندها لا يفرح بالكلمات وحدها، بل بما استطاع أن يصنعه منها، وبقدرته على تحويل ما في داخله إلى شيء يمكن رؤيته وقراءته. إنه يفرح بما كتب، ويفرح كذلك بأنه استطاع أن يكتبه؛ وهنا تتداخل لذة الإبداع مع شعوره بذاته بوصفه كاتبًا. ومن الطبيعي أن يرغب في أن يقرأ الآخرون ما كتب. فقد لا تكفيه متعة التعبير وحدها؛ إذ يريد لما خرج من داخله أن يصل إلى خارج ذاته، وللمعنى الذي اكتشفه أن يجد قارئًا يتلقاه. وقد يتمنى لو أن العالم كله قرأ نصه وشعر بما شعر به، لا لأنه يرى نفسه بالضرورة فوق الآخرين، بل لأنه يتمنى أن يشاركه أحد لذة اكتشافه، أو أن يعثر قارئ بين كلماته على شيء يشبهه، أو على معنى ظل يبحث عنه ولم يجد له صياغة. فالكتابة، في أحد وجوهها، فعل تواصل. والإنسان لا يكتفي بأن يشعر ويفكر، بل يريد أيضًا أن يُفهَم، وأن يجد لما في داخله طريقًا إلى الآخرين. والكاتب، حين يضع أفكاره على الورق، لا يقول بالضرورة: انظروا إليّ، بل قد يقول: انظروا إلى ما رأيت، وتأملوا ما فكرت فيه، لعلّكم تجدون في كلماتي شيئًا يشبهكم. وهكذا قد يجد القارئ في نص لم يعش صاحبه تجربته تعبيرًا عن شعور يعرفه، أو كلمات لمشاعر لم يستطع التعبير عنها. ومع ذلك، فإن رغبة الكاتب في أن يُقرأ، وفرحته بالثناء على نصه، واعتزازه بقدرته على التعبير، قد تبدو لمن ينظر إليها من الخارج نوعًا من النرجسية. وربما يسهم في هذا الالتباس أن النص يحمل اسم صاحبه، وأن الكتابة تمنح الإنسان مساحة للتعبير عن أفكاره وتجربته ورؤيته للعالم. لكن ما يبدو إعجابًا بالذات قد يكون، في بعض الأحيان، إعجابًا بما استطاعت الذات أن تنجزه؛ وبين الأمرين فرق يستحق التأمل. ليس معنى ذلك أن الكاتب بمنأى عن الغرور، أو أن كل ما يصدر عنه بدافع الكتابة يخلو من الرغبة في الإعجاب. فالكتابة، مثل غيرها من التجارب الإنسانية، قد تصبح وسيلة لتضخيم صورة الإنسان عن نفسه. ويبدأ الخلل حين يختلط حب النص بحب الصورة التي يمنحها لصاحبه، وحين يعتقد الكاتب أن اسمه وحده يكفي لمنح ما يكتبه قيمته، أو أن صفته ككاتب تعفيه من مراجعة أفكاره أو من قبول النقد. فالاعتزاز بالنص لا يعني اعتباره كاملًا، والإيمان بالموهبة لا يعني أن كل ما تنتجه هذه الموهبة جدير بالإعجاب. يستطيع الكاتب أن يفرح بما أنجزه، وأن يرى جمالًا في عباراته، وأن يتمنى وصولها إلى الآخرين، من دون أن يجعل ذلك دليلًا على تفوقه عليهم. لكن حين يصبح إعجابه بموهبته اعتقادًا بأنه فوق المراجعة، أو حين يرى في النقد انتقاصًا من قيمته، تتغير علاقته بالكتابة؛ فلا يعود النص عملًا يسعى إلى تطويره، بل يصبح مرآة يريد منها أن تؤكد له الصورة التي يحب أن يراها عن نفسه. ولعل الفارق هنا أن يظل الكاتب محبًّا لما يكتب، من دون أن يصبح مفتونًا بكونه كاتبًا. فالأول يستطيع أن يفرح بنص أنجزه، وأن يعتز بقدرته، من دون أن يفترض أن كل نصوصه جميلة أو أن آراءه لا تخطئ. أما الثاني، فقد تختلط لديه قيمة العمل بقيمة صاحبه، حتى يغدو الاعتراض على النص اعتراضًا على ذاته، ويصبح التقدير الذي ينتظره تأكيدًا مستمرًا للمكانة التي منحها لنفسه. والكاتب، في نهاية الأمر، إنسان لا تعصمه الكتابة من عيوبه، ولا تمنحه الموهبة حصانة من الغرور. بل قد تتيح له الكتابة فرصة ليرى نفسه على نحو أعمق، حين تدفعه إلى التأمل والمراجعة والاكتشاف؛ وقد يحدث العكس حين يستخدمها لبناء صورة مثالية عن ذاته، فلا يعود مستعدًّا لرؤية ما يناقضها. فالكتابة قد توسّع أفق الإنسان، وقد تضيق به حين يجعلها دليلًا على تفوقه، بدل أن يراها مجالًا يتعلم فيه ويخطئ ويعيد النظر. لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الكاتب يفرح بنفسه حين يكتب، بل ما الذي يفرح به تحديدًا: أهو ما استطاع النص أن يحمله من معنى، أم الصورة التي يمنحها لصاحبه في أعين الآخرين؟ فبين نشوة الإبداع والرغبة في الظهور مساحة دقيقة، لا يكفي فيها أن نرى الكاتب سعيدًا بعمله كي نحكم عليه، ولا أن نمنحه حصانة لمجرد أنه كاتب. فليس الخطر في أن يفرح الكاتب بنفسه لأنه كتب، بل في أن يصبح افتتانه بصورته أكبر من افتتانه بما يكتب؛ حين لا تعود الكتابة غاية تستحق العناية، بل وسيلة يطلب بها الإعجاب.