جائزة جمعية الأدب المهنية بين المد والجزر!
تُعدّ الجائزة الأدبية نقطة فارقة في المشهد الثقافي؛ فمع تشكُّل الحضارات وتبدُّدها، يظل الأدب مفتاحاً لفهمها؛ فهو نقطة الانطلاق فور نهضتها، والشاهد الحقيقي على علوّها، والصورة المثلى في رؤيتها، والراوي لتاريخها، وآخر الصفحات في نهايتها، والقبس الباقي بعد زوالها! إن الأدب ليس رفاهية للشعوب، ولا قصيدة يتداولها المعجبون، ولا موضوعاً جدلياً يُطرح لاستقبال الآراء؛ بل هو مشكاة البشرية لفهم الحياة، وسبيلها لقراءة التاريخ، وتذوّق الفن، واستيعاب فضاءات الفلسفة. الأدب مرآة الوعي، وذاكرة الأمة، والتعبير الأسمى عن الهوية والوجدان، وأداة الإنسان لتفكيك المفاهيم وفهمها. واليوم، وسط حراك أدبي وثّق المرحلة ورسم رصانتها، وشارك في عجنه آلاف الشعراء والأدباء بأيديهم حتى فاضت الدواوين والكتب والدراسات، تأتي «جائزة الأدب» لتكمل الكمال، وتسير في صناعة معيارية لتوثيق التحولات. في حفل الجائزة، تباينت الآراء حول الفائزين، لكنها اتفقت على الأهمية الكبرى للجائزة، والأثر الذي ستعقبه في الشارع الأدبي. جاءت الجائزة في دورتها الأولى بثلاثة مسارات أدبية: (الشعر، والرواية، والنقد)، وجاء الحفل الختامي كسحابة مطيرة على معشر الأدباء الذين انتظروا جائزة تحتفي بهم وبإنتاجهم، لترتفع بهم من جدباء النص إلى واحة المعنى. هذا الاحتفاء، وإن كان علامة فارقة على خريطة الأدب، إلا أن الفراغ الذي جاء فيه كان كفيلاً باستنهاض المشاريع الأدبية، وانتقلت سيرة الجائزة نفسها من جمودية الوصول إلى كثافة الشعبية، وهو ما يمنحها وزنها المحلي والإقليمي. لكنها تركت سؤالاً فضفاضاً: ما هي المعايير المطروحة للتقييم؟ وما مدى صرامتها واحترافيتها؟ إذ لم تُعلن المعايير التقييمية، وتحدث أمين الجائزة بأن الدرجات لم تكن بذلك التفاوت الكبير، وأن أجزاءً عشرية بسيطة كانت الفاصل بين مركز وآخر. ويبقى التساؤل هنا: هل حقاً كانت الجائزة عادلة وواضحة؟ إذ كيف يمكن دمج جنسين شعريين مختلفين كقصيدة النثر والقصيدة العمودية ضمن معايير مشتركة؟ وما هي معايير تقييم الرواية والنقد من جهتهما؟ أظن أن التوضيح سيغلق الباب أمام التأويلات والجدل البيزنطي حول آليات التحكيم. وهنا لا أتحدث عن شكٍّ في نزاهة الجائزة ولجانها، ولكنه حقٌّ أدبيٌّ لكل من أراد المشاركة والتقييم. ومن هنا تأتي الضرورة الملحة لأن تتبنى الجائزة مسارات للأدب الشاب، حتى تكون المنافسة لدى الأجيال القادمة حاضرة من اليوم، ولكي ينشأ جيل أدبي يشعر بالتقدير والاهتمام، مما يعزز التنافسية ويزيد من فرص ظهور أدباء يثرون الساحة، ويبددون الإيقاع القديم، ويخلقون مساحات من الأدب الحديث المتجدد. لماذا نحتاج إلى تنافسية أدبية محمومة؟ إن البيئة الثقافية المزدهرة لا تنمو إلا حين يصبح التنافس فيها ديدن الأدباء، وتتغذى بإنشاء حراك تنافسي فعال. ومن هذا المنطلق، نحن بحاجة ماسة إلى جوائز كبرى تدفع الكتاب والمبدعين لتجاوز الممكن وسقف المألوف، وتقديم أعمال أدبية تليق بتحولات المرحلة، لتخترق الحدود الثقافية إلى الآفاق، وتصبح بذلك عنصراً فاعلاً في رسم الوعي المجتمعي، وتمكين أرباب الأدب على المستويين الإقليمي والعالمي. لا سيما وأن الأدب يعيش أعلى مراحله في عصر الرؤية المجيدة التي وضعت الأدب والأدباء في موضعهم المستحق. لقد كانت الجائزة في دورتها الأولى بمثابة تكريم للأدباء، إلا أن استمرارها استثمارٌ في الفكر والوعي الإنساني، وسبيلٌ لإثراء الإنتاج الأدبي. فالجائزة في تنظيمها تحظى برعاية فائقة من وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة، ولكنها لا تقوم في صميم أهدافها إلا من خلال الأدباء؛ فإذا حضرت الرعاية ووُجد الأدباء، مضت الجائزة في دربها محفوفةً بالنجاح. أما الاختلاف حولها، فهو ضريبة الحيوية الثقافية التي يجب أن يُرَحّب بها لا أن يُخشى منها. ليكن كل ختام لها بدايةً لحراك أدبي جديد لا تنطفئ جذوته.