لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية جديدة نتحدّث عنها في الندوات والمؤتمرات، أو أداة رقمية تساعد الإنسان على إنجاز أعماله بسرعة أكبر، بل أصبح ميداناً عالمياً تتنافس فيه الدول على امتلاك البيانات والمعرفة، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز الأمن، وصناعة المستقبل. وفي هذا الميدان المتسارع يبرز سؤال مهمّ: هل لسباق الذكاء الاصطناعي خطّ نهاية يمكن الوصول إليه، أم إنّنا أمام سباق مفتوح تتغيّر فيه قواعد المنافسة كلّما ظهرت تقنية جديدة؟ اعتدنا في سباقات الرياضة وسباقات السيارات أن نعرف المسافات وخطوط النهاية، لكنّنا في الذكاء الاصطناعي أمام مجال تتجدّد فيه الأهداف باستمرار؛ فما إن ينجح العلماء في تطوير نموذج أكبر قدرة على التفكير والتحليل، حتّى تبدأ المنافسة على نموذج أكثر كفاءة، وأقلّ تكلفةً، وأسرع استجابةً، وأكثر قدرة على التعامل مع هذا العالم الحقيقي، وكلّ إنجاز يتحوّل إلى نقطة انطلاق جديدة لا نهاية لطريقها أو سباقها. إنّ المتابع لتطوّرات التقنية في السنوات الأخيرة يجد أنّ طبيعة الذكاء الاصطناعي تجعل الوصول إلى خطّ نهاية ثابت أمراً صعباً؛ لأنّ كلّ إنجاز يفتح أبواباً جديدة، وكلّ قدرة تقنية تولّد احتياجات وتحدّيات لم تكن موجودة من قبل؛ ولهذا فإنّ ما كان يعدّ إنجازاً استثنائياً قبل سنوات، أصبح اليوم جزءاً من المنافسة اليومية، بينما تتحوّل الطموحات من مجرّد إجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ المهام، وتحليل البيانات، وتصميم المنتجات، والمساعدة في الاكتشاف العلمي. ثمّة أسباب وعوامل - في رأيي - تجعل هذا السباق مستمراً، وأوّلها أنّ كلّ تطوّر تقنيّ في زمننا المعاصر يرفع سقف توقّعات الناس، ولا سيّما روّاد التقنية؛ فالملاحظ أنّه عندما طوّرت في الذكاء الاصطناعي برامج قادرة على فهم اللغة البشرية والإجابة عن الأسئلة، كما هو الحال في «تشات جي بي تي» (ChatGPT)، كان ذلك بداية التحوّل، ثمّ تطوّرت الأنظمة لتكتب التقارير، وتلخّص المقالات والكتب، وتساعد في البرمجة، وتتعامل مع الصور والصوت والفيديو، والآن تطوّرت هذه المهام لتسهم في صنع القرارات. كما تطوّرت سرعة إنجاز المهام ودقّتها وحتّى تكلفتها، وأصبحت المنافسة لا تنتهي عند إنجاز أيّ مهمّة، بل تتعدّاها إلى مستوى جديد من الطموح. أمّا العامل الثاني، فهو أنّ المنافسة جمعت بين العلم والاقتصاد والنفوذ أو السيطرة الدولية كما شاهدنا بين أمريكا والصين؛ فالذكاء الاصطناعي تطوّر من المختبرات إلى الإنتاجية، والأمن السيبراني، والصحة، والتعليم، والفن، والرياضة، والطاقة، والإعلام، والترفيه، والتنافسية بين الدول، وشرعت حكومات العالم تضخّ مبالغ للتطوير والاستثمار. بينما يتمثّل العامل الثالث في أنّ التقنية نفسها تتطوّر وتحتاج إلى قوّة دافعة للمنافسة، وهذا ما نلحظه في جهود أمريكا والصين وسعيهما إلى تطوير نماذج متقدّمة تستخدم رقائق حاسوبية متخصّصة، وطاقة كهربائية، ومراكز بيانات، وشبكات اتصال، وبيانات ذات جودة عالية؛ وتتطوّر هذه الاحتياجات كلّما توسّعت الاستخدامات. أمّا العامل الرابع، فهو أنّ الذكاء الاصطناعي نفسه يولّد أسئلة جديدة تحفّز الشركات على الإبداع والابتكار في تطوير منتجات تقنية متقدّمة، ونماذج ذكاء اصطناعي ذات جودة ودقّة وكفاءة وتكلفة أقلّ، كما شهدنا في المنافسة بين النماذج الأمريكية باهظة الثمن والنماذج الصينية ذات الكفاءة وتوفيرها للجمهور مجاناً. والملاحظ أنّ المنافسة والسباق في مجال تقنية الذكاء الاصطناعي لا يقتصران على أمريكا والصين فحسب؛ فهناك دول أخرى أدركت أنّ امتلاك قدرات الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من استقلالها التقني وأمنها الاقتصادي ومكانتها الدولية. ففي أوروبا تسعى كلّ من بريطانيا وفرنسا إلى تعزيز البحوث والشراكات والبنية التحتية، وبينما تحاول فرنسا خصوصاً بناء مكانة قوية في تطوير النماذج المتقدّمة، نجد بريطانيا تعمل على الاستفادة من جامعاتها ومراكز بحوثها وشركاتها الناشئة. أمّا في آسيا، فيلاحظ أنّ الهند تتقدّم مستفيدةً من خبراتها البرمجية وكفاءاتها البشرية وسوقها الكبيرة، مع اهتمامها المتزايد ببناء نماذج وتطبيقات تخدم لغاتها المتعدّدة واحتياجاتها المحلية. كما أنّ اليابان وكوريا الجنوبية هما الأخريان تستثمران في الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات، وتسعى سنغافورة إلى ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً للابتكار والحوكمة الرقمية، كما تبرز كندا في أبحاث التعلّم العميق، وتسهم أستراليا في تعزيز قدراتها في مجالات متخصّصة. وفي المملكة العربية السعودية، نتساءل: ماذا يعني لنا سباق الذكاء الاصطناعي بلا خطّ نهاية؟ من خلال رؤية المملكة 2030، يمكن النظر إلى هذا السباق بوصفه فرصةً استراتيجيةً تتجاوز مجرّد شراء التقنيات واستخدامها؛ فالطموح الأبعد هو بناء القدرات الوطنية التي تجعل المملكة قادرةً على إنتاج المعرفة، وتطوير التطبيقات المتعدّدة، وتأهيل الكفاءات، وتحويل البيانات إلى قيمة اقتصادية واجتماعية، وهذا يمكن أن يتحقّق من خلال تطبيق عدّة مسارات مترابطة تتمثّل في المقترحات الآتية: 1- الاستثمار في الإنسان، من حيث إعداد جيل يجمع بين المعرفة والتقنية والتفكير النقدي والأخلاق المهنية. 2- دعم البحوث والابتكار، وتشجيع الجامعات والباحثين والشركات الناشئة على تطوير حلول تعالج احتياجاتنا المحلية الحقيقية، وتوجيه البحوث الجامعية نحو الابتكار والذكاء الاصطناعي في مجالات التعليم، والصحة، والفن، والأدب، والرياضة، والترفيه، وغيرها. 3- الإسهام في توطين الخبرة التقنية، عبر بناء القدرات المحلية في مجال البيانات، والبرمجيات، والبنية الحاسوبية، والأمن السيبراني، وهو ما يقع - ولله الحمد - في صلب اهتمامات الرؤية. 4- قياس النتائج، من خلال تقييم أثر الذكاء الاصطناعي في جودة الخدمات والإنتاجية والأداء والتكاليف. 5- ترسيخ الاستخدام المسؤول، من خلال حماية الخصوصية، والحدّ من التحيّز، وتعزيز الثقة والمساءلة. ولحسن الحظّ، فإنّ مثل هذه المسارات تنسجم مع توجّهات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تسعى إلى تنمية منظومة البيانات والذكاء الاصطناعي، وتوسيع نطاق التبنّي المسؤول للتقنية، وبناء البنية التحتية الرقمية. وبالعودة إلى سؤال السباق التقنيّ العالمي، ففي تقديري أنّه قد لا يكون لهذا السباق خطّ نهاية ثابت؛ لأنّ المعرفة الإنسانية نفسها لا تتوقّف عند إنجاز واحد، لكنّ غياب خطّ النهاية لا يعني أن نركض بلا هدف، أو أن نترك التقنية تتقدّم من دون ضوابط. وأرى أنّ السباق الحقيقي ليس أن نصنع ذكاءً اصطناعياً أقوى فحسب، بل أن نصنع ذكاءً أكثر نفعاً وأماناً، وأن نجعل الإنسان قادراً على توجيهه، لا مجرّد اللحاق به. chmq2012@gmail.com