لن أتحدث هنا عمّا قاله رولان بارت في دعوته إلى فصل النص عن مقاصد كاتبه، بل عن حقيقة مُرّة أخرى، حين يسقط اسم المؤلف سهوًا، وينساه الناس والتاريخ، رغم صمود نصّه وانتشاره جيلًا بعد جيل. وهذا ما يحدث غالبًا عند تحويل النص الأدبي، شعرًا كان أم سردًا، إلى عمل فني يسمعه أو يشاهده آلاف البشر أو ملايينهم، فيصعد اسم الفنان، مغنيًا كان أو ممثلًا أو مخرجًا، ويغيب اسم المؤلف. ولعل الاستثناء الوحيد هو أن يفصل بين كتابة النص وتحويله إلى عمل فني ردحٌ من الزمن، وأن يكون العمل الأدبي وكاتبه قد حظيا بنجومية ضخمة، كما في مسرحيات شكسبير أو ثلاثية نجيب محفوظ. قد يتذكر كثيرون منا أغنية راشد الماجد «يا ناسينا يا ناسينا، وش اللي ذكّرك فينا»، لكن أغلبنا يجهل أو ينسى أن كلماتها للدكتور الجامعي والسيناريست والشاعر السعودي سامي الجمعان. ولعلنا جميعًا ننسب الروائع الدرامية «الجوارح، الكواسر، البواسل» إلى مخرجها نجدت أنزور، ونغفل تمامًا ذكر اسم مؤلفها الفنان الفلسطيني هاني السعدي، وهكذا دواليك. وحسب هذه المعادلة، يبدو أن كُتّاب السيناريو هم الخاسر الأكبر؛ إذ لا يُعرف النص أصلًا بصيغته الأدبية، بل يصل إلى الجماهير عبر العمل الفني، فيُنسب إلى الممثلين، ثم إلى المخرج إن كان ذا صيت وبصمة فنية واضحة. قامت شركة ديزني بدبلجة آخر أفلامها «حكاية لعبة» إلى اللغة العربية، وتختار للمرة الأولى اللهجة السعودية الدارجة. وهنا يقف فريق الإنتاج أمام تحدٍّ كبير، يتمثل في التفوق على الدبلجات المصرية التي اعتادها وأحبها وفهمها المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج. وأظن أن أخطر مرحلة هي ترجمة السيناريو والحوارات بطريقة سلسة، جذابة، مرحة ورنّانة، وتوظيف اللغة بمفردات خارجة عن المألوف تجعلها راسخة في الذاكرة. وهنا أسلّط الضوء على واحدة من أهم الترجمات الإبداعية الخلّاقة لفيلم كرتوني، أصبحت عباراته وأغانيه من الكلاسيكيات الخالدة، بينما سقط اسم أديب عظيم سهوًا: «هاكونا ماتاتا، حكمة نغمها لذيذ.. هاكونا ماتاتا، ارمي الماضي اللي يغيظ.. انساه والمستقبل ادّيه كل التركيز.. هذا هو البهريز الفلسفيس.. هاكونا ماتاتا». تُعدّ الدبلجة العربية المصرية لفيلم «الأسد الملك» من أنجح وأهم دبلجات هذا الفيلم حول العالم، بل كرّمت شركة ديزني الفنان القدير عبد الرحمن أبو زهرة بوصفه أفضل أداء صوتي لشخصية «سكار»، في تفوق مذهل حتى على النسخة الأصلية. وفي خضم الاحتفاء والتكريم العربي والعالمي، الفني والجماهيري، لهذا العمل، يغيب تمامًا اسم كاتب السيناريو، الأديب المصري الراحل عبد الرحمن شوقي. كتب عبد الرحمن شوقي العديد من الأعمال الفارقة في المسرح والتلفزيون، من أهمها المسرحية الغنائية «هالة حبيبتي»، وفوازير سمير غانم «فطوطة»، التي ارتبطت في أذهاننا بصورة سمير غانم بالجاكيت الأخضر الفضفاض. وختم مسيرته بالدبلجات المميزة لأفلام ديزني، بما تتضمنه من أغانٍ، مثل «أنا أنا الصديق.. اللي بحق وحقيق»، و«دايرة الحياة». في مارس عام 1997، رحل الشاعر والملحن والسيناريست المبدع عبد الرحمن شوقي عن عالمنا بهدوء. بقيت أعماله جزءًا حيًّا من ذاكرة المشاهد العربي، منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، لكنه لم يحظَ بالتكريم والتوثيق اللذين يستحقهما. لا توجد حتى صفحة تعريفية له على ويكيبيديا، وأرى في ذلك، مع بالغ الأسف، موتًا كاملًا للمؤلف. ألا يستحق أدباؤنا احتفاءً أفضل من ذلك؟