أبحاث لا تُقرأ..

سؤال لا يُسأل !

لماذا تُنشر أبحاث كثيرة لا تُقرأ ولا تضيف إلى صرح المعرفة الإنسانية لبنة جديدة؟ قد يبدو هذا السؤال متعلقًا بالقراءة، لكن جوهره يعود إلى نقطة البداية نفسها: أي إلى السؤال الذي وُلد منه البحث. فبعض الأبحاث تنطلق من أسئلة تبدو سليمة في صياغتها، لكنها لا تثير إشكالًا حقيقيًا يستحق البحث والتفكير. ولأن “بضدها تتبين الأشياء”، سنقارب أهمية السؤال البحثي من زاوية غيابه، لا من جهة حضوره المألوف عند الباحث المتمرس، عبر المثال الآتي: تخيل أن ضابطًا وصل إلى مسرح جريمة قتل، وفي التحقيقات أخذ يسأل الشهود: هل كان الجاني يقصد قتل الضحية؟ هل كانت الجريمة عنيفة؟ هل كان الضحية خائفًا قبل موته؟ كم عدد الجرائم في هذه المدينة؟ تبدو هذه الأسئلة مرتبطة بالجريمة، لكنها لا تقود الضابط إلى المعرفة التي يحتاج إليها؛ فالأول يفترض معرفة نية الجاني، والثاني يسأل عما قد يكون ظاهرًا في الواقعة، والثالث عن حالة نفسية يصعب التحقق منها، أما الرابع فيكتفي برصد عدد الجرائم دون أن يبحث في أسبابها أو يفسر الجريمة محل التحقيق. ولو استمر الضابط على هذا النحو، فقد يجمع إجابات كثيرة دون أن يقترب من تفسير ما حدث. وهنا يمكن أن نتساءل: كيف ابتعد الضابط عن الحقيقة في الوقت الذي ظن فيه أنه أقترب منها؟ وما علاقة ذلك بالبحث العلمي؟ قد تمنحنا صياغة السؤال شعورًا بأننا انتقلنا من المعلوم إلى البحث عمّا نجهله، لكن ليس كل سؤال يقود بالضرورة إلى معرفة جديدة؛ فقد نستغرق في إجابات تبدو منطقية ومقنعة، بينما يكون السؤال نفسه قد وجّه البحث منذ البداية إلى المسار الخاطئ. وهنا تكمن المشكلة الأعمق: فالسؤال الذي لم يُصغ على النحو المناسب لا يقود إلى إجابة قاصرة فحسب، بل قد يرسم للبحث كله مسارًا محدودًا منذ البداية. فكر معي عزيزي الباحث في الأمثلة الآتية، وتذكر مثال الضابط، واسأل نفسك: هل نحن أمام سؤال يبحث عن مشكلة معرفية تستحق التفسير، أم أمام سؤال يطلب وصف مادة موجودة وتنظيمها؟ ما مظاهر الهوية الثقافية في الرواية السعودية؟ ما مفهوم الأخلاق عند طه عبد الرحمن؟ ما أسباب سقوط الدولة العباسية؟ هذه الأسئلة ليست خاطئة في ذاتها؛ فالبحث الوصفي له قيمته، وقد يكون ضروريًا لرصد الظاهرة وجمع مادتها وتصنيفها، بل قد يكون هو البداية التي تكشف للباحث موضع المشكلة. لكن الوقوف عند هذا المستوى لا يقود بالضرورة إلى تفسير جديد أو اختبار علاقة لم تُحسم من قبل، لأن السؤال الوصفي يسأل غالبًا: ماذا نعرف؟ أما السؤال الإشكالي فيتقدم خطوة أخرى ليسأل: ما الذي لم نفهمه بعد؟ ولماذا؟ والآن سنعيد طرح الأسئلة السابقة بطريقة لا تكتفي باستدعاء المعرفة الموجودة، بل تجعل هذه المعرفة نفسها موضعًا للفحص: كيف يسهم تغير أشكال التعبير الروائي في إعادة تشكيل المرجعيات الثقافية ذاتها، لا في إعادة تقديمها فحسب؟ كيف يوفق طه عبد الرحمن بين مركزية الإلزام الأخلاقي وحرية الإنسان في مشروعه الفكري؟ إلى أي مدى كان الضعف السياسي والعسكري قبل الغزو المغولي عاملًا حاسمًا في سقوط الخلافة العباسية في بغداد؟ نُلاحظ أن الموضوع هو نفسه في الأسئلة السابقة؛ الذي تغير هو ما نطلب معرفته منه؛ ففي سؤال الهوية مثلًا، ينتقل الباحث من رصد مظاهر الهوية الثقافية إلى مساءلة الكيفية التي تتحول بها هذه المرجعيات داخل العمل الروائي. وفي سؤال الدولة العباسية، لا يعود المطلوب تعداد أسباب السقوط، بل فحص العلاقة بين ضعف سابق وحدث تاريخي حاسم. إنها نقلة من جمع المادة وترتيبها إلى جعل العلاقات داخل هذه المادة نفسها موضعًا للسؤال والتفسير. لنعد الآن إلى ضابطنا. ماذا لو بدأ تحقيقه من المعرفة التي تنقصه فعلًا؟ فسأل: من كان آخر من رأى الضحية؟ متى شوهد حيًا للمرة الأخيرة؟ من دخل المكان أو غادره؟ وما الأدلة التي تؤيد كل رواية؟ هنا أصبحت كل إجابة قادرة على فتح احتمال جديد، أو استبعاد احتمال سابق، مما يُقرب الضابط خطوة من تفسير ما حدث. ولعلّ أول ما يحتاجه الباحث قبل أن يكتب هو أن يختبر سؤاله: هل تكفي للإجابة عنه قراءة المصادر وجمع مادتها، أم أن سؤاله يكشف علاقة أو تفسيرًا لم يُحسم بعد؟ وهل تفتح إجاباته احتمالات جديدة؟ ختامًا؛ لعلنا نتفق بأن السؤال البحثي ليس قاعدة من قواعد البحث يمكن للباحث أن يحسن تطبيقها أو يسيء، بل هو من مقتضياته؛ إذ لا يبدأ البحث الحقيقي إلا من موضع يحتاج إلى سؤال وكشف وتفسير.