جريمة بيئة العمل..

حين تحاكم المؤسسة صنيعتها.

أتابع حاليًا مسلسلًا لافتًا باسم Dark Matter، تدور فكرته حول تجسيد فرضية العوالم المتعددة، بوصفها أحد التفسيرات المطروحة لميكانيكا الكم. هذه الفكرة، وإن بدت في ظاهرها مزيجًا من النظريات والفرضيات ومحاولات تفسير الاكتشافات العلمية، فإنها تلامس أيضًا جوانب فلسفية تتعلق بحرية الإرادة، وماهية الإنسان، وما يمكن أن يكون عليه. وبشكل أبسط، نحن نسخة تشكلها الظروف المحيطة بنا، ومجموعة الخيارات والقرارات التي نتخذها. وكأن الحياة مجموعة طرق متشابكة؛ ما إن نقرر اتخاذ مسار جانبي حتى نبتعد عن نسخ ممكنة من مستقبلنا، ونقترب من نسخ أخرى. والإنسان، مهما كان مساره، فإن التغير مصيره. وفي ذلك يدور التساؤل الفلسفي: هل الشخص الذي يُحاكم بعد عقود هو حقًا الشخص نفسه الذي ارتكب الجريمة؟ فالوعي عملية تراكمية، والقناعات تتغير مع تطوره، وما بين هذا وذاك قد تتشكل شخصية مغايرة بدرجة كبيرة عن تلك التي نريد محاكمتها. وربما لا تتوقف المسألة عند حدود المسؤولية عن أفعال الماضي، وإنما تمتد إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان، وإلى مدى قدرتنا على اختزاله في موقف واحد أو مرحلة بعينها من حياته. ومن هنا، وجدت نفسي أنتقل من هذا التساؤل إلى بيئة العمل، وإلى أثرها في مستقبل الموظف، سواء في المؤسسة التي يعمل فيها أو في المؤسسات التي قد ينتقل إليها لاحقًا. ففي كثير من الحالات، أجد أن المؤسسة تقوم بتقييم نسخة الموظف التي ساهمت هي نفسها في تشكيلها. ولهذا السبب، نرى موظفًا يفشل في بيئة عمل وينجح في أخرى، وهو ما لا يعكس بالضرورة أفضلية مكان على آخر بقدر ما يعكس الانسجام بين الموظف والبيئة التي يعمل فيها. هناك موظفون ينجحون في بيئة العمل غير المنظمة ويزدهرون فيها، ولا يمكن وصفهم بالضرورة بغير المنظمين؛ فقد تكون هذه البيئة قد أخرجت جانبًا متميزًا من قدراتهم، كسرعة التصرف والتعامل مع المتغيرات واتخاذ القرارات دون انتظار إجراءات طويلة. وقس على ذلك إذا عكسنا المعادلة، حين يجد الموظف الذي يجيد العمل ضمن الأنظمة والإجراءات نفسه في بيئة لا تمنحه الحد الأدنى من الوضوح والاستقرار. وهنا تتشكل المفارقة؛ فقد تساهم البيئة في إضعاف أفضل ما لدى الموظف المنظم، وتضعه في منافسة مصيرها الفشل، بينما تعزز حضور موظف آخر وتمنحه مساحة للتميز. وقد يحدث العكس تمامًا حين تتغير البيئة، فيكتشف كل منهما جوانب من قدراته لم تكن ظاهرة من قبل. لا يعني ذلك أن البيئة تفسر كل إخفاق، أو أن الموظف لا يتحمل مسؤولية أدائه، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: كم مرة حكمنا على موظف بناءً على ما قدمه في بيئة لم تساعده على تقديم أفضل ما لديه؟ وكم مرة حملنا معنا انطباعًا سابقًا عنه، حتى بعد أن تغيرت الظروف التي أسهمت في تكوينه؟ لهذا السبب، أؤمن بدور الفلسفة في إدارة الموارد البشرية؛ فهي تدفعنا إلى إعادة النظر في الأحكام التي نعتاد التعامل معها بوصفها حقائق، وتساعدنا على فهم الإنسان خارج حدود المسمى الوظيفي والتقييم السنوي. كما تمنحنا زاوية مختلفة عند توزيع المهام، وتصميم الأدوار، وتهيئة بيئة العمل، بما يحقق الانسجام بين إمكانات الموظفين واحتياجات المؤسسة. فقد لا تكون المشكلة دائمًا في الموظف الذي لم ينجح، وربما لم تكن المؤسسة مخطئة في كل ما رأته فيه، لكن ما رأته يظل جزءًا من الصورة وليس كاملها. لا تحاكم الموظف قبل أن تحاكم التنظيم، ولا تقيّمه قبل أن تهيئ بيئة العمل المناسبة لإظهار أفضل ما لديه. * مستشار موارد بشرية