منى العيبان في «رحلتي في الإدارة»..

خبرة ثلاثة عقود بين قيادة الإنسان وبناء المؤسسة.

جميلٌ أن تكون للإنسان تجربة تستحق أن تُروى، والأجمل أن يوثّقها لتصبح علمًا يُنتفع به، وخبرةً تعين الآخرين على فهم الطريق ومواجهة تحدياته. فالتجارب حين تُكتب بوعي، تتسع فائدتها لتتجاوز أصحابها، وتمنح من يأتي بعدهم فرصة البدء من حيث انتهى السابقون. وللتجربة في التعليم قيمة خاصة؛ إذ تختزن معرفةً بالإنسان، وبناء العقول، ومسؤولية القرار الذي قد يمتد أثره إلى أجيال. بهذه الروح، صدر حديثا عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع كتاب «رحلتي في الإدارة» للأستاذة منى بنت عبدالمحسن العيبان، مقدّمًا خلاصة تجربة تجاوزت ثلاثة عقود في التعليم والعمل الإداري، امتدت من التدريس وإدارة المدرسة إلى قيادة المجمعات والإشراف على الشؤون التعليمية. وتستعيد المؤلفة عبر هذه الرحلة أسئلة القيادة ومسؤولياتها، بلغة أدبية تستحضر تفاصيل الميدان، ورؤية إدارية تهتم بالتخطيط والحوكمة وبناء الفرق واستدامة الأثر. وتطل عبارة «خُلقت لأكون مديرة» من صفحات الكتاب لتعبّر عن إحساس مبكر بالقيادة، تشكّلت ملامحه في الفصل الدراسي، ونضج مع اتساع المسؤوليات. وتوضح العيبان في مقدمته أن إحساسها بالإدارة ارتبط منذ البداية بفهم المدرسة بوصفها كيانًا حيًا، تتداخل فيه حاجة الإنسان إلى التقدير مع حاجة العمل إلى النظام. ومن هذا المنطلق، تتقدم التجربة الشخصية لتصبح مدخلًا إلى تأمل المؤسسة التعليمية، وما تحتاجه من وعي وعدالة وقدرة على الإصغاء. وتشير المؤلفة، في حديثها عن «الإدارة التعليمية.. فن المعنى»، إلى أن قيمة الإجراءات تنبع من الغاية التي تخدمها؛ فالجدول والقرار والتعميم تكتسب أثرها حين يعرف العاملون لماذا تُوضع، وكيف تسهم في تحسين التعليم. وتؤكد أن القائد يصنع المناخ الذي تنمو فيه المبادرات، وأن الثقة تمنح الفريق دافعًا للمشاركة وتحمل المسؤولية. وهنا تظهر إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: أن جودة الإدارة تتصل بقدرتها على تحويل الالتزام الوظيفي إلى اقتناع مشترك بالرسالة. وتبدأ المحطات التطبيقية من الفصل، حيث تهتم العيبان بما وراء السلوك الظاهر للطالبة، وتلفت إلى أن فهم أسباب الاضطراب أو الانسحاب يسبق اختيار أسلوب المعالجة. كما توضح أن الانضباط يتسع للحوار والحركة والمشاركة، وأن المعلمة تمارس دورًا قياديًا حين تمنح طالباتها فرصة السؤال والتجريب وتحمل المسؤولية. بذلك يصبح الصف مساحة مبكرة لبناء الشخصية، وتغدو إدارته أساسًا لفهم القيادة في مستوياتها الأوسع. ومع الانتقال إلى إدارة المدرسة، تستحضر المؤلفة خبرتها في التعليم الحكومي ثم الأهلي، وما أتاحه اختلاف البيئتين من مراجعة للأدوات وأساليب العمل. وتشير إلى أن محدودية الإمكانات تستدعي حسن توظيف الموارد، فيما تتطلب البيئات الأسرع إيقاعًا تخطيطًا أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التغيير. وفي تجربتها مع مجمعات مدارس ابن خلدون، تتسع الصورة لتشمل تنسيق المراحل والأقسام والبرامج، وتوزيع الصلاحيات، والحفاظ على هوية تربوية مشتركة وسط تعدد الاحتياجات. وتبرز إدارة الشؤون التعليمية بوصفها محطة انتقال إلى التفكير الاستراتيجي. ففيها توضح العيبان أهمية تحويل الخبرة الفردية إلى سياسات وإجراءات موثقة، تحدد المسؤوليات وتدعم المتابعة والمساءلة. وتلفت إلى أن المؤسسة التي ترتبط معرفتها بأشخاص بعينهم تصبح أكثر تأثرًا برحيلهم، بينما يمنحها توثيق التجربة قدرة على الاستمرار والتطور. كما تهتم بإدارة المخاطر من خلال توقع المشكلات، وإعداد البدائل، وتحليل الأخطاء حتى تتحول إلى معرفة تستفيد منها المنظومة. وفي بناء الفريق، تشير المؤلفة إلى أن القيادة تواجه اختبارها اليومي في التعامل مع اختلاف الشخصيات والخبرات والدوافع. وتؤكد أهمية وضوح التوقعات، وعدالة التقييم، وتوزيع الأدوار بما يلائم القدرات، مع توفير مساحة للنمو والمبادرة. ويظهر الأمان النفسي هنا عاملًا مؤثرًا في الأداء؛ إذ يستطيع العاملون في البيئة العادلة مناقشة التعثر وطلب المساندة، فتزداد فرص التعلم وتصحيح المسار. ويحضر مسار المرأة السعودية في القيادة التعليمية ضمن قراءة تصل التجربة الفردية بتحولات الوطن. وتوضح العيبان أن تراكم الخبرة واتساع فرص التمكين أسهما في انتقال القائدة من متابعة التنفيذ إلى إنتاج المبادرات والمشاركة في صياغة الرؤية. وتؤكد أن الجدارة تُختبر بالكفاءة والإنصاف وحسن القرار، وأن تأهيل قيادات جديدة يمثل امتدادًا لمسؤولية القائد تجاه الميدان. كما يواكب الكتاب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فيشير إلى دور البيانات والمنصات في توثيق العمل وتحسين المتابعة ودعم القرار. وتلفت المؤلفة إلى ضرورة بقاء الحس التربوي حاضرًا في استخدام هذه الأدوات، بحيث تمنح التقنية العاملين وقتًا أوسع للتوجيه والتطوير، وتحافظ العلاقة التعليمية على دفئها الإنساني. ومن المحطات اللافتة مناقشة العلاقة بين التعليم والاقتصاد؛ إذ تهتم العيبان بما أضافه الاستثمار المؤسسي من تنظيم وكفاءة واستدامة مالية، وتثير في الوقت نفسه سؤال المحافظة على الرسالة التربوية تحت ضغط النتائج السريعة. وتؤكد أهمية التوازن بين متطلبات التشغيل وجودة التجربة التعليمية، بما يصون مكانة الطالب والمعلم، ويجعل الموارد في خدمة التعلم وبناء الإنسان. وفي رسائلها إلى القادة الجدد وصناع القرار والأسرة والمجتمع، تلفت المؤلفة إلى حاجة المدارس إلى الثقة والاستقرار والوقت الكافي لإنضاج المبادرات، وإلى شراكة تتقاسم مسؤولية التربية. وتصل في ختام تجربتها إلى أن الإدارة «تكليف وتشريف»، تُقاس مسؤوليتها بعدالة القرار، ويظهر أثرها في نضج الفرق واستمرار العمل بعد مغادرة القائد. بهذه الرؤية، يقدم «رحلتي في الإدارة» شهادة ميدانية تستخلص من تفاصيل الحياة المدرسية معرفة قابلة للتأمل والمراجعة. وتمنح لغته الأدبية المفاهيم الإدارية وجوهًا وأصواتًا ومواقف، ليبقى السؤال الذي يصحب القارئ عبر صفحاته: كيف نبني مؤسسة متقنة، يشعر الإنسان داخلها بقيمته، ويجد فيها فرصة ليصبح أفضل؟