نحن نباتُ هذه الأرض.
بعض الفرح يعيدنا إلى البدايات؛ إلى الوجوه التي آمنت بنا، والأيدي التي ساندتنا، والأرض التي اتّسعت لأحلامنا قبل أن نعرف إلى أين ستأخذنا. وحين أصبحت وثيقة الماجستير بين يديّ، فاض قلبي بحمد الله، وشعرتُ كأن للعيد موعدًا آخر تصنعه لحظةٌ طال انتظارها. حضرت تفاصيل الرحلة، ووجدتني أستعيدها بامتنانٍ لوالديّ، ولأساتذتي، ولكل من ترك في الطريق كلمةً طيبةً أو دعوةً صادقة. من شمال الوطن بدأت حكايتي، أحمل رغبةً في العلم، وأمضي بين أسئلة البحث ومشقّة الكتابة ولذّة الوصول إلى المعنى. ومع كل مرحلة، كنت أكتشف أن المعرفة تصقل نظرتنا، وتعلّمنا التأنّي في الحكم، والدقّة في التعبير، والأمانة فيما ننقله إلى الآخرين. وما زلت أرى في هذه المعاني أثمن ما يبقى مع الباحث بعد أن تنتهي المناقشة، وتُطوى أوراق الرسالة. وكان من أجمل ثمار تجربتي أنها عمّقت فهمي لهوية وطني، وأتاحت لي فهمًا أعمق لمعنى الانتماء. فقد اخترت لرسالتي تحليل محتوى كتاب «لغتي الجميلة» للصف السادس الابتدائي في ضوء أبعاد الهوية الثقافية للمملكة العربية السعودية، وأخذت أقرأ صفحاته باحثة عمّا يتعرّف إليه الطفل من ملامح مجتمعه، وما يتكوّن لديه من فهمٍ لثقافته. كنت أتأمل كيف يربط النصُّ الطفلَ بتاريخه، وكيف تكشف له اللغة عن جمال ثقافته، وكيف تسهم القيم التي يتعلّمها في بناء علاقته بالناس والمكان. فالكتاب المدرسي يصحبه في سنوات تتشكّل فيها ملامح وعيه، وقد تبقى منه عبارةٌ في ذاكرته، أو موقفٌ يؤثّر في اختياراته. ومن هنا تنبع مسؤوليتنا عن المحتوى الذي نضعه بين يديه، وعن الصورة التي نقدّمها له عن هويته. ولهذه الهوية حضورٌ نعرفه قبل أن ندرسه؛ نسمعه في أحاديث أهلنا، ونراه في عادات بيوتنا، ونلمسه في إكرام الضيف، ونجدة المحتاج، وحفظ حق الجار. ثم تأتي المعرفة لتعيننا على فهم ما ألفناه، وتقدير ما ورثناه، وحسن نقله إلى من يأتي بعدنا. وفي زمن تتسارع فيه التحوّلات، تزداد حاجتنا إلى هذا الوعي؛ لنشارك في بناء المستقبل ونحن نعرف تاريخنا وقيمنا، ونعتزّ بما نحمله إلى العالم. نحن نباتُ هذه الأرض؛ منها امتدّت جذورنا، وعلى ثراها خطونا أولى خطواتنا، وفي أمانها كبرت أحلامنا حتى أثمرت. نحمل منها لهجة الأهل، وألفة البيوت، وذكريات الطفولة، والطمأنينة التي نمضي بها إلى غاياتنا. ولها في أعناقنا عهدٌ أن نصونها، وأن نكون أوفياء لما منحتنا، حريصين على أمنها ووحدتها ومقدّراتها. ولهذا الوفاء أعمالٌ تشهد عليه؛ في تعليمٍ يتقنه المعلّم، وبحثٍ يصدق فيه الباحث، وكلمةٍ يدرك الكاتب أثرها. ولكلٍّ منّا مجالٌ يستطيع أن يخدم فيه وطنه، ويؤدي من خلاله بعض حقّه عليه. واليوم، أحمل فرحتي بالماجستير ومعها سؤال المرحلة المقبلة: ماذا سأمنح بما تعلّمت؟ أرجو أن أسهم بعلمي في خدمة أبناء وطني، وأن أُوصل إلى غيري شيئًا من عطاء الذين علّموني وساندوني. بذلك يصبح الامتنان عملًا مستمرًا، ويجد الإنجاز معناه في حياة الآخرين. ومن شمالك يا وطني، أكتب إليك بقلب ابنتك؛ أفرح بما بلغت، وأستشعر فضلك في كل خطوة من رحلتي. أسأل الله أن يحفظك وقيادتك الحكيمة، وأن يديم عليك شرف خدمة الحرمين الشريفين ونعمة الأمن، وأن تبقى منارةً للعلم وعونًا للمحتاج، وأن يرزقنا صدق الوفاء وحسن العمل. لقد أنبتتنا هذه الأرض الطيبة، ومن حقّها علينا أن يطيب ثمرنا.