اليمن السعيد..

وطنٌ يليق به المستقبل.

ماذا لو جاء اليوم الذي لا يتصدر فيه اليمن نشرات الأخبار بأزماته، بل بصوره الخلابة، ومدنه العريقة، وشواطئه الساحرة، ومهرجاناته الثقافية، وحكايات أبنائه الذين يصنعون الحياة أينما حلّوا؟ إنه اليمن الذي نعرفه ونحلم به؛ بلد الحضارة والتاريخ، والتنوع الطبيعي والثقافي، والإنسان الذي يمتلك من الطموح والقدرة ما يؤهله للمشاركة في صناعة مستقبل مختلف، متى تهيأت له ظروف السلام والاستقرار. وحين تحدث سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، عن مستقبل الشرق الأوسط، وعن إمكانية أن تصبح المنطقة نموذجًا عالميًا جديدًا في التنمية والازدهار، اتسع الأفق أمام أحلام شعوب المنطقة. وفي هذا المشهد، لا ينبغي أن يكون اليمن بعيدًا عن المستقبل المنشود، فهو جزء أصيل من محيطه العربي، وبلد يمتلك مقومات حقيقية للنهوض واستعادة دوره الحضاري والاقتصادي والثقافي. ففي عدن والحديدة تتجلى إمكانات السياحة البحرية والتجارة، وفي صنعاء تقف المدينة القديمة بشموخها المعماري وأسواقها التاريخية شاهدةً على حضارة ضاربة في عمق الزمن، بينما تحكي آثار مأرب صفحات من تاريخ مملكة سبأ والحضارة الإنسانية، وفي حضرموت تتعانق العمارة الطينية مع الذاكرة الثقافية العريقة، وتحتفظ تعز بمكانتها الثقافية والعلمية، فيما تختزن إب و أبين ولحج إمكانات زراعية وطبيعية واعدة، أما سقطرى بتنوعها الحيوي الفريد؛ فهي كنز طبيعي يستحق مزيدًا من الاهتمام والحماية والتعريف به عالميًا. ولا تتوقف الحكاية عند هذه المدن؛ ففي كل منطقة يمنية خصوصيتها، وفي كل تضاريسها مشهد مختلف، وفي عادات أهلها ولهجاتهم وفنونهم وأزيائهم الشعبية ثراء يجعل التنوع اليمني عنصرًا من عناصر الجاذبية الثقافية والسياحية. ومن يعرف اليمن عن قرب، يدرك أن ثروته الحقيقية لا تقتصر على الجغرافيا والآثار، بل تمتد إلى الإنسان. فاليمنيون الذين برزوا في مجالات الطب والهندسة والأدب والإعلام والتجارة، داخل بلادهم وخارجها، يقدمون شواهد على طاقات بشرية يمكن أن تكون ركيزة أساسية في أي مشروع وطني للنهوض والإعمار. هذه الإمكانات التي نراها أكثر من مجرد عناصر للفخر؛ نرى فيها أيضاً أسبابًا موضوعية للتفاؤل، وفُرصًا تستحق أن تتحول إلى مشروعات تنموية حقيقية. فمحبة الأوطان لا تتعارض مع الاعتراف بتحدياتها، بل تمنحنا دافعًا أكبر للتطلع إلى تجاوزها، ورؤية ما يمكن أن تصبح عليه حين تتقدم لغة البناء على أصوات الصراع. إن اليمن الذي يمكن أن يستقبل السياح من مختلف أنحاء العالم ليس حلمًا قائمًا على الطبيعة وحدها، بل مشروع يحتاج إلى سلام مستدام، واستقرار سياسي وأمني، ومؤسسات فاعلة، واستثمارات مسؤولة تحمي التراث وتخلق فرص العمل وتمنح الشباب مساحة للمشاركة والإبداع، وعندها يمكن أن تستعيد المدن اليمنية حيويتها، وتزدهر المواقع التاريخية، وتعود الفعاليات الثقافية والفنية، وتصبح الشواطئ والجزر والجبال والوديان جزءًا من خريطة سياحية عربية وعالمية تستحق الاكتشاف. الحديث عن اليمن السعيد ليس حنينًا إلى اسم تاريخي فحسب، ولا تجاهلًا لما يواجهه البلد من أزمات، بل هو استحضار لإمكانات حقيقية ما زالت قائمة، وإيمان بأن الحاضر، مهما تعثرت مساراته، لا ينبغي أن يكون الحكم النهائي على مستقبل الأوطان. اليمن بلد يستحق أن يُرى خارج إطار أزماته، وأن يُكتشف بجماله وتنوعه، وأن يُمنح فرصة تليق بتاريخه وإنسانه. وحين ينعم بالسلام، قد لا يكون السؤال عما يملكه ليقدمه للعالم، بل عن مقدار ما يستطيع العالم اكتشافه في هذه الأرض الاستثنائية. *إعلامي يمني