السوشيال ميديا والحسابات الوهمية..

الشائعة في مواجهة الحقيقة.

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الأخبار والأفكار والصور أو مساحات مفتوحة للتعبير عن الآراء ومناقشة القضايا العامة، فقد تحولت في جوانب منها إلى بيئة مضطربة تتداخل فيها الحقيقة مع الكذب والمعلومة مع التضليل والرأي الشخصي مع الحملات المنظمة التي تستهدف توجيه الرأي العام والتأثير في وعي الناس ومواقفهم. وفي خضم هذا المشهد أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة حتى إن المتلقي قد يجد نفسه أمام عشرات الروايات المتناقضة حول الحدث الواحد وكل رواية تدّعي امتلاك الحقيقة. المشكلة أن بعض هذه الحسابات تحمل علامات التوثيق التي يفترض أن تمنحها مزيداً من المصداقية، ومع ذلك تنشر أخباراً غير صحيحة أو تتداول شائعات لا تستند إلى مصادر موثوقة أو تقدم معلومات مبتورة توحي بمعنى مختلف عن حقيقتها. وهنا تكمن خطورة الأمر؛ فالتوثيق مهما كانت دلالته التقنية لا يمثل شهادة بصحة كل ما ينشره الحساب، ولا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ أو التضليل. وقد يخلط المتلقي بين موثوقية الحساب وصحة المحتوى فيمنح الخبر مصداقية لا يستحقها لمجرد ظهوره في حساب شبه موثق. ومع اتساع دائرة النشر لم يعد الخبر الكاذب بحاجة إلى وقت طويل كي ينتشر، إذ تكفي دقائق قليلة حتى ينتقل من حساب إلى آخر، ويتحول إلى موضوع للنقاش والتحليل، وربما إلى حقيقة يتداولها الناس دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التحقق من مصدرها. وقد يكون الخبر في بدايته مجرد ادعاء مجهول المصدر ثم تكتسبه كثرة التداول قوة زائفة فيظن الناس أن انتشاره دليل على صحته، مع أن التكرار لا يحوّل الكذب إلى حقيقة وكثرة الناقلين لا تعني تعدد المصادر. والأشد إزعاجاً أن بعض المتابعين يتعاملون مع ما يقرؤونه وكأنه سجل موثوق للأحداث، في حين أن كثيراً مما يدور في هذه المنصات لا يتجاوز التخمينات والتأويلات والقصص المختلقة. ومن يتابع هذا التدفق اليومي يدرك حجم الفوضى والشبهة التي يمكن أن تنشأ حين تتراجع قيمة التحقق، ويتقدم عليها السبق في النشر، وإثارة الانتباه واستثمار مشاعر الخوف والغضب والفضول. فهناك من يكتب ليخبر الناس، وهناك من يكتب ليضللهم، وهناك من لا يعنيه صدق الخبر بقدر ما يعنيه عدد المشاهدات والتفاعلات التي يحققها. أمام هذا الواقع تبرز مسؤولية أصحاب العقل والحكمة، من المثقفين والإعلاميين والمفكرين والشخصيات العامة، في مواجهة هذه الفوضى بخطاب واعٍ ومتزن، يعيد الاعتبار إلى التفكير النقدي، ويحث الناس على التثبت من الأخبار قبل تصديقها أو إعادة نشرها. وقد برزت في هذا السياق منشورات إيجابية لشخصيات جادة، من بينها الأمير عبدالرحمن بن مساعد، والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، وغيرهم، تدعو في مضمونها إلى التعامل الواعي مع ما يجري تداوله، وتؤكد أهمية عدم الانسياق وراء كل ما تنشره المنصات. إن أهمية هذه المواقف تكمن في أن تأثير الشخصيات العامة لا يتوقف عند حدود متابعيها، وإنما يمتد إلى تقديم نموذج في التعامل المسؤول مع المعلومات. فحين يدعو صاحب مكانة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية إلى التثبت والتعقل فإنه يساهم في ترسيخ ثقافة تضع الحقيقة فوق الانفعال، والمسؤولية فوق الرغبة في المشاركة السريعة. والمطلوب أن تتسع هذه المبادرات الإيجابية، وأن يشارك فيها كل من يملك كلمة مؤثرة أو منبراً يستطيع من خلاله مقاومة التضليل. أما الذكاء الاصطناعي فقد أضاف إلى المشهد مستوى أكثر تعقيداً وخطورة، إذ أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع مرئية وتسجيلات صوتية تحاكي الواقع بدرجة عالية من الإتقان، وتضع أشخاصاً في مواقف لم تحدث، أو تنسب إليهم أقوالاً لم يقولوها. وما كان في السابق يحتاج إلى مهارات تقنية متخصصة أصبح اليوم متاحاً بأدوات سهلة الاستخدام، الأمر الذي يضاعف مسؤولية المتلقي في التحقق ويجعل الاعتماد على الانطباع البصري أو الصوتي وحده أمراً محفوفاً بالمخاطر. ومع ذلك، فإن السوشيال ميديا وكذلك الذكاء الاصطناعي ليسوا أعداءاً في ذاتهم؛ اؤلئك أدوات يمكن توظيفها في المعرفة والإبداع والتحقق، كما يمكن استغلالها في صناعة الخداع. وتبقى المشكلة في طريقة الاستخدام، وفي غياب الوعي الكافي بالتمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، وفي سرعة تداول المواد المضللة قبل اكتشاف حقيقتها. إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية وحدها، ولا يكفي فيها إصدار التحذيرات بين حين وآخر. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد الذي يرفض أن يكون أداة لنقل الشائعة، وتمتد إلى المنصات التي ينبغي أن تطور وسائلها في كشف الحسابات المضللة والمحتوى المصطنع، وصولاً إلى المؤسسات المعنية بالتوعية والتحقق من المعلومات. إن أفضل وسيلة لمقاومة الفوضى الرقمية ليست الصمت، وإنما الكلمة الواعية، وليست مجاراة الشائعة، وإنما كشف زيفها بالدليل. فكل واحد منا يستطيع أن يساهم في الحد من التضليل حين يتوقف لحظة قبل الضغط على زر المشاركة، ويسأل عن المصدر ويبحث عن الدليل ويميز بين الخبر والرأي والادعاء. نحن في زمن أصبح فيه إنتاج الكذب أسهل من أي وقت مضى، تزداد فيه قيمة العقل الذي يتثبت، والقلم الذي يتحرى الدقة، والصوت الذي يدافع عن الحقيقة دون تهويل أو انفعال. فالمجتمعات تحمي وعيها بقدرتها على التمييز بين ما يستحق التصديق وما ينبغي أن يبقى موضع شك حتى يثبت بالدليل.