«زهايمر» مسرحية سودانية تعرض في الرياض..
عرض كوميدي يستنطق أوجاع المسنين ويؤكد أن المسرح ما يزال يحتفظ بجمهوره.
ما الذي يحدث حين يفقد الإنسان ذاكرته، بينما يفقد المجتمع ضميره؟ وأيهما أشد قسوة: أن ينسى المسن أسماء أحبته وتفاصيل حياته، أم أن ينساه أولئك الذين أفنى عمره من أجلهم؟ من هذه المفارقة الإنسانية تنطلق مسرحية «زهايمر – ملف سري» السودانية، لتقدم حكاية تتجاور فيها الكوميديا مع الوجع الإنساني، ويتحول مرض النسيان إلى استعارة اجتماعية تكشف أمراضًا أخرى تتصل بالعقوق والإهمال والفساد وتراجع القيم. مساء الجمعة 23 أكتوبر 2026م، حضرت العرض المسرحي الذي احتضنه مسرح مدارس النبلاء الأهلية بحي الشفا في الرياض، وسط حضور جماهيري كبير من أبناء الجالية السودانية، في أمسية عكست حيوية المسرح السوداني وقدرته على استحضار قضايا مجتمعه خارج حدوده الجغرافية. المسرحية من تأليف الكاتب المسرحي عوض شيكسبير، الذي أجرى تعديلات على اسمها ومحتواها مقارنة بنسختها القديمة، وإخراج الفنان محمد نعيم سعد، وبطولة نخبة من نجوم الدراما والكوميديا السودانية، يتقدمهم جمال عبد الرحمن، وسامية عبدالله، وإخلاص نور الدين، ومحمد جلواك، ومحمد عبدالله موسى. اختار النص دارًا لرعاية المسنين فضاءً لأحداثه، حيث تتقاطع مصائر شخصيات أنهكتها الشيخوخة والوحدة والمرض، ويحمل كل منها ذاكرة مثقلة بالحكايات والخذلان. ومن خلال الحوارات الساخرة والمواقف المتناقضة، تتكشف معاناة أناس أصبحوا على هامش الحياة بعدما كانوا يومًا في قلبها. وتكمن المفارقة الدرامية في أن هؤلاء الذين تتداعى ذاكرتهم يستعيدون أحيانًا حقائق يحاول الآخرون إخفاءها، لتصبح الذاكرة المضطربة وسيلة لفضح التناقض بين احترام المجتمع المعلن لكبار السن، وما يتعرض له بعضهم من إهمال وتخلٍّ. وقد أحسن النص توظيف الكوميديا السوداء في معالجة موضوعه الإنساني؛ فالضحك يتولد من مفارقات المواقف واختلال العلاقات، ويتحول تدريجيًا إلى أداة للنقد الاجتماعي. وهنا يكتسب العمل خصوصيته؛ إذ يضحك المتفرج من الموقف، ثم يجد نفسه أمام حقيقة تستدعي التأمل، وربما الشعور بالمرارة. ويتصاعد الصراع الدرامي مع حضور باحثة اجتماعية إلى الدار، واكتشافها ما يعانيه النزلاء من تجاوزات وإهمال، فتدوّن شهاداتهم في ملف تتعهد بكشف محتواه للرأي العام. ويكتسب عنوان «ملف سري» دلالته الرمزية، بوصفه محاولة لحفظ ذاكرة أشخاص كاد المجتمع أن يمحو حضورهم. ومن الناحية الفنية، اعتمد الإخراج على فضاء مسرحي بسيط وواضح المعالم، يستحضر البيئة الداخلية لدار المسنين، ويمنح الممثلين مساحة للحركة والتفاعل. وقد شكّل الأداء الجماعي عنصرًا أساسيًا في حيوية العرض، مستفيدًا من خبرة الفنانين السودانيين في الكوميديا الشعبية، وقدرتهم على توظيف اللغة المحكية والإيقاع الحواري والمفارقات اللفظية والحركية. ومع أن بعض المواقف الكوميدية كانت تحتمل مزيدًا من التكثيف والاندماج في مسار الحدث، فقد حافظ العرض في مجمله على توازنه بين الإضحاك وطرح القضية، خصوصًا في المشاهد التي تحولت فيها الطرافة إلى تعبير عن معاناة الشخصيات. أما المشهد الآخر، الذي لا يقل أهمية عما جرى على الخشبة، فكان ذلك الحضور الجماهيري السوداني الكبير، وما صاحبه من تفاعل وتصفيق وضحكات عكست شوق الجمهور إلى فنانيه، وإلى المسرح بوصفه جزءًا من ذاكرته الثقافية والاجتماعية. وللمسرح السوداني خصوصيته في هذا الجانب؛ فقد ارتبط بالحياة اليومية، واستمد من اللغة الشعبية والسخرية الاجتماعية أدواته في التعبير عن هموم الناس. وفي الرياض، اكتسب العرض بعدًا ثقافيًا إضافيًا، إذ تحول إلى مساحة للقاء أبناء الجالية السودانية، وجسر للتواصل الفني والإنساني بين الثقافتين السعودية والسودانية. ولعل القيمة الأعمق للمسرحية تكمن في إعادة الاعتبار إلى كبار السن، وتذكير المجتمع بأن الإنسان قد يفقد ذاكرته، لكنه لا يفقد حقه في الكرامة والرعاية والاحترام. إنها دعوة إلى مراجعة علاقتنا بمن سبقونا في رحلة الحياة، قبل أن يتحول نسيانهم إلى صورة من صور العقوق الجماعي. وفي ختام الأمسية، سعدت بلقاء عدد من الفنانين المشاركين، وتبادل الأحاديث معهم، في أجواء عكست ما يتمتعون به من تواضع وألفة وحفاوة. والشكر موصول للصديق المهندس والقاص عثمان تلاف على دعوته الكريمة، وللقائمين على العرض على حسن التنظيم والاستقبال. لقد قدمت «زهايمر» شاهدًا جميلًا على أن الجمهور ما زال يحتفظ بشغفه بالمسرح، وأن العمل الذي يلامس قضاياه، ويجمع بين المتعة والفكرة، قادر على استقطابه، وهو ما يعزز أهمية استمرار مثل هذه التجارب وتوسيع حضورها. ومع الإعلان عن عرضين آخرين نهاية الأسبوع المقبل، تتجدد فرصة الجمهور لمتابعة تجربة مسرحية تعبر عن حيوية الفن السوداني، وقدرته على تحويل قضايا المجتمع إلى حكايات نابضة بالحياة.