قراءة في فيلم «أب وبناته الثلاث»..

ثلاث حكايات عن أب واحد .

في ثلاجة رجل يحتضر، لم تجد ابنته غير أكياس من التفاح. استاءت، وراحت تلوم أختها التي تعيش مع أبيهما، وكأن خلو الثلاجة من الطعام دليل على إهمالها. لكننا نعرف لاحقًا أن الأب، في أيام مرضه الأخيرة، لم يعد يرغب في تناول شيء سوى التفاح، وأن ابنته كانت توفر له ما يستطيع أكله. تفصيل صغير، لكنه استوقفني. كم مرة حكمنا على إنسان بما رأيناه، ثم اكتشفنا أننا لم نكن نعرف الحكاية كاملة؟ هذا، في ظني، أحد المفاتيح التي يمكن أن ندخل منها إلى فيلم «أب وبناته الثلاث»، الذي كتبه وأخرجه الأمريكي أزازيل جاكوبس عام 2024، وتعرضه منصة نتفليكس. الحكاية بسيطة في ظاهرها. أب يحتضر في شقته بنيويورك، وثلاث بنات يجتمعن إلى جواره في أيامه الأخيرة، ينتظرن ما يعرفن أنه قادم، وإن تمنين تأخره. لكن الاجتماع الذي يفترض أن يقرب بينهن يكشف مقدار ما ابتعدن عن بعضهن. كايتي امرأة عملية، تحب أن تسير الأمور وفق ما تراه صحيحًا. تصل إلى بيت أبيها، فتبدأ بإصدار الملاحظات والتوجيهات، ولا تكاد ترى في أختها راشيل إلا امرأة مهملة، تقضي وقتها في التدخين ومتابعة المراهنات الرياضية. أما كريستينا، فتحاول التخفيف من حدة الخلاف، وإرضاء هذه وتلك، وإن لم تنجح دائمًا. وتبقى راشيل، التي بدت لي أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام. فهذه المرأة التي يسهل على الآخرين اتهامها بالتقصير، هي نفسها التي بقيت مع الأب، وعاشت تفاصيل مرضه يومًا بعد يوم، بينما مضت أختاها في حياتيهما بعيدًا عنه. ولا أريد أن أجعل منها قديسة، فالفيلم نفسه لا يفعل ذلك. إنها امرأة لها عيوبها وأخطاؤها، لكن ذلك لا يلغي ما قدمته لأبيها. والأمر أكثر تعقيدًا مما يبدو؛ فراشيل ليست ابنته من صلبه، وإنما ابنة زوجته التي رباها منذ طفولتها. وهنا تبلغ الحكاية موضعًا أشد إيلامًا، حين يتحول اختلاف النسب إلى سبب للتشكيك في انتمائها للأسرة، وكأن سنوات الرعاية والمحبة والمعايشة لا تكفي لتمنحها حق البنوة. توقفت عند هذه المسألة. فنحن نحب أن نردد أن الأبوة ليست بالدم وحده، وأن المحبة قد تجعل الغريب قريبًا. لكننا، عند الخصومة، قد نستدعي صلة الدم لنؤذي بها أقرب الناس إلينا. والغريب أن الأب، الذي اجتمعن من أجله، لا نكاد نراه معظم الوقت. يرقد في غرفة أخرى، بينما تدور الخلافات خارجها. ومع ذلك، فهو حاضر في كل شيء. لكل واحدة من البنات صورتها الخاصة عنه، وذكرياتها معه، وربما إحساسها بأنها الأحق به والأقرب إليه. وهذا أمر نعرفه في كثير من الأسر. فقد ينشأ الإخوة في بيت واحد، ويأكلون من مائدة واحدة، ويسمعون الحكايات نفسها، ثم يكبرون ليكتشفوا أن لكل منهم ذاكرة مختلفة عن طفولته، وعن أبيه وأمه، وحتى عن إخوته. وليس من الضروري أن يكون أحدهم كاذبًا. ربما رأى كل واحد منهم جانبًا من الحكاية لم يره الآخرون. أعجبني أن الفيلم لم يسارع إلى إدانة إحدى البنات وتبرئة الأخريين. فكايتي، على قسوتها أحيانًا، امرأة تخاف فقد أبيها، وتحاول أن تشغل نفسها بالتفاصيل حتى لا تستسلم لعجزها. وكريستينا، رغم هدوئها الظاهر، تحمل نصيبها من الاضطراب. أما راشيل، فتخفي وراء لامبالاتها الظاهرة تعبًا لا ينتبه إليه أحد. ولم يخلُ الفيلم من إطالة في بعض الحوارات والمشاحنات، حتى إنني تمنيت أحيانًا لو ترك الشخصيات تصمت قليلًا. لكن الحكاية ظلت تشدني، خصوصًا عندما بدأت الأحكام القديمة تتراجع أمام حقائق لم تكن الأخوات يعرفنها عن بعضهن. وما أثار اهتمامي أن الموت، رغم حضوره الثقيل، لم يكن وحده موضوع الفيلم. كانت هناك حكاية أخرى تجري في انتظاره: حكاية أحياء اكتشفوا، وهم يودعون أباهم، مقدار ما يجهلونه عن بعضهم. فقد يمضي الإنسان سنوات وهو يحمل صورة غير عادلة عن أخيه أو أخته، ولا يجد مناسبة لمراجعتها. وربما لا تخطر له المراجعة أصلًا، لأنه يعتقد أن ما يعرفه كافٍ للحكم. وحين يصل الأب إلى أيامه الأخيرة، تجد البنات أنفسهن أمام حقيقة لا سبيل إلى تأجيلها. سيغادر الرجل الذي جمعهن، وستبقى العلاقة بينهن، بما فيها من محبة وخصام وذكريات. ولا أظن أن موت الأب قادر وحده على إصلاح كل ما أفسدته السنوات. فالحياة أعقد من ذلك. لكن اقترابه ربما منحهن فرصة ليرين بعضهن بعيدًا عن الصور التي اعتدنها. عدت بعد الفيلم إلى أكياس التفاح. تلك التي بدت في البداية دليل إهمال، ثم اتضح أنها دليل عناية. وفكرت في بيوتنا نحن، وفي إخوتنا وأخواتنا، وفي الأحكام التي نطلقها أحيانًا على أقرب الناس إلينا، واثقين بأننا نعرف كل شيء عنهم. ترى، كم من إنسان ظلمناه لأننا لم نعرف حكايته كاملة؟ وكم من قريب لنا نعرف عنه ما يكفي لنحبه، لكننا نظن أننا نعرف ما يكفي لنحكم عليه؟ أحسب أن مشكلة الأخوات الثلاث لم تكن في قلة المحبة، وإنما في أن كل واحدة منهن ظنت أنها تعرف أختيها جيدًا. وربما كانت تعرف جانبًا من حكايتهما فحسب. أما البقية... فقد أكملتها من عندها.