المملكة تخدم الإنسان اليمني حتى في مناطق ميليشيا الحوثيين..

المستشفى السعودي في صعدة يفتح أبوابه لجميع اليمنيين منذ أربعين عاما.

لا تبدأ الحكاية الصحية السعودية في اليمن من مستشفى محمد بن سلمان في عدن، وإن كان افتتاحه وتشغيله يمثلان محطة جديدة في مسار الدعم التنموي الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني. فقبل أن يصل المشروع الجديد إلى عدن، كانت مستشفيات سعودية تعمل منذ عقود في محافظات يمنية، وتقدم خدماتها الصحية مجانًا لليمنيين، بمن فيهم سكان مناطق تخضع لسيطرة ميليشيا الحوثي. وتكتسب هذه التجربة دلالتها الأبرز في مستشفى السلام السعودي بمحافظة صعدة، الذي أنشأته المملكة عام 1984م، إلى جانب مستشفى حجة السعودي الذي أنشئ عام 1996م، وما زالا يعملان حتى اليوم بتشغيل ودعم من المملكة، وفق ما أوضحه السفير محمد آل جابر، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وتكشف استمرارية تشغيل المستشفيين، رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي شهدتها المحافظتان، عن مسار مختلف في التعامل مع الملف الصحي اليمني؛ إذ ظلت الخدمة الصحية منفصلة عن الاصطفافات السياسية، وحافظت المملكة على دعمها للمؤسستين باعتبارهما مرفقين يخدمان الإنسان اليمني أولًا. وفي صعدة، التي تعد أحد أبرز معاقل ميليشيا الحوثي، تحول مستشفى السلام السعودي إلى مؤسسة صحية ذات حضور راسخ في حياة السكان. وتقدم المستشفى خدماتها مجانًا، وتشمل مختلف مراحل الرعاية الطبية، من العيادات والفحوص والأدوية إلى العمليات والتنويم والطوارئ. وتعكس شهادات يمنيين عن المستشفى جانبًا من هذه الصورة. ويشير المواطن اليمني مختار الشيبة، في منشور له على منصة «فيسبوك»، إلى أن المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى والمراجعين سنويًا، ويشيد بمستوى النظافة والتنظيم وسلاسة الإجراءات، وبقدرة المستشفى على الاحتفاظ بملفات المرضى وتاريخهم الطبي لسنوات طويلة. وبعيدًا عن الانطباع الشخصي، تكشف هذه الشهادة عن عنصر أكثر أهمية في التجربة: الإدارة واستمرارية المؤسسة. فنجاح المرفق الصحي لا يرتبط بالمبنى أو التجهيزات وحدها، وإنما بمنظومة تشغيلية تحافظ على جودة الخدمة، وتنظم المواعيد والملفات، وتوفر الطوارئ، وتضمن استمرارية المرافق والخدمات المساندة. وهنا تكمن قيمة تجربة مستشفى السلام؛ فالمملكة لم تكتفِ بإنشاء منشأة صحية ثم تركها لمصيرها، وإنما استمرت في تشغيلها وإدارتها وتمويل خدماتها على مدى عقود، بما جعلها جزءًا من الحياة اليومية لسكان المحافظة. وتتسع الصورة مع مستشفى حجة السعودي، الذي يواصل تقديم خدماته في المحافظة منذ عام 1996م، رغم خضوعها كذلك لسيطرة ميليشيا الحوثيين. ويشير صالح الحكمي، مدير مكتب الأمين العام لمجلس الوزراء اليمني، إلى أن المستشفى السعودي المجاني في حجة يقدم مستوى من الخدمة لا يقل عن مستشفى السلام في صعدة، مؤكدًا أن المملكة واصلت دعم المستشفيين رغم الظروف والضغوط التي صاحبت سيطرة الحوثيين على المحافظتين. وبذلك لا تبدو المشاريع الصحية السعودية في اليمن مبادرات متفرقة، وإنما امتدادًا لمسار تنموي طويل بدأ قبل عقود، وتدرج من إنشاء المستشفيات وتشغيلها إلى تطوير منظومة صحية أكثر اتساعًا. وفي هذا السياق، فإن تجربة مستشفى السلام في صعدة تحديدًا تقدم دلالة تتجاوز أرقام الأسرّة وعدد المراجعين. فالمستشفى يعمل في محافظة تقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي، ومع ذلك ظلت أبوابه مفتوحة لليمنيين، بما يؤكد أن تقديم الرعاية الصحية لم يكن مرتبطًا بانتماء المريض السياسي أو موقفه من الصراع. وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها: حين تصل الخدمة الصحية إلى الإنسان في منطقة تسيطر عليها جماعة معادية للمملكة، فإن الرسالة تتجاوز حدود المساعدة الطبية إلى تكريس مفهوم مختلف للتنمية؛ تنمية ترى اليمنيين مجتمعًا واحدًا، وتتعامل مع احتياجاتهم الأساسية بعيدًا عن خرائط النفوذ والصراع. وقد لخّص السفير محمد آل جابر هذا التوجه بالقول إن المملكة تعمل لإرساء السلام وحسن الجوار والاستقرار في اليمن، في مقابل خيار الحرب الذي تتبناه جماعة الحوثي بدعم من إيران. وبينما تتواصل الحرب في اليمن، بقيت المستشفيات السعودية مساحة مختلفة عن الصراع: طبيب يعالج مريضًا، ومرفق يقدم دواءً، وغرفة عمليات تستقبل محتاجًا، وخدمة صحية لا تسأل المريض عن الجهة التي ينتمي إليها. من مستشفى السلام في صعدة عام 1984م، إلى مستشفى حجة عام 1996م، وصولًا إلى مستشفى محمد بن سلمان في عدن، تبدو الصورة أوضح: المملكة لا تنظر إلى الصحة باعتبارها استجابة مؤقتة للأزمة اليمنية، وإنما باعتبارها جزءًا من مسؤولية تنموية ممتدة تجاه الإنسان اليمني.