قراءة في رواية (كيد النساء) لعلي الزهراني..

بين الواقعية التوثيقية والرؤية الفلسفية النفسية والثقافة الشعبية البراجماتية.

استرجعت أثناء قراءتي لهذه الرواية بعض ما استقرّ في ذاكرتي من أعمال روائية لكتّاب سعوديين استمدّوا من البيئة الجنوبية في المملكة العربية السعودية عالمهم الروائي ، فيما يبدو مشروعاً روائيّاً متكاملاً ابتداءً من (وسميّة) عبد العزيز مشري (رحمه الله) وهي الأقرب إلى استلهام البئية الجنوبية ومجتمعها من حيث تصوير الشخصية الجنوبية بملامحها الشعبية لغةً وعاداتٍ وممارسات سلوكيّة ، وخصوصا مجتمع السّراة ،ثم رواية (الحزام) لأحمد أبو دهمان، وقد تطوّر عن رواية المشري (الوسمية) في غوصه إلى مستوياتٍ أعمق في استلهامه البعد الثقافي لقرى عسير، وفي تحويل العادات الشعبيّة والذاكرة والطفولة إلى سرد شعريٍّ، تتجاور فيه الحياة الواقعية مع المخيّلة والأسطورة. وكذلك رواية (ساق الغراب) ليحيى أمقاسم التي لامس فيها الجوانب الاجتماعية وخصوصاً ما يتعلق بالمرأة ودورها الاجتماعي، وتصوير المعتقدات والطقوس وما استجدَّ من تحولات تمسّ الجانب السياسي و الديني والمعماري والمهني والثقافي و الفني والقيم و التقاليد المتعلّقة بالمناسبات المختلفة ، وهناك عدد ليس بالقليل من الروايات التي استلهمت البيئة الجنوبية،مثل أعمال المشري الأخرى ممثلة في : الغيوم ومنابت الشجر ، وقد عرضت لها في قراءة مستقلة ورواية (ريح الكادي) وكذلك روايات عبده خال التي قدّمت قراءة لبعضها ، مثل (الموت يمر من هنا) و(مدن تأكل العشب) ورواية طاهر الزهراني (آخر حقول التبغ) وثمة روايات أخرى لم أحط بها خبرا ؛ ولكن ثمة ما يميز الرواية التي بين أيدينا فأنها تتناول سمة اجتماعية نفسيّة كما وقرت في عقل المرأة وسلوكها في بعدها (الجندري النوعي) كما تجلّت في نساء هذه البيئة الجنوبية عبر نماذج متعدّدة من الشخصيات الأنثوية ، وسلسلة من الحكايات التي عرضت للشخصية المركزيّة في الرواية (هوس) حيث بدا واضحاً فيها النكهة الشعبية التي وردت في كثير من كتب التراث ، وخصوصا حكايات شهرزاد ؛ ولكنها تتوخّى هدفاً مغايراً لما قصَدَت إليه تلك الحكايات ؛إذ بدت وكأنها سلسلة من الشواهد التي تؤكّد هذه السمة الأنثوية التي تبدو متجاوزةً لجذرها النوعي (هذا) إلى النوع اليشري الآخر (الذكور) غير أن ما يمكن أن يلمحه القاريء لهذه الرواية طبيعة العلاقات الأسرية وخصوصيتها الاجتماعية، وقد حفلت الرسالة بعدد كبير من الشخصيات التي كان للمرأة فيها نصيب وافر ما ينسجم مع ما رمى إليه كاتب الرواية . وقد لفتني في إهداء الرواية ما يشبه المفارقة بين فيض الوفاء و الثناء على الزوجة الراحلة (رحمها الله) التي رثاها بوفاء عظيم ، وبين نقيض فضائلها في تحرّي سمة (الكيد) التي بدت حكراً على النساء وإن تبدّى في نهاية المطاف أن الكيد ليس حكراً عليهن ، كما لفتني أيضا المقدمة الضافية التي تضمنت دراسة نقدية للرواية بقلم ناقد أكاديمي مُتميّز هو الأستاذ الدكتور ظافر عبد الله الشهري وما أشار إليه من السِّمة الواقعية للرواية مشيداً بجماليات التشكيل للشخصيات ، وبلغتها وحكاياتها و ما تنطوي عليه من دروس وعبر، وأشار إلى ما تجلّى في هذه الرواية من مظاهر البيئة الطبيعيّة و الكونيّة والإنسانيّة والغوص في حياة الأسرة ودقة ملاحظته لحياة البشر وطبيعتهم في ظلِّ شظف العيش و الظروف القاسية وحوار المكاشفة والمصارحة وما إلى ذلك مما يبدو فيه أن الناقد لا يترك مجالاً لزيادة لمستزيد، كذلك فإن مقدمة الكاتب التي تلقي الضوء على كثير من الملامح الجمالية في الرواية من رسم مخيّلته للطريق و الرصيف و الحارة على حدِّ تعبيره، أي الملامح البيئية لعالم الرواية ؛ فضلاً عن الملامح الطبيعية وأشار إلى مخطط الرواية: أول الغيث رسالة ، وفي متن الحديث كتابة، منوّهاً إلى أن العشق حكاية كيد ، وهذه رؤية فلسفية عميقة فيما أرى، مستشهدا لها بقول الرسول عليه الصلاة و السلام “ النساء النساء” مشبّهاً نفسه بالصقر حين يرى الفريسة، وأن همه هو القارئ في الدرجة الأولى. ولقد لفتني أسلوبه في وضع عناوين للفصول تلخّص - في لمحة موجزة - مضمون الفصل ؛ ففي الفصل الأول على سبيل المثال جاء العنوان (هوس مع والده و والدته) وقد تضمن هذا الفصل القاعدة التي انطلقت منها أحداث الرواية التي حدت به بعد إبداء هوس لوالديه عن رعبته في الزواج البحث عن مفهوم الكيد، وكأنهم أراددوا له أن يكون على بيِّنة من طبيعة من سيفترن بها من النساء، ومن ناحية أخرى البحث عن القيمة التي ينبغي أن تنبني عليها الأسرة (السكينة و دفء الطمأنينة) ثم تسلسل الوقائع و الحكايات (هوس عند بئر الحدب والكيادة مستورة)، ثم أثر ما يراه هوس في نفسه وفكره(لقد شاخ عقلي)، وهكذا تتكرر هذه الثيمات (هوس مع الرجل الكهل و محماس و قدره) ثم بعد اثني عشر فصلاً يأتي الفصل الأخير معلناً الختام مشيرا إلى عودته من رحلته . وتتّكئ الرواية على حبكة دائريّة، في متوالية تنتهي من حيث بدأت، وتتصاعد في نهج تراكميٍّ نوعيٍّ ؛فهوس الذي يذهب في رحلته الصعبة باحثاً عن المعنى يعود بحصيلة وافرة من الحكايات تتراكم فيها الوقائع وتتنوّع فيها الأحداث والشخصيات، والتراكم الكمّي - وفق القانون الفيزيائي المعروف - ينتهى إلى مقولة (التراكم الكمّي يؤدي إلى تحوّل كيفي) ولعله من الأهمية بمكان أن نأخذ بعين الاعتبار إشارة المؤلف إلى واقعية الحكايات التي أوردها في روايته، وتكوّنت منها فصولها ، فنحن أمام ثنائية الثيمة: الواقعية الاستقرائية ببعدها التوثيقي والرؤية الفلسفية المتمثلة في (الكيد) بوصفه وسيلة من الوسائل الرئيسة المعتمدة في الاحتيال على معضلات الحياة ونيل مكاسبها و إشباع شهواتها، ما بين معاناة التجربة والاستماع على أصحابها، ويشير الكاتب إلى مصدرها محيلاً إليه مُمَثلاً في والدة الكاتب (رحمها الله) حيث يشير في إحدى لقاءاته الصحفية أن عمله الروائي هذا لا يعتمد على الأساطير أو الخرافات، بل يقدّم حكايات شعبية واقعية تهدف لتسليط الضوء على الحيل الإنسانية دون التعميم على معشر النساء كافة، ثمة ملحظ مهم أيضاً يتمثّل في استثمار الكاتب للموروث الشعبي في البيئة الجنوبية وإخضاعها لمبضع الفنان لإعادة تدويرها فنّا سردياً جمالياً. ثمة مصطلحات متعددة لهذ النوع من السرد الروائي أرى أن ما يناسبه ما يطلق عليه (السرد الإطاري) فالحكايات التي أوردها الكاتب تقع في إطارٍ رئيسٍ هو إجابة السؤال عن ماهية الكيد الذي اقتضى الرحلة و توالد الحكايات فيها، ثم العودة بحصيلتها إلى سؤال البدايات لتكتمل الإجابة عنه ؛ أما مصطلح (الحكايات المضمَّنة) فلا ينطبق عليها لأنه يتأّسس على ما تسرده الشخصيات من وقائع وقصص مستقلةً نسبيًا داخل الحكاية الرئيسة، وإن بدا أن هذا التعريف ينطبق ظاهرياًّ على ما جاء في الرواية، غير أنه اتخذ مسارا آخر أقرب إلى المصطلح الآنف الذكر ومهما يكن من أمر فإن التوصيفات لمختلف المصطلحات التي تتعلق بهذا النهج السردي فهي متقاربة إلى حد كبير وثمّة من يصف الحبكة في هذه الرواية بالحبكة الدائرية المتشظّيّة، والحقيقة أن التشظّي له مفهوم مختلف؛ إذ يبدو عدولاً عن الخط السرديّ المتصاعد، حيث يشارك القارئ في لملمة شظاياه ليستخلص رؤية صاحبة؛ وفي هذه الرواية يبدو الأمر مختلفاً؛ فهي في بنيتها السرديّة تبدو متماسكة مترابطة وصولا إلى النهاية. يمر البرنامج السردي في مراحل متعاقبة وفق المنظور المتعلّق باستنطاق العلامات، يبدأ بما يعرف بالتحفيز (البحث عن الإجابة عن سؤال الأب عن مفهوم الكيد) ثم مايليها ممثلا في مرحلة “الكفاءة” أي القدرة التي تمثّلت في عزم (هوس) على الوصول إلى مبتغاه عبر نهوضه بهذه المهمة (الرحلة)، ثم مرحلة “الإنجاز” استماعه عبر معاناته من متاعب الرحلة إلى القصص التي أضاءت له المعنى ثم “التقويم” التي يقتنع فيها هوس بأن الكيد ليس مقتصراً على نوع بشري دون آخر، بل هو نمط من أنماط السلوك بدوافع نفسيّة (ترتبط بالذكاء والحيلة الاجتماعية) يصبح فيها هوس ملمّا بحقائق هذا المعنى في سلوك البشر. أما فيما يتعلق باللغة فهي فصحى سرديّة أدبيّة تقترب من الشعر في بعض مفاصلها في الوصف الخارجي، وعامّية محّلية جنوبيّة فصيحة، تقترب من ابتذال االتراكيب والمفردات في الحوارات التي أجراها على لسان بعض الشخصيات الشعبية، واللغة العامّية جاءت بمواصفات لهجة (القرية الجنوبية، الحازم، جبل الأحمر، بيوت الطين) وقد اعتمد الكاتب على اللقطات السينمائية الوامضة التي تشعُّ بمعانٍ رمزيّةٍ قابلة للتأويل والإيحاءات. وتتميز هذه الرواية بأنها مهتمة بالالتصاق بالواقع وتوثيقه بحيث يظل شاهداً على ثقافة مجتمعية متعدّدة الأبعاد، وثيقة الصلة بعالمها وأمزجة أصحابها، موحّدة الاتجاهات والسّمات، ولا يتسع المجال للمزيد؛ و لكن لا بد من ملاحظة تتعلق بالكثافة في الشخصيات لتزاحم الحكايات، وإن بدت مختصرة في شخصياتها الرئيسة أعني الإطارية، ونزعتها الانتقادية فيما يتعلق بوالد هوس وعمّه مما يحتاج إلى مقالة مستقلة، وإن دلّت تلك الكثافة التي أشرت إليها على شيء فإنها تدل على إحاطة واسعة تستوعب آفاق العالم الروائي الذي اختاره . فنحن أمام عمل روائي يستخق الدراسة ويأتي في إطار توجّهٍ روائي يمثل تياراً مهماً في الرواية العربية السعودية .