مجرد وقت وسيمضي.. يوميات السرطان..

سيرة المرض والمنفى والأمل.

سيرة ذاتية مع مرض السرطان كتبها شاكر الناصري، وهو كاتب عراقي. العنوان يذكر بقصة تنسب إلى أحد الملوك؛ إذ طلب من وزيره أن يكتب له عبارة إذا قرأها وهو حزين خف حزنه، وإذا قرأها وهو سعيد لم يتماد بفرحه فينسى ما في الدنيا من دواعي الحزن، والعبارة كان ابن مؤلف هذا الكتاب يقولها مهدئاً عندما تتعاظم معاناة أبيه مع العلاج الكيميائي. فمريض السرطان تتراوح حياته بين المعاناة الشديدة وبصيص الأمل حتى يصل إلى إحدى النهايتين. يقرأ قارئ هذه السيرة مع السرطان بين السطور المآسي التي عاشها الإنسان العراقي منذ الاستقلال ولا يزال. الكاتب من أسرة فقيرة لمجند في الجيش العراقي يتنقل بين الجبهات، أورثته صعوبة الحياة قسوة في تربيته لأولاده الذين يغيب عنهم طويلاً، لتقوم الأم الصابرة بمتطلبات التربية كافة، متنقلة بعائلتها من قرية إلى أخرى تخلصاً من ثارات عشائرية، ومن بيت طين إلى بيت آخر. يتوفى الأب مبكراً في ظرف غامض، وتتزوج الأخت صغيرةً، لتبدأ أسرة جديدة تنتقل إليها المعاناة. أما الكاتب فينضم إلى تنظيم يساري يتعرض لاضطهاد حزب البعث منذ وصول الحزب إلى السلطة بانقلاب عبد السلام عارف، وتتفاقم الديكتاتورية حتى تصل مداها في عهد صدام حسين. وكمعظم العراقيين يجند لكي يقاتل في حرب ضروس ليس لها معنى مع إيران، حرب تأكل الأجساد وتقتل الأرواح، وتأتي على الأخضر واليابس. ثم تأتي حرب تحرير الكويت، يتلوها حصار لا يقل أذىً عن الحرب، ثم الضربات الأمريكية على العراق. مأساة كثير من مثقفي العراق تفاقمت حين التحق بعضهم بالأمريكيين؛ ليمهدوا الطريق لإبادة ما بقي من العراق. يجد الكاتب نفسه في طريق الهجرة، ولم يكن الطريق عبر تركيا رحيماً بعابريه، لكنه في النهاية انتهى للعيش في الدنمارك، حيث يكثر من يبحثون عن علاج للسرطان، وحيث الخدمات الطبية والإنسانية لهؤلاء المرضى في أحسن حالاتها، حتى يكاد مريض السرطان في الدنمارك يحتفل بالداء الذي أصيب به؛ فمصيره أفضل من مصير أمثاله الذين يصيبهم السرطان نفسه وهم في وطنهم. وكلما اشتكى مرارة السرطان هان عليه ما يلقى حين يتناهى إليه ما حدث لقريب اضطر للبحث عن الترياق في العراق؛ فحين يتحدث العرب عن طالب المستحيل يقولون: «كطالب الترياق من العراق»، وإن وجد العلاج افتقد المال، وإن وجد المال لم يجد يداً تربت على كتفه وتخفف أحزانه. يبدو أن السرطان قد اختص عائلة الكاتب؛ فها هو الداء نفسه يحل بأخته الشقيقة، فيصبح الكاتب داعمها النفسي؛ إذ مر بكل المحطات التي كادت تهلكه. لم يكن السرطان مرض العائلة فقط، بل أصبح مرض الأسرة والقبيلة، وربما كثر في العراق بسبب التلوث الكيميائي من الأسلحة التي استعملها النظام أو استعملت ضد شعبه. أخذ الرجل على عاتقه أن ينصح بقية الأقارب بالمبادرة إلى البحث والتقصي، علهم يكتشفون لِمَ اختصهم مرض السرطان دون غيرهم، لكن الناس يغمضون أعينهم ويصمون آذانهم. في مرحلة ما قبل اكتشاف السرطان، كان عليه أن يجري منظاراً للمعدة عن طريق الفم، ومنظاراً للقولون عن طريق الشرج، فأظهر المنظار وجود ورم خبيث في المعدة؛ خبر صاعق للرجل وأسرته. ورغم كل الإمكانات الداعمة للتعامل النفسي مع المرض، رفضت الزوجة أن تتلقى التوجيهات التي تتيحها المؤسسة الطبية لدعم المريض نفسياً وإنسانياً؛ إذ لم يعتد مرضانا أن يتقبلوا بسهولة الجلوس مع نظرائهم ليتجاذبوا أطراف الحديث ويتشاركوا الأمل والألم. كما أن السيرة لا تظهر أن الرجل كان على قدر من الإيمان الديني الذي يعضد أهله؛ فالنظام الصحي في الغرب يتيح لمثل هذا المريض دعماً من القس إن كان مسيحياً مؤمناً، بل قد يأتون له بإمام من أحد المساجد القريبة -إن كان مسلماً- ليساعده في اجتياز المرحلة بالاستعانة بالله. كانت المرحلة الثانية عمل منظار للبطن لتحديد ما إذا كان الورم قد تجاوز حدود المعدة، وكانت النتيجة مطمئنة، وأكدت ذلك الفحوص الأخرى. نصح الأطباء باستئصال المعدة جراحياً، ولكن بعد أن يتلقى أربع دورات من العلاج الكيميائي، على أن يتلقى أربع دورات أخرى بعد العملية. وخلال هذا المسار، سيحتاج إلى عدد كبير من فحوص الدم والفحوص الإشعاعية التي تضمنت عدداً كبيراً من مرات الفحص بجهاز الرنين المغناطيسي، الذي يكون المريض فيه داخل أنبوب آمن، ولكن بعضهم يشعر بأنه يذكره بالقبر ويكاد يطبق على أنفاسه، علماً بأن الأجهزة الحديثة أصبحت مفتوحة بحمد الله. يعتقد الرجل أنه مصاب بسوء حظ أزلي يجعل الأمل أمامه صعباً؛ فمعدته تحوي لغماً يكاد ينفجر في أي لحظة فيحطم جسده وأجساد المجاورين. يغبط الممرضات والأطباء الذين يطوقونه باللطف والابتسامات، ورغم ذلك، فإن جملة عابرة سرعان ما تنذره بسوء المصير، ثم يكتشف أن المسألة لم تكن تتضمن كل هذا البؤس. يتحدث الكاتب عن عدد من الأدباء العرب الذين أصيبوا بهذا المرض ويكتب عن تجربتهم، ولكنني أظن أنه تحدث عن الذين لم يصلوا إلى الشفاء، وربما كان هذا لأن الذين شفوا لم يتحدث عنهم أحد. يتحدث عن محمد أبو الغيط، الأديب المصري الشاب الذي تحدث عن تجربته في كتاب (أنا قادم أيها الضوء)، وعن الأديبة المصرية رضوى عاشور التي سطرت تجربتها في كتاب (أثقل من رضوى)، وما كتبته ابنة المفكر إدوارد سعيد، كما يورد ما كتبته الأديبة عبلة الرويني عن الساعات الأخيرة في حياة زوجها الشاعر أمل دنقل: «في الثالثة صباحاً، حاول نزع حقنة الجلوكوز من يده، رفضت الممرضة وشقيقه نزع الحقنة، وأمسك كل منهما بيديه بقوة حتى لا يتمكن من انتزاعها، لم يكن يقوى على الصراخ في وجوههم، نظر إليّ، كانت عيناه تطلبان الراحة، نزعت حقنة الجلوكوز من يده: يمكنك أن ترتاح الآن، أغمض عينيه في هدوء، ودخل في غيبوبة أخيرة... كان وجهه هادئاً وهم يغلقون عينيه وكان هدوئي مستحيلاً وأنا أفتح عينيّ. وحده السرطان كان يصرخ، ووحده الموت كان يبكي قسوته». تقتضي حقنة الكيميائي قضاء يوم في المستشفى؛ أمصال في أكياس صفراء تحتوي على هذه السموم، تدخل الجسم عن طريق قسطرة تخترق الأوعية عند الرقبة ومن ثم إلى الأوعية الدموية في الصدر، فتستثير القيء والغثيان، تتلوها أيام تكاد تنهار فيها مناعة الجسم؛ مما يعرضه لأمراض البرد وتساقط الشعر وجفاف الجلد، والتهاب الأعصاب الطرفية فتتحسس للبرد وتعطي شعوراً بالوخز المؤلم، مما يؤثر في القدرة على المشي، كما يفقد الشهية وتنعدم الرغبة في التواصل الاجتماعي. وللعراقيين تجربة مع غاز الخردل الذي استعمل ضد الإيرانيين وجربوه على المجندين؛ فعند إطلاقه يصاب الجنود بالذعر ويصرخون: كيمياوي... كيمياوي! ويقولون: «مضروب بالكيمياوي» عن الشخص الذي يختل توازنه ويتحدث بلغة غير مفهومة. كان هذا شعوره الحقيقي طوال مدة العلاج، ويتزايد هذا الشعور كلما زاد عدد مرات العلاج. من النصائح المهمة التي تقدم للمصابين بالسرطان: الابتعاد عن التوتر والشد العصبي، أو الانشغال بقضايا تسبب متاعب مباشرة؛ فإن أول انعكاساتها سيكون على المعدة التي ستعمل على إفراز إنزيمات وهرمونات تكون بيئة صالحة لنشاط الخلايا السرطانية وتعزز إمكانية انتقالها من مكان إلى آخر. وتترجم هذه النصائح بالانقطاع عن برامج التلفزيون والحاسوب والهاتف المحمول، حتى إن مباريات كرة القدم لا ينصح بمتابعتها لأنها تسبب حالة من التوتر الشديد، خصوصاً لدى المتعصبين لهذا النادي أو ذاك. وهؤلاء الذين قضوا أعمارهم في السياسة والانخراط في العمل الحزبي هل يستطيعون التقيد الصارم بالابتعاد عن السياسة؟ لم يستطع أن يتجاوز ما يحدث في غزة وكأنها في كوكب آخر؛ وهل الكيان الإسرائيلي إلا سرطان مدمر يقضي على مئات الناس كل يوم؟! يقبع في غرفة الانتظار مع أفراد عائلته، ينتظرون أن يتم النداء عليهم لمواجهة الطبيب، وعلى شفتيه كلام ما قد يكون حكماً بالموت. جذبت انتباهه في الغرفة لوحة ليست لوحة فنية معروفة، ولم ترسم بمهارة وإمكانية لونية واضحة، بل صممت بشكل يثير الشك والذعر، كتبت عليها جملة إنجليزية واحدة باللون الأبيض: «هناك دائماً أمل». يتعامل العراقيون مع الموت وكأنه قدرهم الذي لا مفر منه، وكل الناس مع الموت كذلك، ولكن العراقيين يبادرون إلى شراء القبور خشية ألا تبقى أرض يدفنون فيها! مر الكاتب بكل مراحل العلاج واستؤصلت معدته، وبين الخوف والرجاء انقضت أيامه. بعد العملية، دخل المستشفى عند خروج كمية سوائل كثيرة من مكان العملية، وكاد يحتاج إلى جراحة أخرى؛ إذ تبين وجود التصاق بين أنابيب الأمعاء يحدث انسداداً في الجهاز الهضمي، وهي نتيجة متوقعة تحدث أحياناً، ولكن العلاج التحفظي نجح في تجنيبه الجراحة. ومع الجرعة الأخيرة، كادت آلام العظام تفتك بما تبقى من الجسد، واحتله شعور بأن المرض قد انتقل إلى عظام الجمجمة، أو سبب نزيفاً في الدماغ، فكادت بقايا الأمل تتلاشى. كان فرحاً بوصوله إلى الجرعة الأخيرة، لكن هذه الجرعة لا تريد أن تودعه إلا على طريقتها، بكل بطشها وقسوتها وآلامها. والحمد لله، كل هذه الاحتمالات انتهت على خير وعاد الأمل، فشفي المريض، وشفي القارئ الذي عاش معه هذه السطور السوداء، ومرت بالكاتب سنة سعيدة عندها انتهى الكتاب، ولكن الكاتب يترك للقارئ شعوراً بأن المرض قد عاد؛ لم يؤكد هذا الشعور، ولكنه لم ينف. أدعو الله ألا يتحول الشك إلى يقين.