امتياز الخراب.
لا يسقط الصاروخ على مطار لم يُبنَ، و لا يتعطّل مصنع لم يُشيَّد، و هذه بديهة لا تحتاج إلى برهان، غير أن بعض قراءات الحرب تقلبها حجةً على صاحبها، فتحصي على الدولة مطاراتها و منشآتها و خططها، ثم تعرض إمكان استهدافها بوصفه مأزقاً في طموحها، كأن الخطأ كان في البناء، و كأن الأسلم أن تبقى الأرض خاليةً حتى لا يجد المعتدي ما يصيبه. و من هذا القلب يولد ميزان مختل، تُسأل فيه الدولة لماذا لم تتوقّع كل خطر، و لماذا لم تمنع كل خسارة، بينما يُعامل تصعيد المليشيا كأنه سلوك مفروغ منه، فتزداد أعباء الطرف الذي يحمل مسؤولية الاستقرار، و تنحسر مساءلة من يقوّضه، حتى تصبح قدرة الجماعة على إحداث الضرر سبباً لمطالبة الآخرين باسترضائها، بدلاً من أن تكون سبباً لمحاسبتها على ما تفعل. و في الجدل الذي أعقب هجمات أكتوبر، برز هذا الاختلال حين استأثرت بالنقاش أسئلة عمّا كان على الرياض فعله لتجنّب الهجمات، و غاب السؤال عمّن اختار شنّها، فهناك فرق بين مراجعة إدارة الخطر و نقل مسؤولية صناعته إلى من يتعرض له، القصور المحتمل في الاستعداد يُناقَش بأدلته، لكنه لا يمنح المعتدي براءةً من قراره، و لا يحوّل ضحاياه إلى شهود إدانة ضد أنفسهم. و من الإنصاف أن تُختبر القرارات ببدائلها الواقعية، فما كلفة الانتظار، و ما شروط التهدئة، و ما ضمانات استمرارها؟ لا يكفي أن نرى خسائر القرار الذي اتُّخذ، ثم نقارنه ببديل لم نحمّله أي كلفة، فكل خيار يُعفى من تبعاته يبدو حكيماً، و كل سياسة تُطالَب بمنع جميع الأخطار تبدو قاصرة، و بين الحكمين تضيع المسافة التي يعمل فيها القرار المسؤول. و القدرة على إصابة منشأة لا تمنح المليشيا أهليةً لإدارة وطن، كما أن تعرّض منشآت الدولة للاستهداف لا يسلب مشروعها قيمته، القدرة على كسر نافذة لا تجعل صاحب الحجر أقدر على بناء البيت، و معيار القوة يختل حين تُختزل في مقدار الضرر الذي يستطيع طرف إلحاقه بالآخر. و قد يُبرَّر استهداف المطارات بمنطق «المطار بالمطار»، غير أن حماية المدنيين ليست التزاماً يسقط بانتهاك الطرف الآخر له، و كل هجوم يُفحص بطبيعة هدفه و أدلته و ظروفه، أما جعل المسافرين وسيلةً للضغط أو موضوعاً للانتقام، فلا تبيحه دعوى الرد بالمثل، و هذا معيار يُلزم الجميع، و يُطبَّق على الأفعال لا على البيانات، فلا يبرّئ أحداً إعلانُ احترامه، و لا يدين أحداً مجردُ اتهامه. و إذا مضى منطق محاسبة الطموح على تعرّضه للاستهداف إلى نهايته، صار على المملكة أن تؤجل تنميتها حتى يرضى عنها كل من يستطيع تهديدها، و هذا يمنح حامل الصاروخ مقعداً في قرارات الاستثمار و التعليم و العمل، فتصبح خطط الأجيال رهينةً لموافقته، بينما تقتضي المسؤولية حماية البناء و تحصينه، لأن التراجع عن المستقبل لا يزيل خطر الابتزاز، بل يثبت جدواه لصاحبه. و وراء هذا الجدل شعب يمني لا يجوز أن يضيع بين أسماء المتحاربين و خرائط النفوذ، فاليمن أوسع من الحوثي، و أبناؤه أصحاب حق في دولة يخضع سلاحها للقانون، و مؤسسات تخدمهم، و قرار يصنعونه بإرادتهم، و اختزال بلدهم في المليشيا يمنحها مكسباً يتجاوز سيطرتها الميدانية، إذ يجعلها في الوعي العام بديلاً عن وطن كامل، و يصوّر مقاومة احتكارها للسلطة كأنها خصومة مع اليمن نفسه. و لهذه الإرادة أصوات معلنة، ففي العاشر من أكتوبر أعلنت قبائل الحيمتين و بني مطر و حراز بمحافظة صنعاء تأييد عملية «فجر اليمن»، و ربط بيانها استعادة المؤسسات بصرف الرواتب و تحسين الخدمات و حماية الحقوق، و هذه المطالب تكشف معنى الدولة عند أصحاب الحاجة إليها، راتب يصل، و خدمة تنتظم، و حق تحميه مؤسسة، و هذه أصوات يمنية لا تختصر جميع اليمنيين، لكنها تكفي لإبطال اختزال اليمن في الجماعة التي تحتكر قراره. و حين جدّدت الخارجية السعودية، في الخامس من أكتوبر، دعمها السياسي و العسكري لمجلس القيادة الرئاسي و الحكومة و الشعب اليمني لاستعادة الدولة و مؤسساتها، التقى هذا الموقف المعلن مع قضية لها أصحابها، فالإسناد لا يُقاس بما يعلنه، بل بما يضيفه إلى استقلال مؤسسات اليمنيين و قدرتها على حماية الناس، و إخضاع السلاح لسلطة الدولة. و للمساندة شواهد خارج الميدان، ففي يناير ٢٠٢٤ وُقّعت بالرياض اتفاقية مشروع لتعزيز الأمن المائي بالطاقة المتجددة في عدن، بمساهمة البرنامج السعودي لتنمية و إعمار اليمن و مؤسسة صلة للتنمية، مستهدفاً نحو ثمانمئة ألف مستفيد مباشرة، و دلالة هذا الشاهد أن حاجة الناس اليومية جزء من الاستقرار لا ملحق به، فالمجتمع يحتاج إلى أسباب العيش، و استعادة الأرض تكتمل باستعادة الحياة عليها. و لكي تتحول استعادة المؤسسات إلى واقع يلمسه الناس، يصبح انتظام المدرسة و المستشفى و المحكمة جزءاً من معيار النجاح، فالمواطن يعرف عودة الدولة حين يسترد حقه دون وساطة مسلح، و يسلك طريقه دون خوف، و يجد في القانون حمايةً تتجاوز انتماءه، عندها يصير التقدم قابلاً للبقاء، لأن الناس يحرسون ما يلمسون أثره. و عند هذه النقطة يلتقي أمن البلدين، فاليمن القادر على إدارة أرضه و حماية مواطنيه يمنح شعبه مقومات الاستقرار، و يمنح جيرانه شريكاً تحكم العلاقة معه مسؤوليات واضحة، و تتقاطع هنا المصلحة السعودية مع حق اليمنيين في دولة، تقاطعاً يجعل المساندة قابلة للاستمرار، لأن أمن الجار لا يتحقق على نحو راسخ بإضعاف جاره، بل بوجود مؤسسات تستطيع الوفاء بالتزاماتها تجاه الداخل و الخارج. و السلام يحتاج إلى تسويات، لكنه يحتاج أيضاً إلى طرف يتحمل مسؤولية تنفيذها، أما مطالبة اليمنيين بالتنازل المتكرر عن حقهم في دولة، و مطالبة جيرانهم بالتنازل عن أمنهم، مقابل وعد متجدد بألا يُستهدفوا، فتمنح التهديد وظيفةً دائمة، و تجعل كل تهدئة استراحةً لابتزاز جديد، و هنا يكتمل امتياز الخراب، حين يحتكر صاحب السلاح قرار التصعيد، ثم يترك للناس فاتورته، و يطالب الدولة وحدها بإيجاد المخرج. خط أخضر: ليس امتياز الخراب أنه يصيب ما بناه الآخرون، بل أن يُعفى الهادم من السؤال، و يُسأل البنّاء وحده عن الركام.