من شرفة التاريخ المطلة على بحر العرب، حيثُ تتعانقُ أمواجُ عدن مع طموحاتِ الإنسانِ اليمني في غدٍ أكثر أماناً، تبرزُ حكايةُ “مستشفى الأمير محمد بن سلمان” ليس كمجردِ جدرانٍ وأجهزةٍ طبيةٍ صماء، بل كقصة وفاءٍ سعوديةٍ كُتِبَتْ حروفها بمدادِ الإخاء والالتزام التنموي العميق؛ فهذا الصرحُ الذي أنشىء على مساحةِ عشرين ألف متر مربع هو مرفق علاجي رائد، ورئةٌ تنفسَ من خلالها القطاعُ الصحي اليمني بعد اختناق، وجسرٌ من الضوءِ عبره آلافُ المرضى من دهاليزِ الألم إلى رحابِ العافية، في تجسيدٍ حيٍّ لرؤيةٍ تنمويةٍ سعوديةٍ لا تؤمنُ بالحدودِ الجغرافية حين يتعلقُ الأمرُ بحقِّ الأشقاء في حياةٍ كريمةٍ وصحةٍ مستدامة، وهي الرؤية التي تحظى بدعمٍ ورعايةٍ من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان (حفظهما الله)، اللذين جعلا من الإنسان محورًا للمبادرات التنموية والإنسانية داخل المملكة وخارجها. منارة طبية تعود جذور المستشفى إلى عام 1994م، حين أُنشئ كمنحة من المملكة العربية السعودية للأشقاء في اليمن، وكان يُعرف سابقاً باسم “مستشفى عدن العام”، وكان الهدف خدمة أبناء عدن والمحافظات المجاورة. ومع مرور السنوات، تراجعت خدماته تدريجيًا حتى توقف عن العمل عام 2005م، لتغيب عن المدينة واحدة من أهم منشآتها الصحية، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة أعادت إليه حضوره ودوره. وفي أكتوبر 2018م، انطلقت أعمال إعادة تأهيل المستشفى وتجهيزه وتشغيله ضمن مشاريع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية، وبدعم وإشراف من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. وشملت الأعمال تطوير المبنى وتجهيزه بأحدث الأجهزة والمعدات الطبية، ليصبح صرحًا صحيًا متكاملًا يستجيب لاحتياجات القطاع الصحي في اليمن، وتم افتتاحه رسميًا في 10 مايو 2023م إيذانًا ببدء مرحلة جديدة من الخدمات الطبية النوعية، وجرى الافتتاح بحضور رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن السفير محمد آل جابر، في تأكيد على أهمية المشروع بوصفه أحد أكبر الصروح الطبية في عدن. وفي مارس 2024م، حمل المستشفى اسم “مستشفى الأمير محمد بن سلمان” بقرار من السلطات المحلية في عدن، في خطوة عكست التقدير للدور الذي تؤديه المملكة في دعم القطاع الصحي اليمني، ولما مثله المشروع من نقلة نوعية في مستوى الرعاية الصحية. واليوم، يمثل المستشفى أحد أبرز المراكز الطبية في اليمن، بعدما وفر خدمات علاجية تخصصية كانت تتطلب في السابق سفر المرضى إلى خارج البلاد. واستمر المستشفى في تطوير خدماته، ففي سبتمبر 2025م، تم تدشين أحدث الأجهزة الطبية التي زُوّد بها المستشفى، وفي مقدمتها أول جهاز أشعة مقطعية في اليمن يعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمخصص لتصوير القلب والأوعية الدموية بدقة عالية، بما يعكس مواصلة تطوير إمكاناته الطبية وفق أحدث التقنيات العالمية. وأسهمت إمكاناته الحديثة في تخفيف معاناة آلاف المرضى، وتقريب الخدمات الصحية المتقدمة منهم، ليغدو نموذجًا لمشروع تنموي يجمع بين البناء والتشغيل واستدامة الأثر، ويؤكد أن الاستثمار في الصحة هو استثمار في الإنسان ومستقبله. قدرات متقدمة تتجلى في زوايا مستشفى الأمير محمد بن سلمان فلسفةٌ هندسيةٌ وتقنيةٌ فائقة، حيث تم تجهيزه بنحو 2187 جهازاً ومعدةً طبيةً متطورة، تجعل منه درةَ المشاريعِ الصحية في اليمن، والحديثُ هنا ليس عن وفرةٍ عدديةٍ فحسب، بل عن جودةٍ نوعيةٍ استقطبت أحدثَ ما توصلت إليه التكنولوجيا؛ إذ يضمُّ المستشفى جهازَ أشعةٍ مقطعيةٍ يعملُ بتقنياتِ الذكاء الاصطناعي، وهو الأولُ من نوعه في اليمن، بقدرةٍ فائقةٍ على تصويرِ القلبِ والأوعيةِ الدمويةِ بوضوحٍ مذهلٍ حتى في الحالاتِ التي تتسارعُ فيها النبضاتُ لتصلَ إلى 138 نبضةً في الدقيقة. هذا التفوقُ التقني يمتدُّ ليشملَ مختبراً متكاملاً يرفعُ معدلاتِ فحصِ العيناتِ ويربطها بالأنظمةِ الداخليةِ بسرعةٍ قياسية، ما يقلصُ فتراتِ الانتظارِ ويمنحُ الأطباءَ دقةً تشخيصيةً تقتربُ من المثالية. وفي عمقِ هذا المرفق، يبرزُ “مركز القلب” كقلبٍ نابضٍ داخل الجسد، متفرداً بخدماتٍ علاجيةٍ وجراحيةٍ لم تكن متاحةً بهذا النطاقِ من قبل؛ فالمركزُ الذي يضمُّ غرفاً لعملياتِ القلبِ المفتوحِ والقسطرةِ التشخيصيةِ والعلاجية، أجرى بنجاحٍ أكثر من 7000 عمليةِ قلبٍ مفتوحٍ وقسطرة. هذا النجاحُ النوعيُّ لم يكن ليتحققَ لولا التكاملُ بين التكنولوجيا وبين 14 عيادةً متخصصةً تشملُ مختلفَ الضروبِ الطبيةِ من الأطفالِ والنساء والولادة إلى المسالكِ البوليةِ والأنفِ والأذنِ والحنجرة، إن المستشفى بقدرته الاستيعابيةِ البالغة 270 سريراً، يعملُ كخليةِ نحلٍ لا تهدأ، مدعومةً بإمداداتٍ ثابتةٍ من المستلزماتِ الطبية، وسكنٍ مجهزٍ للكوادرِ يضمنُ استمراريةَ العطاءِ بكفاءةٍ لا تعرفُ الكلل. أثـر مستدام حين تتحدثُ الأرقامُ في مستشفى الأمير محمد بن سلمان، فإنها لا تسردُ إحصاءاتٍ جافة، بل تروي حكايةَ ملايينِ الأرواحِ التي استعادت بسمتها؛ فقد تجاوزَ إجماليُّ الخدماتِ الطبيةِ المقدمةِ منذ بدءِ التشغيلِ عتبةَ الـ 3 ملايين خدمة، في حين تخطى عددُ المراجعاتِ الطبيةِ المليون ونصف المليون مراجعة في فترةٍ زمنيةٍ قياسيةٍ بين يناير 2023 وأغسطس 2024. هذه الأرقامُ، التي تتضمنُ إجراءَ أكثر من 19 ألف عمليةٍ جراحيةٍ متنوعة، تعكسُ حجمَ الثقةِ الهائلِ التي أولاها الشعبُ اليمنيُّ لهذا الصرحِ السعودي، حيث يستقبلُ المستشفى يومياً أكثر من 1000 مراجع، فيما يضيقُ مركزُ القلبِ وحده بما بين 400 إلى 600 مريضٍ يومياً، يجدون جميعاً رعايةً طبيةً مجانيةً كاملةً تخففُ عن كواهلهم أعباءً ماديةً ثقيلة. ولا تتوقفُ رسالةُ المستشفى عند حدودِ العلاجِ السريري، بل تتعداه لتكونَ منصةً حيةً لنقلِ الخبراتِ وتوطينِ المعرفةِ الطبية؛ فالمستشفى يحتضنُ البرنامج الطبي التطوعي بالتعاونِ مع مركزِ الملكِ سلمانِ للإغاثةِ والأعمالِ الإنسانية، حيث تشدُّ الكوادرُ الطبيةُ السعوديةُ الرحالَ إلى عدن لتقديمِ جراحاتٍ نوعيةٍ ومعقدةٍ في تخصصاتِ جراحةِ المخ والأعصابِ والتجميل والحروق، هذا الجهدُ التطوعيُّ لم يسهم فقط في خفضِ الاحتياجِ الإنساني، بل تحولَ إلى مدرسةٍ كبرى لتدريبِ الكوادرِ اليمنيةِ ورفعِ كفاءتها، وتطبيقِ اختباراتِ “البورد العربي” للجراحةِ العامة. المستشفى، بما يملكه من 116 ألف ملفٍ طبيٍّ نشط، يثبتُ يوماً بعد يوم أنه ليس مجردَ مشروعٍ تنمويٍّ عابر، بل هو استثمارٌ سعوديٌّ مستدامٌ في الإنسان، وشريانُ حياةٍ يمتدُّ من قلبِ المملكةِ ليغذي أجسادَ الأشقاءِ في اليمنِ بالصحةِ والرجاء. وقد سجل المستشفى حضوراً لافتاً من خلال استمرارية العمل تحت أحلك الظروف؛ إذ لم يتأثر بالصراعات والأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة عدن، وظل يعمل ليل نهار وبوتيرة عالية لتقديم خدماته المجانية للمرضى الوافدين من كافة المحافظات، مما عزز صورته كمنطقة آمنة ومستقرة للشفاء. الإنسان أولاً يظلُّ مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن الشاهدَ الأبرزَ على أن المملكةَ العربيةَ السعودية، بقيادتها الرشيدة، لا تكتفي بتقديمِ الدعمِ الإغاثيِّ العاجل، بل تبني صروحاً للمستقبل؛ فهذا المستشفى هو حلقةٌ في سلسلةٍ ذهبيةٍ من 265 مشروعاً ومبادرةً تنمويةً ينفذها البرنامجُ السعوديُّ لتنميةِ وإعمارِ اليمن في ثمانيةِ قطاعاتٍ حيوية. إنه تجسيدٌ لمبدأِ “الإنسان أولاً”، حيث تذوبُ الصعابُ التقنيةُ أمامَ إرادةِ الشفاء، وتتحولُ المشرطُ الجراحيُّ في أيدي الأطباء إلى قلمٍ يكتبُ فصولاً جديدةً من العافية؛ إن ما تحققَ في هذا الصرحِ هو انتصارٌ حقيقيٌّ للقيمِ الإنسانيةِ المشتركة، وتأكيدٌ على أن جسرَ العطاءِ السعوديَّ سيظلُّ دائماً معبراً آمناً لكل يمنيٍّ يبحثُ عن غدٍ مشرقٍ خالٍ من الأوجاع. ---- نائب وزير الصحة اليمني «لليمامة» : عطاء المملكة الصحي لليمن أوسع من أن يُحاط به. حوار فيصل بن محمد العواضي. تمثل وزارة الصحة العامة والسكان في اليمن نموذجاً ناصعاً للشراكة القائمة فعليا بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية منذ عقود مضت ،وقد توج العطاء السعودي في هذا الجانب بإنشاء مستشفى الأمير محمد بن سلمان في العاصمة المؤقتة عدن، والذي يقدم خدماته لكل اليمنيين على امتداد مساحة الجمهورية اليمنية شمالا وجنوبا ويعد مركز القلب التابع للمستشفى من أحدث المراكز المتخصصة في هذا الجانب ولاستطلاع الواقع الحالي وافاق الشراكة المستقبيلة مع المملكة العربية السعودية في المجال الصحي. كان لنا لقاء مع معالي الدكتور عبد الله محمد دحان نائب وزير الصحة العامة والسكان الذي تحدث في هذا الجانب قائلا: « الحقيقة أن الحديث عن الشراكة بين البلدين الجارين الشقيقين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية خاصة في مجال الصحة قد يحتاج إلى تفصيل طويل فمظاهر الشراكة كثيرة وقديمة ومتجددة . وأضاف معالي الدكتور دحان : « الأشقاءفي المملكة العربية السعودية كانوا ولا يزالون يقدمون الدعم الصحي المباشر لنا في بلادنا عبر الوزارة من خلال تقديم الخدمات الصحية لأبناء شعبنا اليمني في مختلف المحافظات منذ عقود فما مستشفيات صعدة وحجة والتي يطلق عليها مستشفيات السلام إلا نموذجاً لهذه الخدمة التي بدأت منذ أكثر من ثلاثين عاما ولا تزال تعمل وما ذلك إلا دليل على عظم تلك الخدمات وهذا يعتبر دعما مباشرا وهناك دعم غير مباشر يقدم من خلال دعم برامج وانشطة منظمة الصحة العالمية في بلادنا وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية العاملة في مجال الصحة لتمكينها من القيام ببرامجها وأنشطتها في الجمهورية اليمنية، وهناك دعم يتجسد بشكل متجدد كمثال على ذلك مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن فهو أولا من المستشفيات النموذجية بمعنى الكلمة بنوعية الخدمات المقدمة وفي عدد المستفيدين منها وفي آلية تقديم هذه الخدمات والضغط الجماهيري الكبير للحصول على خدمات المستشفى في عدن والذي لا تقتصر خدماته على أبناء اليمن في محافظة عدن بل لكل أبناء اليمن في مختلف المحافظات وهذا مما يزيد العبء على إدارة المستشفى والرعاة ،فمركز القلب في مدينة عدن وهو ملحق بمستشفى الأمير محمد بن سلمان كان يمثل بالنسبة لنا حلما بعيد المنال قبل ما يزيد عن خمس سنوات لكنه اليوم في عدن حقيقة ماثلة للعيان ويقدم خدماته المختلفة العلاجية والتداخلية غير الجراحية والجراحية في آن واحد وبنسبة نجاح عالية «. وتابع معالي نائب وزير الصحة اليمني : « ما نتمناه ونتطلع اليه خاصة مع وجود جهتين تقدمان الدعم لنا في وزارة الصحة متمثلتين في مركز الملك سلمان للإغاثة والاعمال الإنسانية وهو ما يغطي احتياجاتنا الطارئة لمواجهة الطوارئ الصحية ونحن منذ عام 2015 ونحن في طوارئ مستمرة ومتجددة ومختلفة سواء كان ذلك في مواجهة الحرب العسكرية خلال السنوات الماضية أو في مواجهة الأوبئة التي زاد انتشارها أو عاد ظهورها في مرحلة قريبة أو تلك المرشحة للظهور لذلك يعتبر مركز الملك سلمان للإغاثة الشريك الأساسي بل الشريك الأكبر لنا في موجهة هذه الطوارئ الطبية «. وأضاف : « اما الجهة الثانية الداعمة هو البرنامج السعودي لإعمار اليمن وهذا البرنامج منذ أن تشكل وبدأ اعماله في بلادنا وهو يرعى كثير من العمل التنموي في مجال الصحة ومن الأمثلة على ذلك مدينة الملك سلمان الطبية في المهرة والتي شارف إنشاؤها على الانتهاء وإن شاء الله ستبدأ أعمالها قريبا إلى جانب العديد من المستشفيات التي مولها البرنامج وسترى النور قريبا بإذن الله «. وأوضح معالي الكتور دحان : « لا أنسى هنا خطوة أقدم عليها البرنامج وهي خطوة هامة في طريق الشراكة بيننا وبين الأشقاء في المملكة العربية السعودية متمثلة في دعم وتبني صندق دعم الصحة في اليمن والذي تم التوقيع عليه في العام الماضي وتم إنشاؤه بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي في الأشهر القليلة الماضية وسيبدا أعماله قريبا بإذن الله «. واختتم معاليه قائلاً : « أن آفاق الشراكة بيننا وبين الأشقاء في المملكة متنوعة وواعدة باذن الله على قاعدة التكامل والعوامل المشتركة ثقافيا واجتماعيا وانسانيا والمصير المشترك الذي يربط البلدين. ------- المملكة تخدم الإنسان اليمني حتى في مناطق ميليشيا الحوثيين.. المستشفى السعودي في صعدة يفتح أبوابه لجميع اليمنيين منذ أربعين عاما. لا تبدأ الحكاية الصحية السعودية في اليمن من مستشفى محمد بن سلمان في عدن، وإن كان افتتاحه وتشغيله يمثلان محطة جديدة في مسار الدعم التنموي الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني. فقبل أن يصل المشروع الجديد إلى عدن، كانت مستشفيات سعودية تعمل منذ عقود في محافظات يمنية، وتقدم خدماتها الصحية مجانًا لليمنيين، بمن فيهم سكان مناطق تخضع لسيطرة ميليشيا الحوثي. وتكتسب هذه التجربة دلالتها الأبرز في مستشفى السلام السعودي بمحافظة صعدة، الذي أنشأته المملكة عام 1984م، إلى جانب مستشفى حجة السعودي الذي أنشئ عام 1996م، وما زالا يعملان حتى اليوم بتشغيل ودعم من المملكة، وفق ما أوضحه السفير محمد آل جابر، سفير خادم الحرمين الشريفين لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وتكشف استمرارية تشغيل المستشفيين، رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي شهدتها المحافظتان، عن مسار مختلف في التعامل مع الملف الصحي اليمني؛ إذ ظلت الخدمة الصحية منفصلة عن الاصطفافات السياسية، وحافظت المملكة على دعمها للمؤسستين باعتبارهما مرفقين يخدمان الإنسان اليمني أولًا. وفي صعدة، التي تعد أحد أبرز معاقل ميليشيا الحوثي، تحول مستشفى السلام السعودي إلى مؤسسة صحية ذات حضور راسخ في حياة السكان. وتقدم المستشفى خدماتها مجانًا، وتشمل مختلف مراحل الرعاية الطبية، من العيادات والفحوص والأدوية إلى العمليات والتنويم والطوارئ. وتعكس شهادات يمنيين عن المستشفى جانبًا من هذه الصورة. ويشير المواطن اليمني مختار الشيبة، في منشور له على منصة «فيسبوك»، إلى أن المستشفى يستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى والمراجعين سنويًا، ويشيد بمستوى النظافة والتنظيم وسلاسة الإجراءات، وبقدرة المستشفى على الاحتفاظ بملفات المرضى وتاريخهم الطبي لسنوات طويلة. وبعيدًا عن الانطباع الشخصي، تكشف هذه الشهادة عن عنصر أكثر أهمية في التجربة: الإدارة واستمرارية المؤسسة. فنجاح المرفق الصحي لا يرتبط بالمبنى أو التجهيزات وحدها، وإنما بمنظومة تشغيلية تحافظ على جودة الخدمة، وتنظم المواعيد والملفات، وتوفر الطوارئ، وتضمن استمرارية المرافق والخدمات المساندة. وهنا تكمن قيمة تجربة مستشفى السلام؛ فالمملكة لم تكتفِ بإنشاء منشأة صحية ثم تركها لمصيرها، وإنما استمرت في تشغيلها وإدارتها وتمويل خدماتها على مدى عقود، بما جعلها جزءًا من الحياة اليومية لسكان المحافظة. وتتسع الصورة مع مستشفى حجة السعودي، الذي يواصل تقديم خدماته في المحافظة منذ عام 1996م، رغم خضوعها كذلك لسيطرة ميليشيا الحوثيين. ويشير صالح الحكمي، مدير مكتب الأمين العام لمجلس الوزراء اليمني، إلى أن المستشفى السعودي المجاني في حجة يقدم مستوى من الخدمة لا يقل عن مستشفى السلام في صعدة، مؤكدًا أن المملكة واصلت دعم المستشفيين رغم الظروف والضغوط التي صاحبت سيطرة الحوثيين على المحافظتين. وبذلك لا تبدو المشاريع الصحية السعودية في اليمن مبادرات متفرقة، وإنما امتدادًا لمسار تنموي طويل بدأ قبل عقود، وتدرج من إنشاء المستشفيات وتشغيلها إلى تطوير منظومة صحية أكثر اتساعًا. وفي هذا السياق، فإن تجربة مستشفى السلام في صعدة تحديدًا تقدم دلالة تتجاوز أرقام الأسرّة وعدد المراجعين. فالمستشفى يعمل في محافظة تقع تحت سيطرة ميليشيا الحوثي، ومع ذلك ظلت أبوابه مفتوحة لليمنيين، بما يؤكد أن تقديم الرعاية الصحية لم يكن مرتبطًا بانتماء المريض السياسي أو موقفه من الصراع. وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها: حين تصل الخدمة الصحية إلى الإنسان في منطقة تسيطر عليها جماعة معادية للمملكة، فإن الرسالة تتجاوز حدود المساعدة الطبية إلى تكريس مفهوم مختلف للتنمية؛ تنمية ترى اليمنيين مجتمعًا واحدًا، وتتعامل مع احتياجاتهم الأساسية بعيدًا عن خرائط النفوذ والصراع. وقد لخّص السفير محمد آل جابر هذا التوجه بالقول إن المملكة تعمل لإرساء السلام وحسن الجوار والاستقرار في اليمن، في مقابل خيار الحرب الذي تتبناه جماعة الحوثي بدعم من إيران. وبينما تتواصل الحرب في اليمن، بقيت المستشفيات السعودية مساحة مختلفة عن الصراع: طبيب يعالج مريضًا، ومرفق يقدم دواءً، وغرفة عمليات تستقبل محتاجًا، وخدمة صحية لا تسأل المريض عن الجهة التي ينتمي إليها. من مستشفى السلام في صعدة عام 1984م، إلى مستشفى حجة عام 1996م، وصولًا إلى مستشفى محمد بن سلمان في عدن، تبدو الصورة أوضح: المملكة لا تنظر إلى الصحة باعتبارها استجابة مؤقتة للأزمة اليمنية، وإنما باعتبارها جزءًا من مسؤولية تنموية ممتدة تجاه الإنسان اليمني.