الوسط الإعلامي يودع مدير تحرير «اليمامة» الأسبق..
عبدالعزيز المنصور.. بصمة مهنية لا تُمحى من ذاكرة الصحافة.
فقدت الصحافة السعودية الزميل عبدالعزيز بن محمد المنصور، مدير تحرير «اليمامة» ونائب رئيس تحرير «الجزيرة» الأسبق، الذي توفي في الرياض يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، بعد مسيرة مهنية طويلة تنقّل خلالها بين عدد من المؤسسات الصحفية، وأسهم في أعمال تحريرية وإدارية تركت أثرها في الصحف التي عمل بها وفي زملائه وتلاميذه. ونعت وزارة الإعلام الفقيد، فيما عبّر وزير الإعلام معالي الأستاذ سلمان الدوسري عن حزنه لرحيله، مستذكرًا ما أمضاه من سنوات في خدمة الكلمة والعمل الصحفي، وما تركه من أثر طيب في نفوس زملائه ومحبيه. لم يكن الراحل من الصحفيين الذين ارتبط حضورهم بالظهور الإعلامي أو كثرة الكتابة بأسمائهم؛ فقد انصرف جانب كبير من عمله إلى ما يجري داخل غرفة الأخبار، حيث تتحدد قيمة المادة، وتُراجع النصوص، وتُصاغ العناوين، وتُتخذ القرارات التي ترسم صورتها النهائية قبل وصولها إلى القارئ. ولهذا استعاد عدد من مجايليه سيرته بوصفه واحدًا من الصحفيين الذين يصنعون الصحف من وراء الكواليس. من «اليمامة» إلى «الجزيرة» عمل المنصور في صحيفة «الرياض» صحفيًا فنيًا، وفي مجلة «اليمامة»، تولى مسؤوليات تحريرية متعددة، وكان مديرا للتحرير خلال فترة رئاسة الدكتور فهد العرابي الحارثي. وأشرف في المجلة على العديد من الصفحات والمواد ذات الاهتمامات الاجتماعية، وهي تجربة أتاحت له التعامل مع موضوعات تتطلب إعدادًا ومتابعة وتنسيقًا بين المشاركين. واستقطبه رئيس تحرير جريدة الجزيرة خالد المالك للعمل محررًا في الصحيفة، بعد تحولها إلى الصدور اليومي بمدة، ضمن مرحلة شهدت تطورًا في العمل الصحفي واتساعًا في متطلبات التحرير. وبعد انتقاله عن الصحيفة في مرحلة لاحقة، عاد إليها نائبًا لرئيس التحرير، ليتولى مسؤوليات أوسع في إدارة العمل التحريري. وقد رثاه المالك في مقالة أشار فيها ان لدى المنصور حس صحفي عالي المستوى، لا يدركه إلا من التصق بالعمل مع الزميل الراحل “فهو يُحسن تقدير مستوى المادة الصحفية، ويقيّمها، بحيادية كاملة، الهدف أن تظهر للقارئ بما تستحقه من اهتمام، وعناية بالإخراج، بحسب أهميتها، وفقاً لتقديراته التي نادراً ما تخطئ”. مهنية هادئة وعلاقات باقية في شهادته عن زميله الراحل، وصف الدكتور فهد العرابي الحارثي رئيس تحرير اليمامة الأسبق المنصور بأنه مثال للمهنية والانضباط والإخلاص والحرص على أداء المسؤوليات بجدية وهدوء. وأكد أن مكانته لم تكن محصورة في المناصب التي شغلها، بل امتدت إلى أخلاقه وحسن معاملته لزملائه وأصدقائه. كما وصفه الكاتب حمد القاضي بأنه كان يعمل بصمت ويتعامل برقي، مشيرًا إلى أن علاقتهما استمرت بعد انتهاء زمالتهما في «الجزيرة». وأكد الصحفي سليمان العقيلي ما عُرف به من حس مهني رفيع وانضباط إداري واضح، فيما استعاد زملاؤه جوانب من هدوئه وتواضعه وحرصه على إتقان العمل. مهارة في التحرير وصناعة العناوين من الشهادات التي تكشف أثر المنصور المهني، ما رواه الإعلامي محمد التونسي عن بداياته في الصحافة؛ إذ ذكر أن المنصور صاغ عنوان أول خبر له تصدّر الصفحة الأولى في صحيفة «الجزيرة»، خلال الأسبوع الثاني من عمله الصحفي. واستعاد التونسي هذه الواقعة بوصفها جزءًا من علاقة مهنية وإنسانية امتدت سنوات. أما داود الشريان، فرأى في رحيله مثالًا لغياب فئة من الصحفيين الذين يقوم نجاح الصحف على جهدهم، وإن لم يعرف القراء أسماءهم. وعبّر عن ذلك بقوله إن بعض الصحفيين «يصنعون الصحف ولا تصنعهم الصحف»، واضعًا المنصور ضمن هذه الفئة التي تتولى تهيئة العمل وإتقان تفاصيله، بينما تتجه الأضواء غالبًا إلى الأسماء الظاهرة. وفي شهادة نشرها الدكتور محمد عبدالله العوين، أوضح أن المنصور تولى مهام دقيقة في الصحف التي عمل بها، وكان من أبرزها الإشراف على مقالات الرأي وإجازة نشرها. تلاميذ المنصور ويبرز أثره كذلك في شهادات من عملوا معه في بداياتهم. فقد ذكر الدكتور عماد المديفر أنه تتلمذ على يديه في «اليمامة» منذ عام 1409هـ، وأنه وجد منه الدعم والتوجيه والتشجيع، مشيرًا إلى أن المنصور اقترح له اسم «عماد الوضاح». كما استعاد المستشار الإعلامي إبراهيم حمد الدعيلج سنوات عمله معه محررًا صحفيًا أثناء دراسته الإعلام في جامعة الملك سعود، مؤكدًا ما وجده منه من اهتمام ونصح ودعم. بناء التقاليد الصحفية وتكشف هذه الشهادات عن جانب أساسي من تجربة عبدالعزيز المنصور؛ فقد جمع بين الخبرة التحريرية والقدرة على إدارة التفاصيل، وبين المهنية في التعامل مع النصوص والحرص على علاقاته بزملائه. وهي صفات جعلت أثره حاضرًا لدى من عملوا معه، حتى إن لم يكن اسمه ظاهرًا على المواد التي أسهم في إعدادها. برحيل المنصور، تفقد الصحافة السعودية أحد العاملين الذين امتدت خبرتهم عبر أكثر من مؤسسة ومرحلة، وأسهموا في بناء تقاليد العمل التحريري داخل غرف الأخبار. وتبقى شهادات زملائه وتلاميذه مدخلًا لتوثيق تجربته، واستعادة ما قدمه للمهنة وللأجيال التي عملت معه.