عن رواية «لم نأكل التفاح» ولوحة «الكآبة» لإدفارد مونك ..

الزلازل التي لا تهدم المباني .

أثناء قراءتي لرواية «لم نأكل التفاح»، توقفت كثيرًا عند فكرة الزلزال الذي تناولته الكاتبة، والذي بدا لي أنه يتجاوز كونه حادثة طبيعية تسببت في انهيار المباني وتغيّر ملامح المكان. شعرت بأن الزلزال كان يحمل معنى آخر أكثر ألمًا، وهو ذلك الانهيار الذي يحدث داخل الإنسان عندما يمر بتجربة تجعله يعيد النظر في حياته، ويكتشف أن سنوات طويلة من عمره مضت وهو لا يزال يقف في المكان نفسه، ينتظر حياة كان يعتقد أنه سيعيشها يومًا ما. ما شدّني في الرواية هو الطريقة التي يمكن أن نقرأ بها الزلزال من خلال الشخصية الرئيسية، فالحدث لا يقتصر أثره على ما يحدث خارجها، وإنما يمتد إلى ما تحمله في داخلها من مشاعر وخيبات وأحلام لم تتحقق. وكأن الزلزال لم يأتِ ليغيّر شكل المكان فقط، بل ليوقظ شيئًا ظل ساكنًا داخلها لسنوات طويلة. وهنا شعرت بأن الكاتبة تطرح سؤالًا مؤلمًا حول قدرة الإنسان على مواجهة حياته، خصوصًا عندما يكتشف أنه أمضى سنوات طويلة متمسكًا بمرحلة لم يستطع تجاوزها. أعتقد أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى حدث كبير حتى يشعر بأن حياته قد انهارت، فأحيانًا تكفي لحظة واحدة يدرك فيها أن العمر مضى، وأنه لم يعش الحياة التي كان يتمناها. هناك أحلام ظل يؤجلها، وأشياء كان ينتظر حدوثها، وحياة تخيل أنه سيعيشها، لكنه يكتشف مع مرور السنوات أنه لا يزال في المكان نفسه. وربما يكون هذا الشعور أكثر قسوة من الفقد نفسه، لأن الإنسان هنا لا يحزن على شيء امتلكه ثم فقده، وإنما على حياة كاملة كان يتمنى أن يعيشها ولم تتحقق. ومن خلال هذه القراءة، وجدت أن الزلزال في الرواية يمكن أن يكون لحظة مواجهة بين الشخصية وماضيها، وبين ما كانت تطمح إليه وما أصبحت عليه. فهناك فرق كبير بين أن يتغير المكان من حولنا، وأن نكتشف أننا نحن من بقينا دون تغيير. وربما تكون هذه إحدى أكثر الأفكار التي أثرت فيّ أثناء القراءة، وهي أن الإنسان قد ينجو من الحدث الذي هزّ حياته، لكنه لا يستطيع بالضرورة النجاة من أثره النفسي، وقد يظل عالقًا عند اللحظة نفسها حتى بعد أن تستمر الحياة من حوله. وأثناء قراءتي تذكرت لوحة «الكآبة» للفنان النرويجي إدفارد مونك، ذلك الرجل الذي يجلس بالقرب من البحر غارقًا في أفكاره، بينما تبدو الحياة مستمرة من حوله. شعرت بأن هناك شيئًا يجمع بين هذا الرجل والشخصية الرئيسية في الرواية، فكلاهما، في قراءتي، يبدو وكأنه يعيش في زمن مختلف عن الزمن الذي يمضي من حوله. هناك شيء مؤلم في أن يكون الإنسان حاضرًا بجسده، لكنه يعيش في ذكرى لم يستطع تجاوزها، أو ينتظر شيئًا لم يتحقق. وكأن العالم كله يتحرك من حوله، بينما هو لا يزال في المكان نفسه. ولعل ما يجمع بين الرواية واللوحة هو ذلك الشعور بالعزلة الذي لا يرتبط بالضرورة بغياب الآخرين، وإنما بعجز الإنسان عن الخروج من عالمه الداخلي. ففي لوحة مونك لا نرى انهيارًا أو كارثة، وإنما نرى إنسانًا يبدو مستغرقًا في حزنه، وفي الرواية نجد أن الزلزال، رغم ما يحمله من دمار خارجي، يمكن أن يكشف عن انهيارات أخرى لا يراها أحد. وهنا يصبح المكان في العملين أكثر من مجرد خلفية للأحداث، بل وسيلة للتعبير عن الحالة النفسية للإنسان. ذكّرتني الرواية أيضًا بالعديد من الشخصيات التي قرأت عنها في الأدب الكلاسيكي، تلك الشخصيات التي ترفض أن تعيش زمنها، وتظل متمسكة بمرحلة معينة من حياتها، ليس لأنها كانت سعيدة فيها، وإنما لأنها لم تستطع التخلي عن الحياة التي كانت تتخيل أنها ستعيشها. وأعتقد أن هذا الشعور قد يمر به الكثير منا، عندما نستمر في انتظار أشخاص أو أحداث أو أحلام لم تعد موجودة إلا في خيالنا، لأن الاعتراف بانتهائها يعني أن نواجه حقيقة السنوات التي فقدناها ونحن ننتظر. لهذا لم أقرأ «لم نأكل التفاح» بوصفها رواية عن كارثة طبيعية فقط، بل قرأتها باعتبارها عملًا يتناول هشاشة الإنسان أمام الزمن والخيبات، وعن تلك اللحظات التي يكتشف فيها أنه لم يكن قويًا كما كان يعتقد. وربما تكون أهمية الزلزال في الرواية، بالنسبة لي، أنه لا يهدم المكان فقط، بل يضع الشخصية أمام حياتها، ويجبرها على النظر إلى كل ما حاولت تجاهله أو تأجيل مواجهته. ما يؤلمني في هذه الفكرة أن الإنسان قد يقضي عمره كله وهو ينتظر أن تبدأ حياته الحقيقية، دون أن ينتبه إلى أن حياته كانت تمضي بالفعل. وبينما كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعيش، كانت السنوات تمر، والأشياء تتغير، والناس يمضون في حياتهم، بينما ظل هو واقفًا عند اللحظة التي لم يستطع تجاوزها. وربما لهذا السبب لا تكون جميع الزلازل مدمرة للمباني، فبعضها يحدث في داخلنا، ولا يسمع أحد صوته، لكنه يتركنا أمام سؤال مؤلم: كم سنة من أعمارنا أضعناها ونحن ننتظر حياة لم نعشها؟ *البحرين