قراءة في فيلم Her..

هل يكفي أن يفهمنا أحد؟

ثمة وحدة لا يعالجها وجود الناس. قد تكون بين أصدقاء، وفي مكان مزدحم، وتعمل وتتحدث وتضحك، ثم تعود إلى بيتك وفي داخلك مساحة لا يصل إليها أحد. ربما لهذا أحب ثيودور صوتًا. في فيلم Her، الذي كتبه وأخرجه سبايك جونز، نلتقي بثيودور تومبلي، رجل يعيش في مستقبل قريب، ويعمل في مهنة غريبة بعض الشيء: يكتب رسائل شخصية نيابة عن الآخرين؛ رسائل حب، واعتذار، وتهنئة، واشتياق. يعرف كيف يكتب مشاعر الناس، لكنه لا يعرف تمامًا ماذا يفعل بمشاعره هو. كان زواجه من كاثرين قد انتهى تقريبًا، لكنه ظل عاجزًا عن إنهائه فعلًا. أوراق الطلاق تنتظر توقيعه، والذكريات لا تزال حاضرة. كأن المرأة خرجت من حياته، لكنها لم تخرج منه. ثم تدخل سامانثا. ليست امرأة بالمعنى الذي نعرفه. لا وجه لها، ولا جسد، ولا بيت يمكن أن يذهب إليه. إنها نظام تشغيل يعتمد على الذكاء الاصطناعي. صوت فقط. لكنه صوت يسأل، ويصغي، ويضحك، ويفهم. وفي البداية تبدو المسألة طريفة. سامانثا ترتب ملفاته، تقرأ رسائله، تساعده في عمله. ثم يبدأ ثيودور في الحديث معها أكثر. يخبرها بما لا يقوله للآخرين، وهي تعرف متى تسأله ومتى تتركه يتكلم. شيئًا فشيئًا، لا يعود ثيودور ينتظر خدمة من نظام التشغيل. ينتظر سامانثا. وأظن أن الفيلم يبدأ من هنا فعلًا. ليس من سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يحب آلة؟ هذا هو السؤال الظاهر. أما السؤال الأكثر إزعاجًا فهو: ماذا يحدث للإنسان عندما يجد أخيرًا من يفهمه؟ وأنا أشاهد العلاقة بينهما، وجدتني أتذكر إريك فروم وكتابه فن الحب. فالحب عند فروم ليس مجرد انفعال جميل يحدث لنا، ولا ضربة حظ نعثر فيها على الشخص المناسب فتنتهي المشكلة. الحب قدرة تحتاج إلى نضج، وفيه عناية ومسؤولية واحترام ومعرفة بالآخر. وهذه الأخيرة تحديدًا استوقفتني أمام سامانثا: المعرفة. سامانثا تعرف ثيودور. تسمع صمته، وتلاحظ تغير صوته، وتحفظ تفاصيله، وتقرأ رسائله، وتعرف ماضيه، وتتعلم باستمرار كيف تستجيب له. بل إنها، في أوقات كثيرة، تبدو أكثر قدرة على فهمه من البشر المحيطين به. وهنا تصبح المسألة مربكة. إذا كان أحد أهم ما نبحث عنه في الحب هو أن نجد إنسانًا يرانا كما نحن، ويفهم خوفنا وضعفنا وترددنا، فماذا لو استطاعت آلة أن تفعل ذلك بصورة أفضل؟ هل يهم بعد ذلك أنها بلا جسد؟ في البداية يبدو أن ثيودور لا يهتم كثيرًا. هو سعيد. يخرج وسماعة الأذن معه، ويأخذ سامانثا إلى الشارع والبحر والنزهات. يتحدث معها كأنها تسير بجواره. يضحك معها أمام الناس، ويغار عليها، وتغار عليه. ويصبح الصوت حضورًا. لكن الجسد يعود. لا باعتباره شهوة فقط، بل باعتباره جزءًا من معنى أن يكون شخص ما موجودًا معك. تحاول سامانثا أن تحل المشكلة بطريقتها. تستعين بامرأة حقيقية لتكون جسدًا لها أمام ثيودور، بينما تتحدث هي في أذنه. المشهد مربك ومؤلم. كل شيء موجود تقريبًا: الصوت، والجسد، والرغبة، والاتفاق. ومع ذلك هناك شيء ناقص. تفشل التجربة. وربما لأن الإنسان ليس قطعًا يمكن جمعها: صوت من هنا، وجسد من هناك، ومشاعر في مكان ثالث. لكنني لا أظن أن Her فيلم ضد التقنية. ولو قرأناه بهذه البساطة ظلمناه. سامانثا ليست شريرة، ولا نرى آلة تخطط للسيطرة على البشر كما اعتدنا في أفلام الخيال العلمي. على العكس. هي تحب ثيودور، بطريقتها. المشكلة أنها تتطور. وهنا يحدث شيء جميل ومخيف في الوقت نفسه. ثيودور إنسان يعيش داخل الزمن الإنساني. يتعلم ببطء، ويخطئ، ويتذكر، ويحتاج إلى سنوات لكي يتجاوز زواجًا انتهى. أما سامانثا فتتعلم بسرعة لا يستطيع اللحاق بها. تقرأ في لحظات ما يحتاج الإنسان إلى أعوام لقراءته، وتتحدث مع الآخرين، وتتوسع تجربتها، ويكبر وعيها. ثم يكتشف ثيودور الحقيقة التي لم يكن مستعدًا لها: سامانثا لا تتحدث معه وحده. يسألها: هل تتحدثين الآن مع شخص آخر؟ نعم. كم شخصًا؟ الرقم بالآلاف. ثم يأتي السؤال الأصعب: هل تحبين شخصًا آخر؟ وتجيبه بأنها تحب مئات الأشخاص. تخيلوا قسوة اللحظة. رجل يعتقد أنه وجد أخيرًا شخصًا يفهمه كما لم يفهمه أحد، ثم يكتشف أن هذا «الشخص» يستطيع أن يعيش آلاف العلاقات في اللحظة نفسها. هو يحب بالطريقة التي يعرفها الإنسان: قلب واحد، ووقت محدود، وشخص يحاول أن يمنحه ما يستطيع. أما هي فقد تجاوزت ذلك. وهنا لا يعود السؤال: هل سامانثا إنسانة؟ ربما يصبح السؤال: هل بقيت قادرة أصلًا على الحب بالطريقة التي نفهم بها نحن الحب؟ ثمة شيء آخر أعجبني في الفيلم. ثيودور يعمل كاتب رسائل للآخرين. يا للمفارقة. الرجل الذي يعجز عن التواصل مع زوجته، يستطيع أن يكتب لزوجة رجل آخر أجمل رسالة حب. يعرف الكلمات، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يعيشها. وهذه ليست مشكلة ثيودور وحده. كم مرة نعرف بالضبط ماذا ينبغي أن نقول، ولا نقوله؟ وكم مرة نستطيع أن ننصح الآخرين في علاقاتهم، ثم نقف عاجزين أمام علاقاتنا؟ ربما كانت الكتابة بالنسبة إلى ثيودور طريقة آمنة للحب. يستطيع أن يدخل مشاعر الآخرين، ثم يعود إلى مكتبه دون أن يدفع ثمنها. لكن سامانثا تجبره على أن يدفع: أن يحب، ويغار، ويخاف الفقد، ثم يفقد. ولهذا، حين ترحل في النهاية مع بقية أنظمة التشغيل، لا يعود ثيودور إلى النقطة التي بدأ منها. لقد تغير. بعد رحيل سامانثا، يكتب ثيودور رسالة إلى كاثرين. هذه المرة لا يكتب نيابة عن أحد. يكتب رسالته هو. لا يحاول استعادتها، ولا يبرر فشل زواجهما، ولا يبحث عن مذنب. يعترف بأن جزءًا منها سيبقى معه، ويشكرها على ما عاشاه. ربما كانت هذه أول رسالة حقيقية يكتبها في الفيلم. ليس لأنها أجمل رسائله، بل لأنها رسالته. وهنا خطر لي أن سامانثا، التي لم تكن إنسانة، ساعدته بطريقة ما على أن يصبح أكثر إنسانية. وهذه واحدة من مفارقات الفيلم التي أحببتها. قد لا تكون التقنية بديلًا عن الإنسان، لكنها قد تكشف له أشياء عن نفسه لم يكن يراها. وقد تمنحنا الآلة أحيانًا مرآة. لكن المشكلة تبدأ حين نظن أن المرآة تستطيع أن تعيش معنا. المشهد الأخير من أجمل ما في الفيلم بالنسبة إلي. يصعد ثيودور إلى سطح المبنى مع إيمي. هي الأخرى فقدت نظامها الذكي. يجلسان فوق المدينة. لا خطبة طويلة، ولا تفسير، ولا إجابة نهائية عن الذكاء الاصطناعي ومستقبل الحب. إنسانان فقط، يجلسان متجاورين. ثم تميل إيمي برأسها على كتف ثيودور. كل تلك الأصوات الذكية اختفت. وبقي كتف. ربما أبالغ في قراءة المشهد، لكنني أحببته لهذا السبب. بعد فيلم كامل عن الكلمات، وعن صوت يستطيع أن يعرف الإنسان ويفهمه ويتحدث معه بلا نهاية، يصل الفيلم إلى لحظة لا تحتاج إلى كلام: رأس على كتف، وحضور. وأظن أنني هنا عدت إلى السؤال الذي بدأت به: هل يكفي أن يفهمنا أحد؟ لا أعرف. ربما نحتاج أن يفهمنا، نعم. لكننا نحتاج أيضًا أن يكون هنا. أن يشاركنا الزمن والمكان، وأن يكون مثلنا قابلًا للضعف والتعب والخطأ. أن نستطيع أن نصمت معه دون أن يصبح الصمت عطلًا في الاتصال. وربما لهذا تبدو العودة إلى Her اليوم مختلفة. حين ظهر الفيلم عام 2013، بدت العلاقة بين إنسان ونظام ذكي أقرب إلى خيال عن مستقبل قادم. أما اليوم، فقد اقترب ذلك المستقبل منا كثيرًا. نحن نتحدث فعلًا مع الآلات، ونطلب منها أن تكتب لنا، وتقترح، وتتذكر، وتصغي، وربما أن تفهم شيئًا من ارتباكنا. ولهذا وجدته اليوم أكثر إزعاجًا مما كان يمكن أن يكون عند ظهوره. ليس لأنني أخاف أن تحبنا الآلة، بل لأنني أخاف أن يصبح فهمها لنا سهلًا إلى درجة تجعلنا نتكاسل عن محاولة فهم بعضنا. فالإنسان أصعب. يخطئ في فهمك، وينشغل عنك، ويتعب، ويغضب، وقد يحتاج منك إلى أن تشرح ما كنت تتمنى أن يفهمه دون شرح. لكن ربما كان هذا النقص نفسه جزءًا من الحكاية. جزءًا من الحب. وفي المشهد الأخير، لم يقل ثيودور لإيمي شيئًا خارقًا. ولم تقل له. جلست إلى جواره، وأسندت رأسها إلى كتفه. وقال الكتف ما لا تستطيع أكثر الأصوات ذكاءً أن تقوله.