من أدب القضاة.

يرتبطُ غالبا اسم (القاضي) في الأذهان بالصرامة، والوجوم، والنصوص القانونية الجافة، والوقوف عند حدود اللفظ والعدل. لكن التاريخ الأدبي يكشف لنا وجها آخر غاية في الرقة والجمال؛ وجهاً يضع فيه القاضي ميزان العدل جانباً ليمسك بريشة الشاعر. فأدب القضاة ظاهرة فريدة في الثقافة العربية، حيث امتزجت حكمة الأحكام بجمال القوافي، فجاء شعرهم مرآةً لنفوسٍ صقلتها التجارب وهذّبها النظر في مصير البشر فأدبهم منذ فجر الإسلام يمشي إلى جوار القَضاء، كظلٍّ لا يفارقُ صاحَبه، وكأنَّ في محرابِ العدالةِ قلبًا آخرَ يعدل كفةَ ميزانها. فهناك الكثير من الكتب التي خلدت سيرتهم الأدبية فذكروا مآثرهم شعرا ونثرا. فأدب القضاة ليس كأي أدب.. هو أدبُ العدل حين يتكلم، والحكمةِ حين تتجلى ، والوقارِ حين تثنيه سطوةُ المشاعر. وكيف لا؟ فللقضاة قلوبٌ تشهق وعيونٌ تَشْرَقُ وآذانٌ تَعشَق. فلا عجبَ إن عشقوا، ففي عشقهم عفةٌ ولأحكامهم العاطفيةفي أدبهم قِصاص عادلٌ. يقول القاضي عبد الوهاب المالكي الفقيه المشهور ونائمةٍ قبَّلتها فتنبهت وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحدِّ فقلت لها إني (فديتُكِ) غاصبٌ وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيها وكُفّي عن أثيمٍ ظُلامةً وإن أنت لم ترضيْ فألفاً على العد فقالت: قِصاصٌ يشهدِ العقلُ أنه على كبد الجاني ألذُ من الشهد فالقاضي ليس رجلاً جافٌا لا يعرف إلا “حَكَمْنا” و “ألْزَمْنا” و “رُدتْ دعواه”.. والحقيقة غير ذلك تماماً؛ فالقاضي أرقُ الناس قلباًً فهو يرى مآسي الناس كل يوم، فيضطر أن يخبئَ رقته وراء كرسي القضاء . فلا تعجبوا إذا سمعتم قاضياً يقول شعراً في الحب.. فالقاضي الذي لا يحب.. لا يمكن أن يَعدِل، فالعدل أساسه الرحمة، والرحمة أساسها الحب. عُوتبَ الشيخ القاضي علي الطنطاوي رحمه الله من أحد المشايخ المتزمتين قائلا له: مالك والحب، وأنت شيخٌ و قاضٍ، ولا يليقُ بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب، أو يتطرقوا للغزل؟! إنما يليق ذلك بالشعراء والأدباء فقط فضحكت، وقلت له: (أما قمتَ مرة في السحر، فأحسست بنسيم الليل الناعش، وسكونِه الناطق..، وجمالهِ الفاتن، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها، ولا طاقة لك على وصفها؟ أما خلوت مرة بنفسك تفكر في الماضي فتذكر أفراحه وأتراحه، وإخوانا كانوا زينة الحياة فطواهم الثرى، فوجدت فراغا في نفسك، تفتش عن هذا الماضي الذي ذهب ولن يعود؟ أما قرأت مرة قصةً من قصص الحب، أو خبراً من أخبار البطولة فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك؟ أما أبصرت في الكون روائع الجمال؟ فمن ذا الذي يصور مشاعرك هذه؟ ومن ذا الذي يصفُ لذائذكَ النفسيةَ وآلامَك وبؤسَك ؟) فكم من قاضٍ كان له الشعر كجذع نخلةٍ يستند إليه حين يثقله عناء المرافعات ، فإذا به يهزُّه ذلك الشعور ليتساقط عليه من رُطَب الشعر أجناه وكم من قاض استطاع أن يحمل في يدٍ مَيزان القضاء، وفي اليد الأخرى قَلم الشاعر، فنرى فيه القاضي بعين الشاعر، ونقرأ الشاعر بعين القاضي، وكيف يمكن للعدل أن يسكن القصيدة، وكيف يمكن للقصيدة أن تمنح العدلَ قلبًا رقيقا. فالقاضي التَّنُوخي كان إذا ضاق به القضاء، فرّ إلى الشعر ؛ فكتب غزلاً يُبكي الحجرَ لرقته. القضاء مهنةٌ شاقةٌ نفسياً، والشعر كان بمثابة متنفس لهؤلاء القضاة للتعبير عن همومهم الإنسانية بعيداً عن جفاف القوانين ودعاوى المدعين وبعيدا عن الهجاء المقذع، أو الغزل الفاحش، أو التكسب بالمدح، ولهذا تجد بعض المصلحات القضائية في شعرهم وهذا بفعل تأثير الأحكام على شخصيتهم ودورهم القضائي يقول أحد القضاة : بَكَتْ فَرَمَتْ دُرّاً مِنَ الدَّمْعِ سَاقِطاً وَأَبْكَتْ عُيُوناً بِالْبُكَا غَيْرَ تَعْوِيدِ فَقُلْتُ لَهَا: هَاتِي شُهُوداً عَلَى الْهَوَى فَقَالَتْ: دُمُوعِي في الْخُدُودِ شُهُودِي وأدبنا العربي يزخر بالقضاة الأدباء كأبي الأسود الدؤلي والقاضي علي الجرجاني صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، و الإمام الشافعي الذي يقول: لولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد وفي منطقة جازان نَجدُ علي بن محمد السنوسي المعترف بسطوة الشعر عليه: والشِّعرُ جيّاشٌ بقلبي ما لَهُ من دافعٍ وهُوَ الأبيُّ المُصْدِمُ ورأيتُ نفسي كلَّما نَهْنَهْتها شَمخت و ظلَّتْ في حِماهُ تُحَوِّمُ وكذلك القاضي الأديب أحمد عبد الفتاح الحازمي القائل : رفقًا بقلبي أيُّها الظَّبي الأغنْ وبنا رويدًا يا غُزَيلات الوطنْ أنوافرٌ عن ربعنا ونواكثٌ ميثاقَنا وغوافلٌ عن ودِّ منْ يدري بأنَّ البِرَّ كتمان الهوى ودموعُه شهدت عليه بما أجن يا مُخجلَ الغصن الخصيب إذا انثنى يا مُعرضًا بالصَّدِّ مَنْ أغراك من؟ أدباء القضاء كثيرون، ودواينهم أثرت أرفف المكتبات لكن انتهيت إلى ذكر بعض منهم وفي يقيني أنني ما اكتفيت.