ليس هناك أكثر إثارة للتأمل من إنسان اتسع ضميره لآلام العالم، ثم أصاب لسانه الخرس حين امتد أذى الحوثي إلى الأرض السعودية؛ أرض طالما كانت للخير والإنسانية سندا، وللملهوف عونا. غير أن تلك الإنسانية المعلنة تضيق أحيانا عن إنصاف الأبرياء الذين طالتهم الاعتداءات، مهما اختلفت جنسياتهم. فأي قيمة للمبدأ إذا كان صاحبه ينتقي من يستحق إنصافه؟ استحضرت هذا المعنى وأنا أتابع ما أبرزته «إم بي سي» من حديث ياسر المدخلي في برنامج «من إلى» عن «نجوم الصمت»، حين أكد أن السعودية، حكومة وشعبا، ليست بحاجة إلى كلمة أو موقف من أحد. وفي عبارته ما يتجاوز عتاب المشاهير؛ فالوطن الذي يعرف قدره لا ينتظر من الآخرين أن يعرفوه به. لكن استغناءه عن شهاداتهم لا يعفي من يتحدث باسم الإنسانية من واجب الإنصاف. ليس الصمت، في ذاته، دليلا على غياب الضمير؛ فقد يصمت المرء تورعا عن قول لا يعرف حقيقته. أما حين تتفاوت مواقفه المعلنة بتفاوت هوية المتضرر وحسابات الجمهور، فإن السؤال يتصل بصدقية المبدأ لا بمجرد غياب الصوت. فالمبدأ الذي يحتاج إلى معرفة أسماء الضحايا وجنسياتهم قبل أن يستيقظ، يستحق أن نسأل عن مقدار ما بقي فيه من إنسانيته. شهد العالم اعتداءات الحوثي على المدنيين والمرافق المدنية السعودية. وحق الإنسان في الأمان لا يتبدل بتبدل الجغرافيا؛ فالاعتداء على الأبرياء لا يفقد قبحه حين يقع على أرض المملكة، سواء طال مواطنا أو مقيما أو زائرا. ولا يحتاج إنصاف الضحايا إلى اتفاق سياسي يسبقه. أما السعودية، فقد كان الدفاع عنها قائما قبل هذه الاعتداءات، وسيظل واجبا بعد انقضائها. ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، تمضي المملكة في مشروع وطني يجعل أمن الإنسان أساسا للبناء. ورؤية السعودية 2030 تعبير عن إرادة دولة تستقل بقرارها، وتصون حياة من يعيش على أرضها، وتتقدم بمقدراتها نحو مستقبل يشارك أبناؤها في صنعه. وقوة المملكة حاضرة في مؤسساتها وما تتيحه للناس من حياة آمنة وفرص تتسع للأجيال، مثلما هي حاضرة في حمايتها لأرضها. ومحبة الوطن تحمل الكاتب والمثقف على معرفة تاريخه ومصالحه، والنظر في الوقائع بوعي يليق بما يدافع عنه. فالقلم الذي يفهم السعودية ويعرف ما تصونه لأجيالها يمنح اعتزازه بها حجة تبقى بعد خفوت الحماسة. والدفاع عن الوطن أوسع من المواجهة؛ فاستمرار المؤسسات في عملها، وإخلاص الناس في مواقعهم، والتثبت من الشائعات، يحفظ للناس طمأنينتهم وثقتهم بما تبنيه بلادهم. فنحن حين ندافع عن السعودية، نصون أرضا نعتز بسيادتها، وحياة نأمن في رحابها، ومستقبلا نثق بقدرتنا على صناعته. قد يبلغ صوت المشهور جمهورا واسعا، إلا أن الشهرة لا تعفيه من تبعات ما يعلنه من مبادئ. لا ينقص صمته من قدر السعودية، ولا يقرر من يستحق الإنصاف؛ إلا أنه يضع صدقية خطابه أمام سؤال لا تجيب عنه أعداد المتابعين. السعودية، بقيادتها وشعبها، لم تبن مكانتها بما قيل عنها، وإنما بما قدمته للإنسان وما تمضي في صنعه لمستقبل أبنائها. لذا حين تصبح محبتها مسؤولية يحملها كل منا في عمله وكلمته وموقفه، يغدو السؤال أعمق من صمت المشاهير: ماذا يبقى من محبتنا للسعودية إن لم نجعل لها في أفعالنا ما يليق بعظيم قدرها في قلوبنا؟ * أكاديمي وكاتب سعودي