رائد صحفي وشاعر دعا مبكرا لإنشاء المكتبة الوطنية..
عمران العمران.. مسيرة حافلة بين الصحافة والأدب والعمل العام.
نعى وزير الإعلام سلمان الدوسري الأديب والصحفي عمران بن محمد بن حمد العمران، مستذكرًا ريادته في الصحافة والأدب، وإسهامه في خدمة وطنه عبر العمل الحكومي، وما تركه من أثر إعلامي وإرث أدبي يوثّقان مسيرة عطائه وتعدد مجالات اهتمامه. وكتب معالي وزير الاعلام عبر حسابه في منصة «إكس»: “رحم الله الأستاذ عمران العمران، أحد رواد الصحافة والأدب في المملكة، وأول رئيس تحرير لصحيفة الرياض، خدم وطنه في العمل الحكومي، وترك أثرًا إعلاميًا وإرثًا أدبيًا يبقى شاهدًا على رحلة عطائه” وبرحيل العمران، وهو عضو الجمعية العمومية لمؤسسة اليمامة الصحفية وأول رئيس تحرير لجريدة الرياض وعضو سابق في مجلس الشورى، الذي توفي السبت 10 أكتوبر 2026 عن عمر ناهز 93 عامًا، تفقد الصحافة السعودية أحد الذين شاركوا في بناء مؤسساتها الأولى، فيما يستعيد المشهد الثقافي تجربة جمعت بين الصحافة والشعر والبحث في التراث والكتابة الفكرية والاجتماعية. لم يكن العمران اسمًا عابرًا في تاريخ الصحافة السعودية؛ فقد تولى رئاسة تحرير صحيفة «الرياض» مع صدور عددها الأول في الأول من مايو 1965، ليكون أول من يشغل هذا المنصب، في مرحلة تأسيسية شهدت انطلاق الصحافة اليومية في العاصمة، وبداية تكوين تقاليد مهنية أسهمت في تشكيل أجيال من الصحفيين والكتّاب. من «اليمامة» إلى «الرياض» بدأ العمران الكتابة الصحفية عام 1371هـ، ونشر في صحيفتي «البلاد» و«اليمامة»، وعمل إلى جانب الشيخ حمد الجاسر، مؤسس «اليمامة»، وتولى مهام تحريرية في الصحيفة. وقد أتاح له هذا الاحتكاك المبكر أن يجمع بين المعرفة الأدبية والممارسة الصحفية، قبل أن يتولى مسؤولية تحرير «الرياض» عند انطلاقتها. واستعاد الإعلامي داود الشريان أثر العمران في الصحافة، واصفًا إياه بأحد الآباء المؤسسين للصحافة في منطقة الرياض، ومشيرًا إلى دوره في بناء صحيفة تخرّج فيها عدد من أبرز الصحفيين السعوديين. واختصر الشريان هذه التجربة بعبارة دالة: «لم ينشغل بصناعة اسمه، صنع أسماء كثيرة». وتكشف هذه الشهادة عن جانب أساسي من قيمة العمران المهنية؛ إذ لم تتوقف مسؤوليته عند إدارة صحيفة ناشئة، بل امتدت إلى الإسهام في بيئة صحفية أتاحَت للكتّاب والصحفيين فرص العمل والتجربة والتطور. وظلت علاقته بـ«الرياض»، الجريدة، حاضرة في ذاكرته بعد سنوات طويلة من مغادرتها. ففي لقاء نشرته الصحيفة عام 2022، عبّر عن اعتزازه بها قائلًا: «الرياض لها مكانة في نفسي كبيرة»، مستعيدًا بداياتها وما رافق مرحلة التأسيس من جهود لبناء صحيفة يومية وترسيخ حضورها. شاعر وباحث في ذاكرة اليمامة إلى جانب الصحافة، امتلك العمران تجربة أدبية وبحثية مبكرة. وُلد في الرياض عام 1352هـ، وتخرج في الدفعة الأولى من كلية اللغة العربية بالرياض عام 1377هـ، ثم حصل على دبلوم الدراسات الأدبية واللغوية من معهد الدراسات العربية العليا بالقاهرة عام 1380هـ. وفي الشعر، أصدر ديوانه «الأمل الظامئ»، ثم «من وحي السنين»، وكتب المقالات الفكرية والاجتماعية التي جمع جانبًا منها في مؤلفاته، ومنها «شؤون وآراء» و«حديث عابر» و«هوامش أدبية». أما في البحث الأدبي، فقد انشغل بتاريخ الشعر في اليمامة، وأصدر كتاب «من أعلام الشعر اليمامي» في الرابعة والعشرين من عمره، كما درس حياة الشاعر ابن المقرّب الأحسائي وشعره. ويبرز في هذا الجانب اهتمامه بتوثيق أعلام من الذاكرة الشعرية المحلية، وإبراز صلتهم بتاريخ الأدب العربي. واستعاد الكاتب حمد القاضي هذه الجوانب من تجربته، مشيرًا إلى تعدد إسهاماته بين الصحافة والشعر والدراسات الأدبية والكتابات الاجتماعية والوطنية، فضلًا عن تواضعه وحسن تعامله وابتعاده عن الأضواء. دعوة مبكرة إلى إنشاء مكتبة وطنية ومن المحطات التي تكشف عن اهتمام العمران ببناء المؤسسات الثقافية مقاله «متى تنشأ دار الكتب السعودية؟»، المنشور في صحيفة «اليمامة» في 17 يوليو 1957. دعا العمران في مقاله إلى إنشاء مكتبة في الرياض على غرار دار الكتب المصرية، بما يتيح للقراء والباحثين الوصول إلى مصادر المعرفة ويحفظ الكتب بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية. وتكشف هذه الدعوة المبكرة عن اهتمام يتجاوز حدود الكتابة والإبداع إلى التفكير في المؤسسات التي تحفظ المعرفة وتتيحها للأجيال. كما شارك في تأسيس النادي الأدبي بالرياض، جامعًا بين الكتابة والممارسة الثقافية والإسهام في بناء المؤسسات المعنية بالأدب. من الثقافة إلى العمل العام امتدت مسيرة العمران إلى العمل الحكومي؛ إذ تولى مسؤوليات إدارية متعددة، من بينها إدارة مصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض بين عامي 1977 و1992، كما شغل عضوية مجلس الشورى في دورتيه الأولى والثانية. ويضيف هذا المسار بعدًا آخر إلى سيرته؛ فقد جمع بين العمل الصحفي والأدبي والمسؤولية الإدارية، وظل اهتمامه بالثقافة حاضرًا في مسارات حياته المختلفة. وقد عبّر معالي وزير الإعلام في نعيه عن هذا التنوع، مستذكرًا خدمة العمران لوطنه في العمل الحكومي، إلى جانب أثره الإعلامي وإرثه الأدبي. وهي جوانب تتكامل في رسم صورة رجل شارك في مرحلة مبكرة من تاريخ المؤسسات الصحفية والثقافية السعودية، وترك إنتاجًا يستحق الاستعادة والتوثيق. برحيله، فقدت الصحافة السعودية أحد روادها، وفقد الأدب السعودي شاعرًا وباحثًا أسهم في توثيق جانب من ذاكرته.