في قصر دارين..

حكاية وطن يجددها التاريخ.

اعتزاز الإنسان بوطنه لا يكتمل بمعرفة حاضره ومنجزاته فقط، بل يحتاج كذلك إلى معرفة الطريق الطويل الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم. والتاريخ الوطني، في هذا المعنى، ليس مجرد تواريخ للمعارك والمعاهدات أو أسماء للقادة؛ إنه أيضًا حكايات المدن والقرى والموانئ والبيوت القديمة، وقصص رجال عاشوا مراحل التحول وأسهموا، كل من موقعه، في صناعة زمنهم. ولهذا تبدو العودة إلى بعض الأماكن التاريخية أكثر من مجرد زيارة لموقع تراثي. فالمكان أحيانًا يحتفظ بطبقات من الذاكرة تكشف كيف تشكل الوطن، وكيف تقاطعت حياة الناس العادية مع الأحداث الكبرى. وكلما تعرف المواطن على هذه التفاصيل، أصبح ارتباطه بتاريخ بلاده أعمق؛ لأنه يرى التاريخ قريبًا منه، في مدينته أو قريته أو أسرته أو في مكان ربما مر به عشرات المرات دون أن يعرف ما شهده من أحداث. ومن هذه الأماكن جزيرة دارين في المنطقة الشرقية، حيث يقف قصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية. والقصر ليس مجرد مبنى تراثي قديم يطل على الساحل، وإنما نافذة على عالم اقتصادي واجتماعي كان البحر في قلبه، وكانت تجارة اللؤلؤ وحركة السفن بين موانئ الخليج والهند من أهم ملامحه. وكان الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني من تجار اللؤلؤ المعروفين في ذلك العصر، وتذكر المصادر الرسمية أنه أعاد بناء قلعة دارين سنة 1303هـ/1886م، وأقام قصره على أساساتها السابقة، حتى ارتبط المكان باسمه وأصبحت القلعة تعرف أيضًا بقصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب الفيحاني. بالنسبة لي، وأنا أحد أحفاد الشيخ جاسم الفيحاني، فإن العودة إلى هذا المكان تتجاوز بطبيعة الحال القيمة العمرانية للقصر أو ارتباطه بتاريخ تجارة اللؤلؤ. ففي مثل هذه الأماكن تتقاطع الذاكرة العائلية مع الذاكرة الوطنية، وتصبح قصة الأسرة مدخلًا لفهم زمن كامل عاشته المنطقة، حين كانت التجارة والقبيلة والسياسة والبحر والعلاقات بين مجتمعات الخليج تتحرك في فضاء واحد شديد التشابك. ومن أكثر الأحداث إثارة في تاريخ القصر استضافته الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود وأبناءه أثناء رحلتهم إلى الكويت في أواخر القرن التاسع عشر. وكان بين أبنائه عبدالعزيز؛ ذلك الشاب الذي ستتغير بعد سنوات قليلة خريطة الجزيرة العربية على يديه. وهنا تحديدًا تتحول زيارة المكان إلى تأمل في حركة التاريخ. عبدالعزيز الذي مر بدارين شابًا بصحبة والده في مرحلة كانت أسرته تنتقل فيها إلى الكويت، سيعود اسم دارين بعد نحو ربع قرن ليرتبط به مرة أخرى. لكن الرجل هذه المرة لم يعد ذلك الفتى المسافر مع أسرته؛ فقد استعاد الرياض، ورسخ سلطته في نجد، وضم الأحساء، وأصبح قوة سياسية متنامية بدأت القوى الإقليمية والدولية تتعامل معها باعتبارها حقيقة جديدة في الجزيرة العربية. وفي 26 ديسمبر 1915م وقع الملك عبدالعزيز في دارين مع بريطانيا الاتفاقية التي عرفت تاريخيًا باسم «معاهدة دارين»، ومثل الحكومة البريطانية فيها السير برسي كوكس، المعتمد السياسي البريطاني في الخليج. وكانت الحرب العالمية الأولى مشتعلة، والدولة العثمانية طرفًا فيها، وأصبحت الجزيرة العربية والخليج جزءًا من حسابات وتوازنات دولية شديدة التعقيد. أهمية هذه المحطة لا تكمن في نص المعاهدة وحده، وإنما في دلالتها على تطور مشروع عبدالعزيز السياسي. فقد كانت سلطته على الأرض تتسع، وأصبح التعامل معه ينتقل تدريجيًا من الإطار المحلي إلى الاعتراف السياسي الخارجي. وتشير دارة الملك عبدالعزيز إلى أن لقبه بعد معاهدة دارين أصبح «حاكم نجد والأحساء والقطيف والجبيل وما يليها ورئيس عشائرها»، وهو وصف يعكس اتساع سلطته في تلك المرحلة. ومن المهم أن نقرأ هذه المعاهدة، مثل غيرها من الأحداث التاريخية، ضمن ظروف زمنها لا بمقاييس العلاقات الدولية في عالمنا اليوم. فالملك عبدالعزيز كان يبني دولة وسط بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وكان يعرف أن القوة العسكرية والسيطرة على الأرض ليستا الأداتين الوحيدتين لبناء الدول؛ فهناك أيضًا السياسة والتفاوض وفهم موازين القوى والقدرة على التعامل معها بما يحمي المشروع الوطني ويمنحه فرصة للاستمرار. وهذه واحدة من السمات المهمة في تجربة الملك المؤسس. فقد تحرك بين أدوات متعددة تبعًا للمرحلة والظروف، ومع توسع الدولة تغيرت طبيعة علاقاتها الخارجية ومكانتها السياسية. وبعد ضم الحجاز وتغير موازين القوة والواقع السياسي، جاءت معاهدة جدة عام 1927م لتؤسس مرحلة جديدة في الاعتراف بالدولة التي كان عبدالعزيز يبنيها. لهذا تبدو دارين مكانًا صغيرًا جغرافيًا، لكنه يحمل ذاكرة أكبر بكثير من مساحته. ففي مكان واحد تقريبًا نستطيع أن نقرأ مراحل متتابعة من تاريخنا: عصر تجارة اللؤلؤ والاقتصاد البحري القديم، وتحولات مجتمع الخليج، ومرحلة من حياة أسرة آل سعود، ثم محطة من محطات مشروع الملك عبدالعزيز لبناء الدولة، وصولًا إلى مرحلة المؤسسات الحديثة، إذ أصبحت دارين لاحقًا موطنًا لأول مطار عسكري في المملكة. بين القصر والمعاهدة والمطار تختصر دارين شيئًا من قصة التحول السعودي نفسه: من مجتمع الجزيرة والخليج القديم، إلى مشروع توحيد البلاد، ثم إلى تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة. وهنا تكمن، في تقديري، القيمة الحقيقية للمواقع التاريخية. فنحن لا نحافظ عليها من أجل المباني وحدها، ولا لأن الماضي ينبغي أن يتحول إلى متحف كبير، وإنما لأنها تساعد الأجيال على رؤية التاريخ في مكانه الحقيقي. عندما يقف الشاب السعودي أمام قصر أو حصن أو ميناء قديم ويعرف من عاش فيه، ومن مر به، وما الأحداث التي جرت حوله، فإن تاريخ وطنه ينتقل من صفحات الكتب إلى شيء يستطيع أن يراه ويلمسه ويتخيله. والاعتزاز بتاريخ الوطن لا يحتاج إلى مناسبة سنوية كي نستحضره. إنه معرفة مستمرة بقصة الدولة والمجتمع، وإدراك أن ما نراه اليوم لم يولد فجأة، وإنما هو حصيلة مسيرة طويلة شارك فيها القائد والجندي والتاجر والبحار، وأسهمت فيها المدن والقرى والموانئ والأسر والقبائل. من هنا يستحق قصر الفيحاني في دارين أن يبقى شاهدًا لا على تاريخ أسرة وحدها، وإنما على صفحة من تاريخ وطن. وربما تكون أجمل طريقة للاعتزاز بتاريخ بلادنا هي أن نبحث عن مثل هذه الصفحات، وأن نعيد روايتها للأجيال الجديدة؛ لأن الأوطان تصبح أكثر حضورًا في وجدان أبنائها حين يعرفون كيف تشكلت، ومن صنع تاريخها، وكم من الحكايات الصغيرة اجتمعت حتى صنعت الحكاية الكبرى: المملكة العربية السعودية.