المكتبة السعودية..

من رفوف الكتب إلى ذكاء المعرفة.

لم تعد معركة المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي مع نقص الكتب، بقدر ما أصبحت معركة مع وقت القارئ وطريقة وصوله إلى المعرفة. فالقارئ اليوم لا ينتظر بالضرورة أن يصل إلى رف المكتبة؛ بل يحمل مكتبة كاملة في هاتفه، ويبحث، ويقرأ، ويستمع، ويشاهد، ويتلقى توصياته المعرفية عبر خوارزميات تتنافس على انتباهه. ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لم يعد: كيف نحافظ على المكتبة؟ وإنما: كيف نعيد تعريف المكتبة لتصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة الرقمية للإنسان؟ هذه ليست دعوة إلى استبدال الكتاب الورقي بالكتاب الرقمي، ولا إلى إحلال الذكاء الاصطناعي محل أمين المكتبة، وإنما إلى الانتقال من مفهوم المكتبة بوصفها مكانًا لحفظ الكتب وإعارتها، إلى مفهوم أكثر اتساعًا: المكتبة بوصفها بنية تحتية وطنية للمعرفة. القارئ تغيّر.. والمؤشرات تقول ذلك تقدم المؤشرات الحديثة صورة تستحق التوقف. ففي دراسة وطنية عُرضت ضمن فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب 2025، شملت 1,489 مشاركًا من مناطق المملكة، بلغ متوسط الوقت الذي يقضيه المشاركون في القراءة نحو خمس ساعات أسبوعيًا، فيما استحوذ تصفح الهاتف على نسبة كبيرة من أوقات الفراغ، وبلغ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مستويات مرتفعة. كما أظهرت الدراسة أن 62% من الأسر لديها أقل من 30 كتابًا في المنزل، وأن أسعار الكتب تمثل عائقًا أمام القراءة لدى نحو نصف المشاركين. وفي المقابل، تشير بيانات الهيئة العامة للإحصاء من مسح الثقافة والترفيه لعام 2018 إلى أن 58.18% من السعوديين بعمر 15 سنة فأكثر أفادوا بقراءة الكتب خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للمسح، فيما بلغت نسبة امتلاك مكتبة منزلية 35.36%. وهذه الأرقام مهمة بوصفها خط أساس تاريخيًا، لا بوصفها وصفًا للوضع الحالي، وهو ما يجعل تحديث مؤشرات القراءة الوطنية أمرًا ضروريًا. وفي الولايات المتحدة، تكشف بيانات مركز بيو للأبحاث لعام 2025 أن 75% من البالغين قرؤوا كتابًا واحدًا على الأقل خلال العام السابق، فيما قرأ 64% كتابًا ورقيًا، و31% كتابًا إلكترونيًا، و26% استمعوا إلى كتاب صوتي. كما ارتفعت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية من 17% عام 2011 إلى 31% عام 2025، وارتفعت الكتب الصوتية من 11% إلى 26% خلال الفترة نفسها. وفي الاتحاد الأوروبي، ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت الذين اشتروا كتبًا إلكترونية أو كتبًا صوتية خلال الأشهر الثلاثة السابقة للمسح من 7.3% في 2024 إلى 9.5% في 2025. المغزى هنا واضح: الكتاب لم يمت، لكن طريقة الوصول إليه تتغير. القراءة الحرة.. المؤشر الغائب ربما نحتاج في السعودية إلى الانتقال من السؤال التقليدي: كم كتابًا قرأ الفرد؟ إلى سؤال أكثر دقة: كيف يقضي الفرد وقت القراءة الحرة؟ فالقراءة الحرة هي القراءة التي يختارها الإنسان خارج متطلبات الدراسة والعمل؛ وهي مؤشر مهم على العلاقة الحقيقية بين المجتمع والكتاب. ومن المفيد أن يتطور لدينا «مؤشر القراءة الحرة السعودي»، يقيس سنويًا متوسط ساعات القراءة الحرة، وعدد الكتب المقروءة، ونسبة القراءة الورقية والرقمية والصوتية، واستخدام المكتبات العامة، والقراءة لدى الأطفال والشباب، ونسبة الأسر التي تمتلك مكتبة منزلية، والمشاركة في الأندية والنوادي القرائية، ومقارنة وقت القراءة بوقت وسائل التواصل والترفيه الرقمي. مثل هذا المؤشر لن يكون مجرد رقم ثقافي، بل أداة لصناعة السياسات العامة، وتصميم برامج المكتبات، وتوجيه الاستثمار في المحتوى، وقياس أثر المبادرات الوطنية في بناء مجتمع المعرفة. من المكتبة الرقمية إلى «المكتبة السعودية الذكية» المملكة قطعت بالفعل خطوات واسعة في التحول الرقمي، ولذلك فإن تطوير المكتبات لا ينبغي أن يبدأ من الصفر، بل من البنية القائمة، ثم الانتقال إلى مرحلة أكثر ذكاءً وترابطًا. الفكرة المقترحة هي إنشاء منظومة وطنية يمكن تسميتها «المكتبة السعودية الذكية»، تربط المكتبات العامة والجامعية والمتخصصة، وتتيح للمستفيد البحث في مجموعاتها عبر واجهة موحدة، ومعرفة مكان الكتاب، وحالته، وإمكانية إعارته، ثم طلبه من أقرب مكتبة أو من المكتبة المالكة له. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا حقيقيًا في إدارة دورة المعرفة: فهرسة الكتب، استخراج البيانات الوصفية، تصنيف الموضوعات، اقتراح الكتب، اكتشاف الموضوعات المتقاربة، التنبؤ بالطلب، دعم عمليات الجرد، تحسين توزيع المجموعات، والمساعدة في الإجابة عن الاستفسارات. لكن القاعدة الأهم هي: الذكاء الاصطناعي مساعد لأمين المكتبة وليس بديلًا عنه. فالخبرة البشرية تظل ضرورية في التحقق، والاختيار، والتقييم، وحماية الحقوق، وفهم السياق الثقافي والمعرفي. «وعاء ذكي» لكل كتاب أحد أهم عناصر التحول المقترح هو إنشاء «الوعاء الذكي للكتاب». والمقصود ليس نسخ الكتاب كاملًا إلى قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي، وإنما إنشاء سجل معرفي مرخص يحتوي، بحسب حقوق النشر المتاحة، على البيانات الببليوغرافية، والملخصات المصرح بها، والكلمات المفتاحية، والموضوعات، والمفاهيم الأساسية، والفئات المستهدفة، والكتب المشابهة، ومعلومات التوفر والإعارة. وبذلك، عندما يبحث المستخدم عن موضوع مثل «اقتصاد المدن» أو «الإعلام الرقمي» أو «تاريخ مكة»، لا يحصل فقط على قائمة عناوين، بل على خريطة معرفية تقوده إلى الكتب والمقالات والمصادر المرتبطة بالموضوع. هذه هي النقلة من محرك بحث عن الكتب إلى محرك لفهم المعرفة. ويجب أن تكون هذه المنظومة محكومة منذ البداية بالتراخيص وحقوق المؤلف والناشر، وألا تتحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لإعادة إنتاج محتوى محمي دون إذن. لماذا لا نملك شبكة إعارة وطنية؟ توجد في عالم المكتبات ممارسة معروفة باسم Interlibrary Loan – ILL، أي الإعارة المتبادلة بين المكتبات. الفكرة بسيطة: إذا كان الكتاب غير موجود في مكتبتك، تبحث المنظومة في مكتبات أخرى، ثم تطلبه بالنيابة عنك وفق قواعد الإعارة المعتمدة. لكن تحويل الفكرة إلى شبكة وطنية سعودية يمكن أن يغير مفهوم المكتبة بالكامل. بدل أن يسأل المواطن: «هل يوجد الكتاب في مكتبتي؟»، يصبح السؤال: «أين يوجد الكتاب داخل الشبكة؟» وهنا يمكن البدء بمشروع تجريبي يضم عددًا محدودًا من المكتبات العامة والجامعية، ثم التوسع تدريجيًا إلى مكتبات المدارس والمراكز البحثية والمكتبات المتخصصة، مع نظام موحد للطلبات، والتتبع، والنقل، وحماية المواد، وإدارة الإعارة. من الشبكة السعودية إلى شبكة عالمية إذا نجحت التجربة محليًا، فإن الخطوة التالية يمكن أن تكون ربط الشبكة السعودية بشبكات المكتبات الدولية. فالمستقبل لا يتطلب مكتبة واحدة ضخمة تمتلك كل شيء، بل شبكة عالمية موزعة للمعرفة، تستطيع من خلالها المكتبات التعاون وتبادل الموارد وفق الأنظمة والاتفاقيات وحقوق الملكية الفكرية. وهذا النموذج يفتح أمام الباحث والطالب والقارئ السعودي نطاقًا أوسع بكثير من مجموعات المكتبات الموجودة في مدينته. ماذا عن المكتبات الشخصية؟ هنا يمكن أن تبدأ الفكرة الأكثر طموحًا. هناك آلاف، وربما ملايين، الكتب الموجودة في مكتبات شخصية ومنازل ومكاتب خاصة. كثير منها لا يظهر في أي فهرس عام، ولا يعرف أحد بوجوده إلا صاحب المكتبة. لماذا لا نمنح صاحب المكتبة خيارًا طوعيًا للانضمام إلى منظومة «مكتبتي.. جزء من المعرفة»؟ يسجل المالك مجموعته، ويحدد الكتب التي يرغب في إتاحتها، ونطاق الإعارة، والمدة، وشروط الاستخدام، بينما تبقى الملكية كاملة لصاحبها. وبذلك يتحول الكتاب الموجود في منزل خاص من مورد معرفي معزول إلى جزء من شبكة المعرفة الوطنية. لكن نجاح هذه الفكرة يتطلب إطارًا واضحًا للخصوصية، والمسؤولية، والتأمين، والتلف، والنقل، وحقوق المالك، كما يجب أن تكون المشاركة اختيارية بالكامل. «شريك المعرفة».. الحافز الذي يصنع الفرق لن تنجح مشاركة المكتبات الشخصية بمجرد إطلاق منصة رقمية. نحتاج إلى حوافز تجعل المواطن يرى قيمة حقيقية لمشاركته. يمكن مثلًا إنشاء برنامج «شريك المعرفة» يمنح المشاركين مزايا رمزية ورقمية، وشهادات تقدير، وأولوية في بعض البرامج الثقافية، وإتاحة المشاركة في الفعاليات، وربما حوافز مرتبطة بحجم الإسهام واستمراريته. والأهم من ذلك هو بناء ثقافة اجتماعية جديدة: أن امتلاك الكتب لا يعني امتلاكها لنفسك فقط، بل إمكانية أن تكون سببًا في وصول المعرفة إلى شخص آخر. الذكاء الاصطناعي ليس عصًا سحرية ومع كل هذا التفاؤل، ينبغي ألا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره حلًا سحريًا لمشكلة القراءة. فالخوارزميات قد تخطئ، وقد تنتج معلومات غير دقيقة، وقد تعيد إنتاج تحيزات موجودة في البيانات، كما أن الإفراط في الاعتماد عليها يمكن أن يحول القارئ من باحث عن المعرفة إلى مستهلك سريع للملخصات. لذلك ينبغي أن يكون الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي للوصول إلى الكتاب، لا استخدامه للهروب من الكتاب. فالملخص قد يساعد القارئ على اكتشاف الكتاب، لكنه لا يعادل الكتاب. وهنا تكمن مسؤولية المكتبة الذكية: أن تجعل التقنية بوابة إلى القراءة، لا بديلًا عنها. المكتبة المستقبلية لا تقيس الكتب فقط نجاح المكتبة السعودية المستقبلية لا ينبغي أن يقاس بعدد الكتب الموجودة على رفوفها فقط. يمكن أن تقاس عبر مؤشرات أكثر ارتباطًا بالأثر: عدد المستفيدين النشطين، عدد عمليات الإعارة والإعارة المتبادلة، متوسط زمن الوصول إلى الكتاب، نسبة استخدام الكتب الرقمية والصوتية، عدد الأطفال والشباب المستخدمين للمكتبات، ساعات القراءة الحرة، عدد الأسر المشاركة في برامج القراءة، حجم استخدام المنصة الوطنية للمعرفة، نسبة الكتب التي أصبحت قابلة للاكتشاف عبر الفهرس الموحد، ومستوى رضا المستفيدين. عندها تصبح المكتبة مؤسسة يمكنها قياس أثرها الاجتماعي والمعرفي، وليس مجرد عدّ مقتنياتها. المكتبة واقتصاد المعرفة هذه الرؤية لا تخدم الثقافة وحدها. إن بناء بنية وطنية للمعرفة يمكن أن يخدم التعليم والبحث العلمي والابتكار والصناعات الثقافية والنشر والسياحة الثقافية. فالكتاب أصل معرفي، والمعلومة أصل اقتصادي، والباحث الذي يصل إلى المصدر بسرعة يوفر وقتًا، والطالب الذي يجد المعرفة المناسبة يرفع جودة تعلمه، والناشر الذي يفهم اهتمامات القراء يستطيع تطوير منتجات أكثر ملاءمة. وهنا تلتقي المكتبة مع مفهوم اقتصاد المعرفة الذي أصبحت البيانات والمحتوى والقدرة على الوصول إليهما من أهم موارده. ما الذي يمكن أن يبدأ غدًا؟ لا تحتاج الفكرة إلى انتظار مشروع ضخم منذ اليوم الأول. يمكن البدء بخمس خطوات عملية: أولًا: إطلاق دراسة وطنية محدثة للقراءة الحرة والسلوك القرائي الرقمي. ثانيًا: بناء فهرس تجريبي موحد يضم مجموعة مختارة من المكتبات العامة والجامعية. ثالثًا: إطلاق نموذج أولي لـ«الوعاء الذكي للكتاب» وفق الضوابط القانونية وحقوق النشر. رابعًا: تجربة الإعارة المتبادلة بين مجموعة محدودة من المكتبات، ثم قياس النتائج والتوسع تدريجيًا. خامسًا: إطلاق برنامج اختياري لضم المكتبات الشخصية تحت مظلة «شريك المعرفة». وبهذه الطريقة تتحول الفكرة من تصور نظري إلى مشروع قابل للاختبار والقياس والتطوير. فرصة تستحق الدراسة إن مستقبل المكتبات السعودية لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة. التحول الحقيقي هو الانتقال من المكتبة التي تنتظر القارئ إلى المكتبة التي ترافقه؛ من رفوف منفصلة إلى شبكة مترابطة؛ من فهرس يصف الكتاب إلى منظومة تفهم احتياج القارئ؛ ومن مؤسسة تحفظ المعرفة إلى مؤسسة تجعل المعرفة أكثر وصولًا واستخدامًا وتأثيرًا. وهنا يأتي دور هيئة المكتبات التابعة لوزارة الثقافة في دراسة مثل هذه التصورات، وتقييم ما يمكن تطبيقه منها وفق الأولويات الوطنية والتشريعات والإمكانات التقنية. وربما تكون بعض الأفكار التي تحتاجها المؤسسات الكبرى موجودة أصلًا في عقول مواطنين وقراء وباحثين وممارسين، تنتظر فقط قناة تصل بها إلى أصحاب القرار. فالأفكار الملهمة لا يشترط أن تأتي دائمًا من المؤسسات؛ أحيانًا تبدأ من مواطن يرى المستقبل قبل أن يصبح مشروعًا. وإذا كانت المملكة تبني اقتصادًا معرفيًا ومجتمعًا رقميًا، فإن المكتبة يجب ألا تكون خارج هذا التحول. ساحل الحرف. فالرهان الحقيقي ليس على عدد الكتب التي نضعها فوق الرفوف، وإنما على عدد العقول التي نفتح لها أبواب المعرفة. * باحث في مجال الإعلام الرقمي والاتصال المؤسسي