عروس البحر الأحمر بعيون عراقية ..

جدة .. المدينة التي يبقى سحرها في الذاكرة الى الأبد .

كنا بداية العام الحالي في رحلة روحانية سياحية جميلة الى المملكة العربية السعودية انا وزملائي من جامعة البصرة للنفط والغاز (علي رضا حسن) و ( احمد عباس حافظ) تكللت الرحلة بتأدية مناسك العمرة وزيارة قبر النبي الاكرم محمد (صلوات الله عليه وآله وسلم) وكذلك زيارة بعض الأماكن السياحية في المملكة العربية السعودية ، كانت هذه هي زيارتي الثانية الى السعودية بعد أن زرتها سابقا بدايات 2021 ، ولن أتحدث عن جمال المدينة المنورة ومكة المكرمة فلهما كل القدسية والاجلال والتطورات العمرانية الحاصلة هناك والأجواء الروحانية تكفي للحديث عن نفسها لاي سائح أو زائر يقصدهما فمن يدخلهما يشعر بالأمان والسكينة والاطمئنان لما لهما من عمق تاريخي إسلامي وصلة روحانية . سأتحدث عن مدينة مهمة زرناها وفضلنا الإقامة بها هذه المرة وهي (جدة) وهي وتقع في غرب المملكة العربية السعودية على ساحل البحر الأحمر وتبعد حوالي 949 كم عن العاصمة الرياض، وتبعد 79 كم عن مدينة مكة المكرمة، وتبعد 420 كم عن المدينة المنورة، وتبلغ مساحتها الإجماليّة 84,658 هكتار (846.58 كـم2) وهي ثاني أكبر مدن المملكة العربية السعودية بعد العاصمة الرياض وفيها أكبر ميناء بحري على البحر الأحمر، كما تعتبر هذه المدينة مركزاً للمال والأعمال في المملكة العربية السعودية ومرفأً رئيسياً لتصدير البضائع غير النفطية ولاستيراد الاحتياجات المحلية وتلقب بـ( عروس البحر الأحمر) وفي القديم كانت هي المنفذ الخارجي للملكة العربية السعودية وشهدت هذه المدينة استقطاباً كبيراً للأعمال وأضحت المركز المالي الأهم والمحطة الأفضل للأعمال في السعودية فضلاً عن السياحية ، يوجد في هذه المدينة بوابة جدة التاريخية ، والاسواق التاريخية وسط البلد وشاطئ جدة وملعب الجوهرة وكورنيش جدة والأسواق التجارية وميناء جدة والمطار الدولي والمساجد والمتنزهات والحدائق والسينما وناطحات السحاب وفنادق 5 نجوم والمتاحف ، في عام 2014 تم تدشين مدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة. والتي تقع شمال مطار الملك عبد العزيز الدولي، وتحتوي المدينة على ملعب كرة قدم وصالة مدينة الملك عبد الله الرياضية وصالة ألعاب رياضية ومسجد مدينة الملك عبد الله الرياضية وثلاثة ملاعب رديفة ومواقف سيارات، ويلقب الملعب الرئيسي بـ (الجوهرة المشعة)، وتتسع المدرجات لأكثر من 62 ألف متفرج بمقاعد مرقمة ومقسمة بطريقة احترافية وبوابات الكترونية لا تفتح إلا لمن يملك تذكرة دخول وهو ذاته الملعب أقيمت عليه مباريات كاس السوبر الإسباني في السنوات الأخيرة حيث يحتضن أندية عالمية مثل برشلونة وريال مدريد ،والمدينة تضم اندية الاتحاد والاهلي وجدة، في هذه المدينة تجد التطور العمراني الكبير والنمو الاقتصادي الواضح حيث انتشار المطاعم والأسواق وناطحات السحاب والفنادق والمشاريع السكنية المتعددة ، وما إن تتجول في ربوع هذه المدينة حتى تجد السواح العرب والأجانب في كل مكان يسيرون بأمان ويتمتعون بالمناظر الخلابة والأجواء الجميلة التي تجمع التراث والأصالة بالحداثة والتطورات ، كما ان هناك استغلال كبير لمساحات الكورنيش بحيث أضحى قبلة السواح سواء المحليين او العرب والأجانب فهذه المدينة لا تنام والكورنيش حي ونابض بالسواح حتى ساعات الصباح الأولى وهذا ما يحسب لحركية هذه المدينة وحيويتها الاقتصادية والسياحية (يشكر على ذلك الجهود الكبيرة للأمانة أو البلدية المعنية بتطوير الكورنيش لتوفير كل سبل الراحة والاستجمام والسياحة لهذه الواجهة المطلة على البحر)، ولأهمية هذا الأمر تجد أن الاستثمارات في هذه المدينة أو المملكة بصورة عامة ليس من مستثمرين محليين او عرب بل حتى هناك شركات عالمية أجنبية داخلة على خط الاستثمار في السعودية وبالأخص في جدة ، ولعل من أجمل التطورات هو هذه المدينة وكل مدن السعودية هو التعامل بالكامل ( الكتروني) سواء بموضوع الدفع أو الحجوزات أو البيع ، تصوروا حتى (الحلاق/مصفف الشعر الرجالي) يتعامل بالدفع الالكتروني ، نحن بالذات حجزنا اكثر من شقة سكنية خلال رحتنا ولم نر صاحب الشقة إطلاقاً بل نحجز الكترونيا عبر تطبيقات خاصة بهذا الامر وبعد ان يتم الحجز والدفع الالكتروني (بالبطاقة) يعطينا رقم سري لكي نفتح الشقة من خلاله ونسكنها بكل اريحية في التعامل وطريقة الدفع وهكذا بقية التعاملات المالية والإدارية المنتشرة في المملكة وهذا يدل على مواكبة التطورات الحاصلة في العالم ، وبمناسبة الحجز والتداول الالكتروني هذا الأمر ينطبق حتى على الراغبين بزيارة (الروضة النبوية الشريفة) لا يمكن الدخول والزيارة الا بعد الحجز الالكتروني عبر تطبيق «نسك» (Nusuk) وكذلك مدن الترفيه والألعاب ومباريات كرة القدم والأمور الفنية والترفيهية والثقافية كافة لا يمكن الدخول لها إلا عبر تطبيق webbook ومن خلالها استطعنا الحصول على تذاكر مباريات ريال مدريد وبرشلونة في كأس السوبر الاسباني الذي أقيم في جدة ، الى هنا لابد من الإشارة إلى شخصية جداوية أكثر من رائعة تعرفت عليها هناك ألا وهو (عبدالله الصبياني/ أبو فهد) فهو شخصية يعجز اللسان عن الثناء والمديح بحقه لما يتمتع به من أصالة الانسان العربي بالكرم والضيافة وحسن الاستقبال فكان لنا في جدة طوق الملاذ الامن لتنقلاتنا ومعرفة الأماكن ومرافقتنا في العديد من الأماكن وكان دليلاً لنا في زيارة العديد من الأماكن ولم يدخر جهداً في كرمه وحسن استقباله وكان ينقل لنا بهذا الأسلوب والسلوك شخصية الفرد السعودي وحبه لاخوته العرب فمثل هذه التصرفات والسلوكيات تجعل الافراد وبخاصة إن كانوا من السائحين يؤمنون كامل الايمان بأن بعض تصرفات الأفراد تنقل انطباعاً وانعكاساً ذهنياً عن بلد بأكمله، فليس من الانصاف والعدالة أن نمر على جمال جدة وسحرها في رحلتنا دون أن نذكر هذا الرجل ومن معه من الزملاء الذين أكرمونا بفضلهم وحسن استقبالهم ودماثة خلقهم فلهم كل التحية والاحترام والحب لكرم ضيافتهم وحسن استقبالهم لنا، دعونا الآن نتحدث قليلاً عن روعة جدة في تنظيم الأنشطة الرياضية كيف لا وهي تحتضن سنوياً كأس السوبر الاسباني وهذه السنة بالتحديد حضرنا لهذه الفعالية لنرى جمال التنظيم وروعته على أصوله فلا يمكن الدخول للملعب دون تذكرة وبالإمكان دخولك للملعب قبل انطلاق المباراة حتى بدقيقة وتجد مقعدك موجوداً وهناك جهد كبير من الجهات المعنية على التنظيم ابتداء من قبل المباراة وحتى بعد نهاية المباراة من تنظيم الدخول والتوجيه والحركة المرورية وانتشار (الكافتيريات) داخل الملعب وتغطية احتياجات الجمهور بالكامل فعملية مشاهدة المباراة والاستمتاع بها من أولى أوليات الجهات المنظمة التي قدمت احتفالات وألعاب خلال المباريات وبخاصة مباراة الختام تستحق الإشادة بها والقول إنه تنظيم عالمي يستحق الإشادة والاطراء ، وهذا ما يجعل السعودية فعلاً مهيئة لاستضافة الأحداث الرياضية العالمية ومنها نهائيات كأس اسيا وكأس العالم، علما أن هناك حركة بناء كبيرة بالمنشاة الرياضة استعداداً لكأس العالم رغم وجود الملاعب الجميلة حالياً ومنها (الجوهرة) في جدة ، ومن ضمن الاتفاقيات الجميلة على استضافة كاس السوبر الاسباني قامت الليغا والاتحاد الاسباني بجلب النسخ الاصلية للكؤوس التي حصلها الاتحاد ( كأس العالم للرجال/ كأس العالم للسيدات/ كأس السوبر/ وغيرها) (النسخ الاصلية) وعرضها للجمهور والسواح (على الكورنيش) مع تأمين كامل لهذه الجوائز (تأمين لوجستي وأمني) وفي نفس الوقت خلق مساحات من المتعة للجمهور لكي يعيش هذه الأجواء ناهيك عن بيع مباشر لملابس الأندية المشاركة في كأس السوبر الاسباني في جدة ( ريال مدريد/ برشلونة/ اتلتيكو مدريد/ اتلتيكو بلباو) ومن المتاجر الاسبانية المباشرة لتلك الأندية ( يعني نسخ أصلية) والأجمل من كل ذلك أن البطولة هذه شهدت تغطية من وسائل إعلام إسبانية واجنبية وبنفس الوقت شاهدت أنا شخصياً تلك الوسائل تغطي الأمور التراثية والاصالة العربية في مدينة جدة القديمة والتراث السعودي الجميل والكورنيش وهكذا فعل نادي ريال مدريد حينما نشر فيديو بصفحته الرسمية عن مدينة جدة كل هذا ترويج وتسويق لهذه المدينة وأصالتها وعظمتها ومن وسائل إعلام أجنبية ، يتبقى أن نؤكد على ان المدينة بنمو كبير عمراني واقتصادي وحتى اجتماعي وقطاع السياحة رائج جدا ومتميز من حيث استغلال الكورنيش / مدن ترفيهية/ واجهات البحر/ فنادق ومطاعم وغيرها، ورغم هذا التطور شهدنا حضوراً مميزاً للمرأة السعودية في جدة فهي تشارك الرجل بمختلف الأعمال وفي مختلف القطاعات نجد الحضور المتميز للمرأة السعودية وهي تشارك بهذا النمو والتقدم والازدهار السياحي، والأجمل شاهدنا شباب جدة او المملكة بصورة عامة كيف يعملون (وظائف) لأنفسهم بعيداً عن القطاع الحكومي من خلال مثلاً (مشاريع تأجير الشقق السكنية للسائحين) وهو مشروع متميز ورائح هذه الأيام كون جدة أصبحت قبلة السواح العرب، ولن أتحدث كثيراً عن التطور الحاصل في قطاعي الصحة والتعليم في جدة وما لهما من انعكاسات ايجابية ومنها تقديم الخدمات المجانية للعديد من الفئات سواء في المجتمع السعودي أو حتى الوافدين والسائحين لهذه المدينة والبلد، وفي الختام لابد من الثناء على الجهود التي تقدم لدعم الشاب السعودي ومنها القروض التي تقدم لدعم المشاريع الريادية والأفكار الشبابية لكي تجعلهم قادرين على الاعتماد على انفسهم بالتمويل والدعم والإفادة بل الأجمل أن هناك دخول مميز لقطاع الاستثمارات حتى من الشركات المعروفة بتخصصها (ارامكو) ودخولها في الاستثمارات بقوة وشرائها أحد الاندية السعودية. وعلى وفق ما تقدم من رواج وتسويق لقطاع السياحة في جدة بصورة علمية ومدروسة على مستوى تمظهرات الترفيه بصورها كافة فإن جدة باتت تنمو وتنتعش في هذا المجال اذ أن موسم جدة استقبل أكثر من 1.7 مليون زائر في نسخة 2024 وأن السياحة في السعودية تجاوزت 115 مليون زائر سنويًا وأن الإنفاق السياحي قرابة 280 مليار ريال سنويًا، اذ ان مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي تجاوز 10%، مما يعكس تحوله إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. وهو الدور الذي يشير إلى انتعاش قطاع السياحة في السعودية وبالتحديد في جدة وكيف أصبحت نافذة لجذب السواح من مختلف بلدان العالم نظراً لجمالية المدينة واستقرارها والعمل الكبير في زيادة مسارات ومنافذ الترفيه. وفي ختام المقال أود الإشادة بدور وفكرة (صندوق الاستثمارات العامة) الذي قاد إلى التحول في المملكة على نطاق غير مسبوق ليساهم في خلق عصر جديد من النمو الاقتصادي والفرص الواعدة · إذ يعمل الصندوق على تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وقام باتخاذ آلية مرسومة تسهم في إطلاق قطاعات جديدة وواعدة، واستحداث فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وإنشاء وتأسيس الشركات. يملك صندوق الاستثمارات العامة محافظ استثمارية رائدة، ترتكز على الاستثمار في الفرص الواعدة محلياً وعالمياً؛ كونه أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم وهو ما غير من وجه مدن المملكة ، وكذلك لابد من الإشادة بدور وفكرة (الهيئة العامة للترفيه) التي تهدف الى تنظيم قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية تماشياً مع رؤية السعودية 2030، ومن واجباتها تنظيم وتنمية قطاع الترفيه في المملكة وتوفير الخيارات والفرص الترفيهية لكافة شرائح المجتمع، لإثراء الحياة ورسم البهجة. إضافة إلى تحفيز دور القطاع الخاص في بناء وتنمية نشاطات الترفيه وهذا ما شاهدناه في مباريات كرة قدم واحتفالات ثقافية وفنية وعروض عربية وعالمية ومواسم ثقافية وفنية ومنها موسم جدة الذي حضرنا بعض فعالياته وكانت من أروع الأنشطة وعلى نطاق عالمي من التنظيم والابهار وتفاعل الجمهور.تحية حب واحترام لكل الجهود الرامية والساعية لإظهار مدننا العربية بمظهر عالمي يواكب التطورات في البلدان المتطورة وتحية لمدينة جدة الرائعة والساحرة بعمرانها وناسها وفعالياتها. ولنا عودة لهذه المدينة في قادم الأشهر بأذن الله تعالى فمن يزور جدة يبقى سحرها في ذاكرته للأبد. *أكاديمي وصحفي عراقي