«الجردة» تنعى آخر شهودها.

حين يرحل إنسان عن عمر يناهز المائة عام، فإننا لا نودّع شخصًا فحسب، بل نطوي معه صفحات من تاريخ عاشه، وأحداث شهدها، ووجوه عرفها، وحكايات اختزنتها ذاكرته على امتداد قرن من الزمان. ولكن حين يكون الراحل آخر شهود مرحلة تاريخية مهمة، فإن خسارته تتجاوز حدود أسرته ومحبيه، لتصبح خسارة لذاكرة مجتمع بأكمله. وهكذا كان رحيل الشيخ عبد العزيز بن محمد بن صالح النافع، رحمه الله تعالى، الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز المائة عام، وأُديت الصلاة عليه بعد عصر يوم السبت ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ، الموافق ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦م، في جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمدينة بريدة. برحيله فقدت بريدة أحد رجالاتها الذين عاصروا مرحلة مهمة من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي، وفقدت ساحة الجردة آخر شهود عصرها التجاري القديم، ممن عاشوا حركتها، وعرفوا تجارها وروادها، واحتفظوا في ذاكرتهم بصور حية من أيامها الزاهرة. لم تكن ساحة الجردة مجرد سوق تُعرض فيه البضائع وتُبرم فيه الصفقات، بل كانت مركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا، تتقاطع فيه مصالح الناس، وتتبادل فيه الأخبار، وتُعقد فيه الشراكات، وتُحل فيه الخلافات. وكانت في زمن ازدهارها أشبه بميناء بري، تتدفق إليه المنتجات المحلية، وتنطلق منه القوافل التجارية إلى الأسواق البعيدة، ثم تعود محملة بما تحتاج إليه المنطقة من السلع والبضائع. وقد ارتبطت هذه الحركة التجارية بما عُرف تاريخيًا بـ “حركة العقيلات”، التي كان لرجال القصيم عمومًا، وبريدة خصوصًا، دور بارز في ازدهارها. وكانت الجردة إحدى محطاتها الرئيسة، حتى أصبحت بريدة مركزًا مهمًا لتجارة المواشي والمنتجات الزراعية والسلع المستوردة، وغدت الجردة فصلًا بارزًا من فصول التاريخ الاقتصادي لوسط الجزيرة العربية. في هذه البيئة نشأ الشيخ عبد العزيز النافع، في بيت عُرف بالتجارة وحسن التعامل مع الناس. فوالده الشيخ محمد بن صالح النافع كان أحد تجار الجردة ووجهائها، وقد عُرف الأب وابنه بالنزاهة والسعي إلى الإصلاح بين الناس. وهي خصال كانت تحتل منزلة رفيعة في مجتمع تجاري يعتمد على الثقة والسمعة والوفاء بالالتزامات، حيث كانت كلمة التاجر تمثل عهدًا أخلاقيًا قبل أن تكون التزامًا تجاريًا، وكانت السمعة الحسنة رأس مال معنويًا لا يقل أهمية عن رأس المال المادي. وفي هذه المدرسة نشأ عبد العزيز النافع، وتشرّب قيمها، وعاصر انتقال بريدة من عالم القوافل والأسواق التقليدية إلى عالم السيارات والطرق الحديثة والمؤسسات التجارية المعاصرة. ولعل أهم ما يميز الراحل أنه لم يكن مجرد ابن تاجر من تجار الجردة، وإنما كان شاهدًا على حياتها اليومية، ومصدرًا للمعلومات الشفهية المتعلقة بتاريخها وحركتها التجارية والاجتماعية. فكم من واقعة لم تُدوّن في كتاب، وكم من اسم لتاجر أو حرفي أو مصلح اجتماعي غاب عن السجلات، لكنه ظل حاضرًا في ذاكرة المعاصرين! والتاريخ الشفهي، وإن كان يحتاج إلى المقارنة والتحقق والتوثيق، يظل مصدرًا بالغ الأهمية؛ فالشاهد لا ينقل الواقعة وحدها، وإنما ينقل معها أجواءها وأسماء المشاركين فيها وطبيعة العلاقات التي أحاطت بها. ولهذا فإن رحيل شاهد من طراز عبد العزيز النافع يمثل خسارة يصعب تعويضها؛ ذلك أن الوثيقة قد تحفظ الحدث، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تحفظ صوته الإنساني. إن رحيل آخر شهود الجردة يضعنا أمام سؤال يتجاوز مناسبة الوفاة: هل تنتهي ذاكرة المكان بوفاة آخر من عاصروا أيامه؟ الجواب: لا. فالذاكرة لا تموت ما دام هناك من يحفظها، والتاريخ لا يغيب ما دام هناك من يوثقه. ولكن الانتقال من مرحلة شهود الذاكرة إلى مرحلة حُرّاسها يفرض مسؤوليات جديدة، فقد كان الشاهد يحمل التاريخ في ذاكرته، أما الحارس فعليه أن ينقله من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجماعية، ومن الرواية الشفهية إلى الوثيقة المحفوظة. وفي هذا السياق، تستحق كل الإشادة والتقدير الجهود التي تبذلها اللجنة المعنية بذاكرة معالم بريدة التراثية، ومنها الجردة، وهي اللجنة التي تشكلت بتوجيه من سمو أمير منطقة القصيم الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز، وبقيادة صاحب السمو الأمير متعب بن فهد بن فيصل آل سعود. فهذه الجهود لا تتعلق بالمحافظة على معلم عمراني فحسب، وإنما تسهم في صيانة جانب مهم من الهوية التاريخية والاقتصادية لمدينة بريدة. وفي مجال التوثيق، تجدر الإشارة إلى العمل الذي يعكف على إعداده الأستاذ عبد الوهاب بن عبد الله التويجري، والمنتظر صدوره بعنوان “الجردة تُحدّث أخبارها”. وتَبْرُز كذلك جهود الأخوين بدر وعبد اللطيف ابني صالح الوهيبي في متحفيهما المتخصصين بتاريخ العقيلات. ولا يفوتنا التنويه بدار النفائس والمخطوطات في بريدة، التي يرأسها الأستاذ عبد الملك بن عبد الوهاب البريدي. فهؤلاء وغيرهم يمثلون كوكبة من حراس ذاكرة بريدة، وفي مقدمتها ذاكرة الجردة، ويسهمون في المحافظة على شواهد ماضي المدينة ونقلها إلى الأجيال القادمة. رحل كثير من تجار الجردة، وغابت وجوه كانت مألوفة في ساحاتها وممراتها، وتغيرت طبيعة النشاط التجاري، لكن أسماء أولئك الرجال بقيت مرتبطة بالمكان الذي شهد أعمالهم ومواقفهم. ومن الإنصاف أن نحفظ أسماءهم في سجل المدينة، لا بوصفهم تجارًا فحسب، بل باعتبارهم شركاء في بناء تاريخها الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا، فإنني أتطلع إلى أن تبادر الجهات المعنية إلى إطلاق اسم “عبد العزيز بن محمد النافع” على أحد الشوارع القريبة من ساحة الجردة، وفاءً لآخر شهود عصرها التجاري القديم، وتقديرًا لما عُرف عنه من نزاهة وإصلاح بين الناس. وليس المقصود مجرد إضافة اسم إلى لوحة شارع، وإنما ربط الذاكرة الإنسانية بالمكان الذي احتضنها، حتى يظل الاسم شاهدًا على مرحلة تاريخية مهمة من حياة المدينة، ومدخلًا لتعريف الأجيال القادمة بتاريخ الجردة ورجالاتها. ولعل هذه المبادرة تكون بداية لجهد أوسع في تخليد أسماء الذين أسهموا في نهضتها؛ فالتاريخ لا تصنعه المباني وحدها، وإنما يصنعه الإنسان الذي يمنحها الحياة والمعنى. انتقل الشيخ عبد العزيز النافع إلى الرفيق الأعلى، وبوفاته أُسدل الستار على فصل من فصول الشهادة الحية على تاريخ الجردة، ولكن الستار لم يُسدل على تاريخها، ولا على مسؤولية المحافظة على ذاكرتها. فإذا كان آخر الشهود قد رحل، فإن دور حراس الذاكرة أصبح أكثر أهمية وإلحاحًا. ولعل أبلغ وفاء نقدمه للراحل ولجيله أن نحفظ ما بقي من شهاداتهم، وأن نصون تاريخ المكان الذي احتضن تجارتهم وعلاقاتهم وأحلامهم. لقد غاب آخر الشهود، لكن الجردة لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة. رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء عما قدم من خير وإصلاح، وألهم أبناءه وأهله وإخوانه، وذويه، ومحبيه الصبر، والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون.