مشيناها خطىً في بلاد الشمس..

اليابان بعيون مؤرخ مصري.

سيرة ذاتية للدكتور رؤوف عباس، أحد المؤرخين المصريين البارزين، ويعد مؤسسًا لمدرسة التاريخ الاجتماعي في مصر، عمل أستاذًا للتاريخ الحديث في جامعة القاهرة، كما دُعي للمشاركة في ندوات علمية وإلقاء محاضرات والعمل أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات العالمية، وقد اختارته جمعية دراسات الشرق الأوسط الأمريكية ليكون ضيف الشرف في مؤتمرها السنوي عام 1990م، المؤتمر ينظم مجموعة من المحاضرات في عدد من الجامعات، وكان رابع ضيف في سلسلة ضيوفها السنوية، فقد سبق في سلسلة ضيوف الشرف المؤرخ برنارد لويس من أمريكا، ثم المؤرخ جاك بيرك من فرنسا، والمؤرخ الفلسطيني ألبير حوراني من بريطانيا، ثم كان الدكتور رؤوف عباس من مصر. تكشف سيرة حياته ما يبذله أبناء الطبقات الفقيرة من جهد لتجاوز التحديات التي تحرمهم من الحقوق التي يحصل عليها غيرهم، وإن كانت بعض الفرص التي أتيحت لهم في عهد الثورة المصرية قد ساعدت على إنصاف البعض مثله، حتى إذا حصل على الدكتوراه عاش جو الجامعات الذي عانى منه أشد المعناة، لكونه اختار احترام العلم وآله، والمحافظة على التقاليد العلمية الرصينة والحرص على إيصال الأمانة إلى أجيال أُعدت لتكون مؤهلة لحملها من أجل الوطن لا من أجل السلطة. ذكرياته عن الجامعة تعد من أوثق وأبلغ ما قرأت من نقد للجامعة في حقبة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وكل ما أتمنى أن يكون الجيل الذي تربى على يديه وأيادي المخلصين أمثاله قد تجاوز الكوارث التي كادت تقتل روح التعليم الجامعي والبحث العلمي، وأعاد إلى الجامعات رصانتها وكفاءتها، ولعله مما يحسب لدار الهلال المصرية التابعة للدولة إصدار الطبعة الأولى من هذه المذكرات عام 2005، مما يؤشر على تحسن مستوى الحرية والإنصاف. وسأكتفي بالحديث هنا عن تجربته اليابانية، رغم أن الكتاب يستحق قراءات عديدة. قُدّر لصاحبنا أن يتعرف إلى باحث ياباني جاء إلى القاهرة وكان مهتمًا بموضوع بحث صاحبنا، وعندما انتهت مهمة الباحث وجه إليه دعوة ليصبح أستاذًا زائرًا في “معهد اقتصاديات البلدان النامية بطوكيو” مدة عشرة أشهر، امتدت ستة أشهر إضافية إشادةً منهم بالدور الإيجابي الذي كان له، فقد أصدر ثلاث ورقات بحثية نشرت في مجلة المعهد، وأصبح زميلًا زائرًا بمعهد لغات وثقافات آسيا وأفريقيا الياباني، وقدم ثلاث دراسات أخرى، إحداها عن فكرة الإصلاح عند الشيخ محمد عبده والثانية عن تحرير المرأة عند الطهطاوي وقاسم أمين والثالثة عن فكرة الإصلاح الاجتماعي عند سلامة موسى، كما ألقى محاضرتين إحداهما بجامعة أوساكا عن أصول القضية الفلسطينية والثانية عن اليهود في مصر بمعهد دراسات الشرق الأوسط التابع للخارجية اليابانية، كما نشر دراسة أخرى في مقارنة أعيان الريف في مصر واليابان في القرن التاسع عشر، لفت نظري هذا الاهتمام الياباني الثقافي ببلادنا وغناء بعض مكتباتهم بالكتب العربية. بعد أربع سنوات دُعي مرة أخرى أستاذًا زائرًا بمعهد اقتصاديات الدول النامية في طوكيو ليلقي دراسة كلفه بها المعهد عن قوانين العمل والملكية والتجارة في الخليج العربي وأثرها في الأوضاع الاجتماعية، فقضى عشرة أسابيع. مضت سنوات عشر دُعي بعدها ليكون أستاذًا زائرًا بجامعة طوكيو لمدة شهرين. في زيارته الأولى التقى بمجموعة باحثين استضافهم المعهد من أمريكا وبريطانيا والهند وتايلاند ودول أخرى، جاؤوا يتحاورون حول قضايا التنمية بمختلف أبعادها في دول العالم الثالث في ظروف الحرب الباردة، كان صاحبنا هو المؤرخ الوحيد بينهم أما الآخرون فكانوا متخصصين في السياسة والإقتصاد والعلوم الاجتماعية، فتحت له هذه الحوارات أفقًا ثريًا أعاد بناءه العقلي منهجياً، يقول إن تكوينه المنهجي كان قاصرًا، مقيدًا بحدود الوسط العلمي الذي تربى فيه، انفتحت أمامه أبواب الفكر العالمي، فيقول مثلاً إنه تعرف على الفكر الماركسي النقدي، فدرس الكتب التي عارضت الماركسية خاصة تلك التي درست تطور المجتمعات النهرية، ومراحل التطور الاقتصادي، أعاد الرجل بناء تكوينه العلمي، الأمر الذي انعكس على إنتاجه الفكري. أثمرت هذه العلاقة عن دعوة اثنين من المؤرخين المصريين لزيارة المعهد الياباني، ثم دُعي عدد من أساتذة السياسة والاقتصاد أيضًا، وقدم إلى مصر بعض الباحثين اليابانيين، أحدهم كان أديبًا تولى صاحبنا تعريفه على بعض الأدباء المصريين، وترجم رواية “الأرض” للشرقاوي، ورواية “تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم، ورواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني. كذلك أقامت الحكومة اليابانية في ثمانينيات القرن الماضي مركزًا ثقافيًا تابعًا لمركز التقدم العلمي في اليابان، تولى العمل فيه بعض تلاميذ صاحبنا من الجنسيتين. كانت الدولة الصهيونية قد أسندت (سرًّا) إلى ثلاثة من أساتذة اللغات العبرية في اليابان، تأليف كتاب بالإنجليزية واليابانية، عنوانه “اليابان واليهود”، نُسب لمؤلف وهمي اسمه “إشعيا بن دعسان”، زعم أنه عاش ثلاثين عامًا في اليابان يتأمل التشابه بين اليابانيين واليهود، ووصل إلى أنهما صنوان في المقدرات الحضارية والبراعة الاقتصادية، ثم شرح ما عاناه اليهود في الشتات حتى عودتهم إلى “بلدهم” فلسطين، خلص بعدها إلى أن القدر قد شاء أن يكون كلٌّ من الشعبين في ركن قصي من آسيا، وأن رسالتهما هي نشر الحضارة في ربوع آسيا المتخلفة، وعليه فلا بد للشعبين المتميزين من التعاون في أداء هذه الرسالة، باع الكتاب في طبعته اليابانية أكثر من مائة ألف نسخة في ثلاثة أشهر. كتب صاحبنا ردًّا نشر في إحدى أكثر المجلات اليابانية انتشارًا، فند فيه دعاوى الكتاب وأظهر بالأدلة أن مصلحة اليابان مع العرب وليست مع الصهاينة وأخذ على الحكومة اليابانية شرائها من إسرائيل نفطًا هو في حقيقته مسروق من مصر. رد صحفي ياباني مغمور بمقال عنوانه “نحن أدرى بمصلحتنا” قال فيه إن على المهزوم (إشارة إلى حرب 1967م) أن يعرف قدره. قرأ صاحبنا يومًا أن جامعة تل أبيب قد تقدمت بطلب إلى مؤسسة اليابان، وهي مؤسسة معنية بنشر الثقافة اليابانية في العالم، وتتبع الخارجية اليابانية، طلبت الجامعة الصهيونية أن يُنشئ اليابانيون مركزًا للثقافة اليابانية في الجامعة، أشار الخبر إلى أن هناك مركزًا ثقافيًا يابانيًا قد أقيم في الجامعة العبرية، وسيصبح هذا هو المركز الثاني في الدولة الصهيونية، استعان صاحبنا بأصدقائه اليابانيين ليلتقي رئيس المؤسسة اليابانية، ويطلب أن يقام المركز في القاهرة لأنه سيخدم كل العرب إضافة إلى المصريين، قبل رئيس المركز اللقاء على أن يكون لقاءً وديًّا، وقال بأنه سيتعمد تأخير الرد على الطلب الصهيوني شهرًا، حتى يتسنى لصاحبنا أن يقدم الطلب المصري. كان المسؤول الياباني يعرف روتين الدولة المصرية، فقد سبق أن كان سفيرًا في ليبيا، فاختتم اللقاء بقوله بالعربية: الله يعينك. وكاد يُسقط في يد صاحبنا، فإن هذا الطلب لا بد أن يصدر من الجامعة إلى وزارة التعليم العالي ثم إلى الخارجية، وهذا يعني أن شهرًا وشهرين لا تكفي. رأى صاحبنا أن يتواصل مع السفير المصري رغم تشككه في جدوى ذلك، السفير المصري من عائلة “أبو الغيط” وهو هنا يؤكد أن الاسم لا يعني أي علاقة بالوزير المصري الذي يشترك معه في الاسم، ويقول إن زوجة السفير من عائلة “لاما” التي اشتهرت بعملها في الإنتاج السينمائي في مصر، والحقيقة أن عائلة لاما هي عائلة “الأعمى” الفلسطينية التي هاجرت من يافا إلى أمريكا الجنوبية مبكرًا، وتخصص أحد أبنائها في السينما وعاد ليعمل في الإنتاج السينمائي في مصر. السفير الهمام قدّر وطنية وحسن مبادرة صاحبنا، فنصح كي يتفادى الرووتين بأن يتقدم عميد كلية آداب القاهرة بهذا الطلب إلى السفارة مباشرة وسيكمل هو الباقي، وشاء الله أن يكون العميد الذي ناصب صاحبنا العداء قد تغيّر، وتعاون العميد الجديد وقدم الطلب، وأقيم المعهد الثقافي الياباني في مصر. اهتم صاحبنا بزيارة هيروشيما وناجازاكي حيث أُلقيت القنبلة الذرية الأمريكية. أرعبه ما شاهده، خاصة وأنه أُلقي على بلد أعلن الاستسلام في الحرب، وإنما أُلقيت القنبلة لتدرس زعيمة العالم الحر التأثير المدمر للسلاح النووي على البيئة والناس، أرسلت أمريكا فرقها العلمية وقد استعدت بما فيه الكفاية لدراسة التأثير الكارثي لهذه القنابل. هاله ما شاهده في متحف السلام وقرأ بالإنجليزية ما كتبه الناجون، وما كتبه الجيل الثاني، إن الحقيقة تتفوق بشاعتها بكثير عما وصل للعالم، ترجم كتابًا حوى شهادات من لم يمت مباشرة مع الانفجار من سكان هيروشيما وناجازاكي، تُرجِم الكتاب إلى سبع عشرة لغة، قرر صاحبنا أن تكون العربية اللغة الثامنة عشرة، ترجم الكتاب وطُبع على حسابه 1500 نسخة، واتفق مع مؤسسة الأهرام على توزيعه، عادت النسخ، لأن توزيع الكتاب قد مُنع بسبب تحسن العلاقات المصرية الأمريكية، وتبين أن هناك منعًا لتوزيع الكتاب في مصر، استعد أحد الناشرين لإرساله ليباع في دول الرفض العربية الثورية، فأرسلت الدار نسخًا لكي تفسحها رقابة تلك البلدان، رفضت العراق وسوريا والجزائر وليبيا توزيع الكتاب، يقول صاحبنا إن دعاوى الدول الثورية ضد الإمبريالية زائفة، وأصبح هذا الكتاب يتوارى في معرض الكتاب السنوي في جناح قلَّ أن يراه أحد. يعجب الكاتب من حرص اليابانيين على مصالحهم الوطنية، دون أن يأمرهم بذلك أحد. فربات البيوت ملتزمات بمقاطعة البضاعة الأمريكية التي جاءت للإضرار بالإنتاج الياباني، ضغطت أمريكا على اليابان لكي تعدل من الميزان التجاري الذي يميل لصالح اليابانيين، أُجبرت الدولة اليابانية على تقليص زراعة الأرز الياباني، وفتحت أبوابها للأرز الأمريكي، وحدث أن ذهب صاحبنا يتسوق مع زوجته، التقطت زوجته كيسًا من الأرز الأمريكي، وضعته في عربة التسوق، استوقفتهم سيدة يابانية مسنة وسألتهم عن موطنهم، أجابها باليابانية أنه أستاذ مصري زائر لجامعة طوكيو، قالت: أنت تتحدث اليابانية وتدرس في جامعة طوكيو، فأنت صديق لنا، ثم أنت من مصر، فكيف تأكل أرزًا أمريكيًا؟ غرق صاحبنا في خجله واعتذر بأنه لم يكن يعرف، أعاد الأرز الأمريكي إلى مكانه وأخذ أرزًا يابانيًا وضعه في عربة المشتريات، فإذا بكل زبائن المحل يصفقون بحماس وينحنون بالتحية.