لن يكتب الحوثي قرارنا.
أفدح أخطاء الحوثي أن يتوهّم الجريمة طريقاً إلى السلطة على القرار السعودي، أن يظن قتل مسافر يمنحه حق تحديد وجهة وطن، و إصابة منشأة تمنحه القدرة على إصابة إرادة شعب، هنا يبدأ سوء فهمه للسعودية، عند الخلط بين قدرتها على الشعور بالألم و استعدادها للخضوع له، فهذه بلاد تعرف حرمة الدم، و تعرف أن التنازل تحت التهديد يفتح للمعتدي باباً إلى دماء أخرى، و أن السيادة تبدأ من رفض تسليمه مفتاح هذا الباب. في اعتداءَي الثامن من أكتوبر على مرافق مطار الملك خالد الدولي و طائرة للخطوط السعودية استُشهد ثلاثة مواطنين، و نعت الخطوط السعودية قائد الطائرة الكابتن حمود بن علي الكلثمي، رحمه الله و رحم سائر الشهداء، و هنا يخرج الخبر من تجريد الأرقام إلى اسم إنسان كانت مهنته أن يحمل الناس إلى وجهاتهم آمنين، إن استهداف المكان الذي يعمل فيه يكشف معنى الجريمة: الاعتداء على حق الناس في الوصول، و على دولة تبني لهم طرق الحياة. و لنا أن نحزن على شهدائنا بقدر ما نعزم على صيانة حقهم، فللدم الذي سال حرمة، و للبيوت التي فقدت أحبتها مكان في وجدان الوطن، نحن لا نحتاج إلى إخفاء وجعنا كي نثبت قوتنا، قوتنا في ألّا يتحول الوجع إلى تنازل، و في أن يجد المعتدي أمامه دولة تحمل مسؤولية أبنائها، و شعباً يعرف أن الوفاء للراحلين يقتضي حماية الأحياء، و قطع الطريق على جريمة تبحث عن فرصة أخرى. إن الميليشيا التي تستهدف المدنيين تحاول أن تجعل أمانهم ثمناً يدفعه وطنهم لقاء الخضوع، تريد للسعودي أن يسأل عن مقدار ما ينبغي التنازل عنه كي يسلم، و هنا يجب أن تأتي الإجابة حاسمة: أمننا حق، و سيادتنا حق، و لا يملك الحوثي أن يجعل أحدهما فدية للآخر، قبول هذه المعادلة يمنح المجرم حق العودة كلما أراد مكسباً جديداً، لذلك يكون ردع الاعتداء دفاعاً عن حاضر البلاد و عن حق أجيالها في مستقبل لا تحكمه التهديدات. و في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ جوهر الردع كله، فالعدل يصون الأرواح حين يمنع استسهال إزهاقها، و غاية المحاسبة حماية الحياة، و ترك المعتدي مطمئناً إلى الإفلات يعرّض آخرين للأذى، من هنا تنبع ضرورة الحزم، من واجب الدولة تجاه الإنسان الذي ائتمنها على أمنه، مواطناً كان أو مقيماً، و من مسؤوليتها عن إبطال الرهان على أن دماء الأبرياء طريق قصير إلى المكاسب السياسية. و القيادة السعودية تملك توقيت قرارها و أدواته و تقدير مصالحه، لا يحدد لها الحوثي ساعة التحرك، و لا ينتزع منها صخب المنصات زمام المبادرة، الحسم مسؤولية ثقيلة تُوزن فيها النتائج، و تُصان فيها الأرواح، و تُختار فيها الوسيلة الأقدر على ردع العدوان، و ثقتنا بقيادتنا تقوم على إدراك هذه المسؤولية، فالسعودية أكبر من أن يُستدرج قرارها إلى انفعال يخدم خصمها، و أعزّ من أن تُترك حقوقها رهينة تهديده، و على المعتدي أن يتحمل تبعات الفعل الذي اختاره. في حديث حسين الغاوي ببرنامج «جمرة» حضرت حقيقة تستحق البناء عليها: أمن هذه البلاد ثمرة تضحيات يعرف السعوديون قيمتها، لقد جمع المؤسس الملك عبدالعزيز و رجاله الأرض و الناس تحت راية واحدة، و وصل إلينا الوطن محمولاً على جهد أجيال، و دماء رجال، و صبر بيوت عرفت معنى الفقد، ذلك التاريخ يضع على أكتافنا واجباً يتجدد كل صباح: أن نسلّم أبناءنا وطناً آمناً عزيزاً، و أن نحمي الوحدة التي جعلت لأمن السعودي دولة تسنده، و لكرامته راية يجتمع تحتها، حين يُمسّ الوطن تتقدم الراية على كل اختلاف، و يصبح أمن الرياض أمانة في وجدان أبنائه من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، فالوحدة لا تُقاس بالشعار، بل تُختبر بالموقف. و يخطئ من يظن أن الرخاء يُرخي العزيمة، فكل جامعة و مستشفى و مشروع و فرصة عمل تضيف سبباً جديداً للدفاع، لا للتردد، نحن نحب الحياة لأن لنا فيها بيوتاً نطمئن إليها، و أبناء نريد لهم مستقبلاً أوسع، و أحلاماً تستحق أن تكتمل، و لهذه الأسباب ذاتها نحميها، و نستحضر من حكمة زهير: «وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ»، فالحوض الذي يرتوي منه الناس يحتاج إلى من يحرسه، و ما نبنيه بأيدينا لن نسلّم مصيره لمن لا يحسن إلا تهديده. و لهذا يحمل رجال قواتنا المسلحة و دفاعنا الجوي و أجهزتنا الأمنية أمانة تتجاوز المنشآت و الحدود إلى حياة الناس و مستقبلهم، و حقهم علينا جبهة داخلية تسند مهمتهم، إن المقاتل الذي يحرس سماء وطنه يستحق أن يجد خلفه وعياً يحرس الثقة، و هنا تمتد المسؤولية إلى شاشة الهاتف، فمقطع مجهول المصدر، أو خبر مختلق عن انتصار، قد يمنح دعاية الخصم منفذاً إلى الناس، شرف الدفاع عن السعودية يقتضي أن تكون كلمتنا بمقدار حقها علينا: صادقة، ثابتة، عصية على التوظيف ضدها. و قوة موقفنا تمنحنا القدرة على تسمية الجريمة و محاصرة التضليل دون الانحدار إلى شتائم الشعوب، اليمنيون شعب شقيق، و الحوثي مسؤول عن جرائمه، و لن نمنحه حق الاختباء خلف شعب يصادر قراره، إن التمييز بين اليمن و الميليشيا جزء من وضوح القضية، فالدفاع عن السعودية لا يحتاج إلى ظلم يمني، و الوقوف مع حق اليمنيين في الأمن لا يحتمل تبرير الاعتداء على السعودي، للإنسان حرمته على جانبي الحدود، و للمعتدي مسؤوليته التي لا يجوز توزيعها على الأبرياء. و نجد في الإدانات الشقيقة، و في موقف مجلس التعاون من الاعتداءات الحوثية على مطار الملك خالد، تعبيراً مقدّراً عن التضامن، و لهذا التضامن امتداد ننتظره في مواقف تعزّز حماية المدنيين و تضيق فرص تكرار الاعتداء، إن من يدرك مكانة السعودية في استقرار المنطقة يدرك أن أمنها قضية تتجاوز حدودها، و أن الاعتياد على صدور الإدانة بعد كل جريمة لا ينبغي أن يتحول إلى اعتياد على الجريمة نفسها، المطلوب أن يشعر المعتدي بكلفة عدوانه، و أن تضيق أمامه أبواب الإفلات من المحاسبة. نحن السعوديين نعرف أن الوطن الذي نعيش له يستحق أن نحميه، و أن دم الأبرياء أمانة في عنق الدولة، لهذا نقف خلف قيادتنا بوعي يساوي صلابة موقفنا، فلا نُسلّم الخوف مفاتيح بيوتنا، و لا نُسلّم الغضب مفاتيح قرارنا، سيبقى لضحايانا حقهم في الوفاء و العدالة، و لأبنائنا حقهم في الأمن و الغد، و ليعلم الحوثي أن هذه البلاد تعرف قيمة ما تحميه، و تعرف مسؤولية القوة التي تحميه بها، هذه أرضنا، و هذا مستقبل أبنائنا، و لن يكتب الحوثي قرارنا.