هل خلق الأدب ليواسينا؟

في النقاشات الأدبية التي حضرتها مؤخرًا، لاحظت شيئًا يتكرر كثيرًا: الاعتراض على الروايات التي تحمل قدرًا كبيرًا من الألم. هناك من يراها ثقيلة، ومن يتساءل لماذا نقرأ عن الفقد والوحدة والقهر والموت والعلاقات المنهكة، وكأن حياتنا لا تحمل ما يكفي من كل ذلك. وأتفهم هذا الشعور، فنحن نلجأ أحيانًا إلى الكتب بحثًا عن مساحة أكثر رحمة من الواقع، عن حياة أخرى نستطيع أن نسكنها لبضع ساعات، وعن نهايات ربما لم تمنحنا الحياة مثلها. لكنني في كل مرة أسمع هذا الاعتراض، أسأل نفسي: هل خُلق الأدب فعلًا ليعطينا الصورة المثالية للحياة التي نبحث عنها؟ ماذا لو كانت إحدى أهم وظائف الأدب أن يفعل العكس تمامًا؟ أن يأخذنا إلى الأماكن التي نتجنب النظر إليها، وأن يمنح صوتًا للإنسان حين يعجز عن الكلام عن ألمه؟ بالنسبة لي، كثير من الروايات التي بقيت في ذاكرتي لم تكن الروايات التي جعلتني سعيدة، بل تلك التي جعلتني أتوقف طويلًا أمام جملة لأنني شعرت أن أحدًا قال بالنيابة عني شيئًا لم أستطع قوله. وهذا تحديدًا ما يفعله الأدب حين يكون حقيقيًا؛ لا يختلق لنا حياة مثالية، بل يكشف لنا شيئًا من حياتنا نحن. حين يكتب دوستويفسكي عن الإنسان وهو يصارع نفسه، أو يكتب كافكا عن العزلة والاغتراب، أو حين نقرأ عن امرأة تعيش داخل زواج فقد معناه، أو إنسان يواجه الفقد، أو شخص يشعر بأنه غريب حتى بين أقرب الناس إليه، فنحن لا نقرأ الألم من أجل الألم. نحن نقترب من تجارب يعيشها أشخاص حقيقيون كل يوم، لكن كثيرًا منهم لا يستطيعون الحديث عنها. وربما هنا تكمن قيمة الرواية المؤلمة. إنها تقول للقارئ: هذا الشعور موجود، وهذه المعاناة موجودة، وأنت لست الوحيد الذي مر بها. لكن هذا لا يعني أن كل رواية حزينة هي بالضرورة رواية عميقة. فهناك فرق بين أن يستخدم الكاتب الألم لاستدرار تعاطف القارئ، وبين أن يستخدمه لفهم الإنسان. الألم وحده لا يصنع أدبًا جيدًا، كما أن النهايات السعيدة لا تصنع أدبًا سطحيًا. المسألة في النهاية ليست في مقدار الحزن داخل الرواية، وإنما في صدق التجربة التي تحملها. ربما مشكلتنا أننا نريد من الأدب أحيانًا أن يواسينا فقط. نريده أن يخبرنا أن الحب ينتصر، وأن الخير يُكافأ، وأن الذين يتألمون سيجدون في النهاية ما يستحقونه. وهي رغبة إنسانية ومفهومة، لكن الحياة نفسها لا تمنحنا دائمًا هذه العدالة، فلماذا نطالب الأدب بأن يفعل ذلك؟ أعتقد أن الأدب أوسع من أن تكون له وظيفة واحدة. يمكن أن يكون نافذة نهرب عبرها من حياتنا، ويمكن أن يكون مرآة تعيدنا إليها. يمكن أن يمنحنا الحلم، لكنه يستطيع أيضًا أن يضع يده على جرح حاولنا طويلًا تجاهله. ولهذا لا أخاف من الروايات المؤلمة، ولا أراها أقل جمالًا لأنها لم تمنحني الراحة. أحيانًا تكون الرواية التي تؤلمنا هي الأكثر رحمة بنا، لأنها ببساطة تخبرنا أن هناك من عرف هذا الألم قبلنا، واستطاع أن يمنحه اسمًا. ربما لم يُخلق الأدب ليمنحنا الحياة التي نتمنى أن نعيشها فقط، بل ليجعلنا نفهم الحياة التي نعيشها بالفعل. * كاتبة من البحرين